الرئيسية » الآداب » ماكنتُ يوماً في الشيوعيين

ماكنتُ يوماً في الشيوعيين


قالوا: شيوعيٌّ. فقلتُ:
كلُّ منْ يشعُّ نورُ الشمسِ في عينيهِ،
دفءُ الأرضِ في قلبهِ
في لسانهِ، الفولاذُ يسقيهِ،
وربُّ الشعرِ والكلامِ والفكرِ وصدقُ القولِ راويهِ،
وحبُّ الناسِ حاديهِ وناديهِ،
طريقُ الشعبِ في النضالِ بالأيدي وباللسانِ، بالقلبِ،
وحقُّ الوطنِ المسلوبِ في الحريةِ الحمراءِ
روحٌ من أغانيهِ،
سلامُ الكونِ، أمنُ الناسِ فيضٌ منْ أمانيهِ
خلوُ البلدِ الرابضِ في الصدرِ
من الجوعِ من الفقرِ
من الأميةِ الضاربةِ الأطنابِ هاديهِ،
تقولونَ: شيوعيٌّ!

أنا الساكنُ في زاويةٍ شمالَ غربِ الأرضْ
أنا الحاملُ هذا النبضْ
أنا الواقفُ فوق القدمينْ
ثابتتينْ
في عمقٍ جذرِ الأرضْ
ما كنتُ يوماً في الشيوعيينَ معْ أني التقيتُ
و(اختلفتُ).

ما كنتُ يوماً شارةً، أو رايةً، أو طلقةً،
لكنَّني
بكلِّ ما في أضلعي البسيطةِ الرقيقةِ الطيبةِ
أحببتُ.
في حدقتيَّ أنجماً أويتُ، وارتويتُ، فارتقيتُ
سحائبَ الجبالِ والوديانِ والسهول والأمطارِ والأنهارِ
والنخيل والأهوارِ،
والمدنِ الكبارِ والصغارِ،
والأزقةِ الظلامِ والجوعِ، بيوتِ الطينِ والصفيحِ والقفارِ،
وسُحْتُ ….
في خارطةِ العالمِ،
في الشرقِ وفي الغربِ
وفي الشمال والجنوبِ
في أحياء كلِّ الفقراءِ الضعفاءِ، الأقوياءِ بالثورةِ، بالحبِّ،
بحلم الوطن الحرِّ السعيدِ
باليوتوبيا البشريه.

ما كنتُ يوماً في الملفاتِ
ولا في ماحكتْ عينُ المجلاتِ.
رأيتُ، وتقصَّيتُ، وراقبتُ،
تأمَّلتُ، قرأتُ
ما يقولُ رأسُ المالِ والبيانُ، والقصةُ والشعرُ
غوركي، ماياكوفسكي، لوركا، أراغونُ، نيرودا،
وكزانتزاكيسُ، بورخيسُ ، وماركيزُ،
وكلُ الأدباء الشرفاء العظماءِ بالحرف وبالضياء
بالعشقِ، وبالتوقِ، المساواةِ، العدالةِ،
إنهيارِ السور بينَ اللونِ واللونِ،
وبينَ الدين والدينِ،
وبينَ القوم والقومِ،
سبحتُ ….
في عوالمٍ تزخرُ بالكفاحِ،
بالكلامِ، بالأحلامِ، بالحمامِ، بالسلامِ،
بالجراحِ، بالنيرانِ، بالعشقِ، وبالأرواحِ،
بالقلوبْ.

ما كنتُ يوماً في التواريخ، ولكنّي قرأتُ
عن باريسَ، عن كومونةٍ شعبيةٍ حالمةٍ ثائرةٍ.
قرأتُ عن ثورةِ أكتوبرَ
عن عشرةِ أيامٍ تهزُّ العالمَ الساكنَ، الثابتَ،
الفاسدَ، الظالمَ، الخائفَ، الواقفَ فوقَ النارِ والحديدْ،
والغارقَ في الظلمِ وفي الأغلالِ والحروبِ والدماءِ والصديدْ.
قرأتُ عن لوركا واسبانيا،
وعن فهدٍ، وإضرابٍ لعمال كورباغي
وعن وثبةِ كانونَ 1948
وانتفاضةِ تشرينَ 1952
وعن ثورةِ تموزَ 1958
وعن مذبحةِ شباطَ1963
وعنْ جبهتهمْ.
قرأتُ عنْ جيابَ، هوشي منه، جيفارا ودوبريه
سانتياغو والليندي
ثُمَّ غورباشوفَ، يلتسينَ،
شيفرناتزهْ وبرلينَ!

