الرئيسية » مقالات » خطر توزيع الحصص.. ضرورة مشروع وطني لفلسطين

خطر توزيع الحصص.. ضرورة مشروع وطني لفلسطين

تفرض الظروف المأسوية والمهينة التي يعيشها شعبنا الفلسطيني علي مختلف فصائل المقاومة سواء كانت سياسية أو فدائية ضرورة التسامي عن الحسابات الحزبية والعقائدية الإيديولوجية والارتباطات النفعية مالية وغير وسياسية مع نظم عربية وإقليمية، والإسراع ليس بتحقيق جولات جديدة من الحوار للمصالحة والتوافق الوطنى، فقد سبق لشتى الفصائل الفلسطينية أن التزمت بمبادئ وأسس توافقية للوحدة الوطنية وحول القضايا الجوهرية للصراع والتسوية والتفاوض وعدم التفريط في حقوق ثابتة مثل حق العودة وإنجاز الانسحاب الصهيوني حتى حدود الرابع من حزيران 1967، وإفراج تل أبيب عن جميع الأسري الفلسطينيين وذلك في إعلان القاهرة مارس 2005 والانخراط في منظمة التحرير مع إعادة بنائها بالكامل.
لكن المأساة أن الفلسطينيين وحتى وقت قريب كانوا يواجهون فقط العدوان الصهيوني والاجتياحات وجرائم الحرب الإسرائيلية والحصار والتجويع وتقويض مؤسسات جنينية أنشاتها اتفاقات أوسلو، وكذلك الدعم الأمريكي المطلق لتل أبيب، إلي جانب تدخلات ومؤامرات نظم عربية تحرص علي تجيير القضية لحساب بقائها في السلطة أو للتقارب مع واشنطن وتل أبيب أو خداع شعوبها بأن سبب أساسيا من أسباب شرعيتها هو العمل علي تسوية سلمية “عادلة وشاملة” للقضية الفلسطينية وخذ من هذا الكلام الغث الكثير.
المشكلة الجديدة هي في نتائج كارثية لا تنكر بالطبع تواجد نتائج إيجابية لما سمي بمشروع أسلمة الحياة والمجتمع والسياسة، وما يفرضه الإسلام السياسي من أهمية مزعومة لما تزعمه حركاته من الانقلاب علي الذاكرة الشعبية والوطنية النضالية الفلسطينية وتراث الكفاح الفدائي وتأسيس هيكلية فلسطينية تتصدي للاحتلال باستقلال معقول بعيدا عن توجهات وإملاءات نظم عربية. ومن الانقضاض علي مصادر ومقومات الشرعية النضالية والتوافقية للمقاومة الفلسطينية التي أسهمت فيها مختلف الطوائف والفئات بعيدا عن حسابات وتعقيدات الأدلجة الدينية.
والواقع أن اليسار الفلسطيني بمختلف توجهاته التقدمية المتطورة فكرا وممارسة والمطورة للفكر القومي والماركسي وفي مقدمها الجبهة الديمقراطية لتحرير فلسطين والجبهة الشعبية وحزب الشعب ويسار حركة فتح والتيار الليبرالي النقدي وتمثله شخصيات مدنية مناضلة مثل حنان عشرواي ومحمود درويش وحيدر عبد الشافي، هو الذي أسهم إلي حد كبير في إعطاء القضية الفلسطينية هويتها الجوهرية كقضية تحرر وطنى من الاحتلال الاستيطاني الصهيوني الذي هو جزء من التشكيل الإمبريالي الأمريكي الذي استهدف وبشكل مرعب ودموى وشرس ومنذ نكسة 1967 القضاء المنظم علي اليسار العربي والفلسطيني بوجهه المدني النضالي المسلح والديمقراطي السلمي.
وكان أن أسندت أجهزة التخابر والأمن الأمريكية هذه المهمة لتيارات أصولية متطرفة سنية في الغالب لتكون ذراعها في إنهاء الاحتلال السوفييتي لأفغانستان ثم تكون ذراعها في السلطة والثروة بعد الانسحاب وفي البلاد العربية استهدفت استخدامها واشنطن لابتزاز حكومات عربية رغم ولائها المطلق للولايات المتحدة ومصالحها الاستراتيجية في المنطقة العربية والعالم الإسلامي.