عشقتُ
ماينشدهُ السيابُ، والنوابُ، والأخضرُ بنْ يوسفَ، والريفيُّ محمودُ
ورشدي، ماجدُ العامل، خصباكُ، وشمرانُ، وفرمانُ،
ودرويشُ، سميحُ القاسمِ، معين بسيسو، أميل حبيبي،
حنا مينا، نجيب سرور، صلاح عبد الصبور …..

وقد أبحرتُ
في بحرِ المجلاتِ التي قد وُصِمتْ حمراءَ،
لا صفراءَ أو سوداءَ،
حمراءَ !
نعم …
منْ لايحبُّ وردةً حمراءَ
يهديها الى الأمِ، إلى الصديق والحبيبِ
والحزبِ الذي ما كنتُ يوماً صوتهُ أو ظلهُ،
معْ أنني التقيتُ،
و(اختلفتُ) ؟!

لكنني
أسألُ هذا اليومَ
في خضمِّ هذا العالم الأعرجِ الأهوجِِ الواقفِ فوقَ قرنهِ الواحدِ
والثاني برسمِ الغيبِ:
كيف تجلسُ الحمامةُ البيضاءُ جنبَ النسرِ والصيادِ
والذئابِ والثعالبِ السوداءِ والصفراءِ
وبريمرَ
فوقَ مائده
وواحده؟
وكيفَ قد تحوَّلَ الصراعُ والمنازله
أيامَ حربٍ بارده
مغازله؟!
وكيفَ صارَ الغزوُ والتدميرُ والقتلُ
وقصفُ الطائراتِ الهائلاتِ العاصفاتِ القاتله
مسألةً فيها نظرْ
تحريرَ أرضٍ منْ خطرْ
منْ قائدٍ فيها جبرْ؟!
وكيفَ أمسى القفزُ من يسارِ تلكَ القافله
إلى اليمينِ الحافله
بالموتِ بالجياعِ باللصوصِ بالحروبِ
بالمذابحِ المُواصِله
بالنائباتِ النازله
تحديثَ فكرٍ مِنْ حَجَرْ
سياسةً عاقلةً فيها بصرْ؟!
* * * *
خاتمةُ الكلامِ
نحنُ اليومَ في حيرةِ أمرْ
فنحنُ مدهوشونَ مصعوقونَ في ضيقٍ بصدرْ:
كيفَ والبلدانُ تُحرَقْ
كيفَ والانسانُ يُسحقْ
كيفَ والخيراتُ تُسرقْ
كيفّ والكونُ سيغرقْ
كيفَ والغزوُ يُبررْ
كيفَ منْ أصبح في نيرِ احتلالاتٍ مُحرَّرْ
كيفَ والشعوبُ بالمُخصَّبِ الذرةِ تُضرَبْ
كيفَ والفقرُ يمدُّ النابَ والضرسَ
وفي كلِ بلادِ اللهِ ينهشْ
كيفَ والناهشُ معروفٌ مُجرَّبْ
كيفَ والحاكمُ كذّابٌ وسَـرَّاقٌ وذبَّاحٌ
وكيلٌ في دهاليزَ مُدرَّبْ
كيفَ والحرُّ نقيُّ اليدِ والفكرِ على الأرضِ مُغرَّبْ
ومُطوَّقْ
ومُعوَّقْ
ومؤرَّقْ
ومُحرَّقْ؟!
كيفَ، قلْ لي، يلتقي الضدانِ
جبارٌ عتيٌّ رأسماليٌّ ومصاصُ دماءْ
واشتراكيٌ عتيدٌ ونصيرُ الفقراءْ؟!!!!


فجر السبت 23 أغسطس 2008