من هنا تأتي أهمية عودة الاتصالات بوساطة القاهرة من أجل تطبيق وترسيخ وإعادة الالتزام بما جري الاتفاق عليه بعد أن بذلت قوي اليسار الفلسطيني جهودا كبيرة من أجل إنجاز انتخابات رئاسية وتشريعية علي قاعدة التمثيل النسبي الكامل وغير الجزئي لأن التمثل علي أساس الدوائر أحيا نفوذ العشائر والعائلات وأسهم في إضعاف تراث الحداثة النضالي في مواجهة كيان استيطاني عنصري يقوم علي أولوية الأساطير الدينية وعلي أن إسرائيل دولة لليهود فقط، ورغم اعتراض قوى الإسلام السياسي علي ذلك لكنها تمارسه في واقع الأمر من حيث الخطاب الإعلامي الدعائي المفعم بهستيريا الحشد الديني.
وكذلك التخلص نهائيا من منطق تقاسم السلطة بالحصص والكوتا، الذي تم في لبنان حيث قبلت القوى اللبنانية صيغة وثيقة قطر التي وحيث لم يحرم أي فصيل لبناني طائفي أو سياسي من المشاركة والحضور والتمثيل في مجلس الوزراء. ومن هنا أهمية التحذير من أن تصر القاهرة علي هذا المنطق الحصصي بين فتح وحماس والذي فشل مع اتفاق مكة.
وربما يكون هناك فقط مبدأ واحد ينبغي إعادة الاعتبار له لم تشمله مختلف مواثيق المصالحة ورغم أنه يبدو للبعض بدهيا وهو أن قضية فلسطين هي قضية تحرر وطني من الاحتلال الصهيوني، وللأسف صار هذا العنوان غريبا الآن علي أفهام الشباب العربي والفلسطيني بتأثير هستيريا الحشد الإيديولوجي لحماس والإخوان المسلمين والذين اختزلوا كل قضية فلسطين في المسجد الأقصي وفي فك الحصار، وحيث بشرهم دعاة ورجال دين إسلاميون أشاوس جهابذة يتواري خلف ذكائهم اينشتاين نفسه بأن تحرير الأقصي فقط يكون بقيام الليل والصلاة والدعاء وانتظار الحجر الذي يعمل عساسا أي مخبر سري علي اليهودي ويقول له يا مسلم خلفي يهودي!!. من هنا أهمية التأكيد علي أنها قضية شعب واقع تحت الاحتلال وقضية كفاح مسلح مشروع وقضية مشروع سياسي فدائي للتحرر الوطني، وليست تنتمي أبدا إلي رغبة الانفراد بالسلطة أو إقامة إمارة إسلامية كقاعدة نموذج علي غرار طالبان كما ذكر الأخ الزهار والأخ مشعل وأبو مرزوق.
من هنا أيضا ضرورة توحيد قوى اليسار في الوطن والشتات انطلاقاً من الحاجة الماسة إلى بناء قطب ديمقراطي فاعل قادر على درء العواقب الوخيمة لحالة الاستقطاب الثنائي الحاد التي تُكرس الانقسام في الساحة الفلسطينية وعلى تشكيل عامل توازن وصمام أمان للوحدة الوطنية الفلسطينية.
ويبرز هنا دور الجبهة الديمقراطية لحرصها دائما على تطوير صيغة العمل المشترك بين القوى التي تشكيل جبهة اليسار وهي (الجبهة الديمقراطية –الجبهة الشعبية – حزب الشعب) وتفعيل دورها في بناء ائتلاف وطني ديمقراطي عريض يتسع لكافة القوى والتجمعات والشخصيات الديمقراطية الراغبة في ذلك على أساس برنامج يستلهم إعلان الاستقلال ووثيقة الوفاق الوطني للدفاع عن الحقوق الوطنية والحريات الديمقراطية وعن مصالح وطموحات الطبقات الشعبية والمحرومة والفئات الاجتماعية المضطهدة والمهشمة.
د. أحمد ثابت
استاذ العلوم السياسية – جامعة القاهرة