الرئيسية » مقالات » العراق.. اللا دولة (تنجز إتفاقية)؟!

العراق.. اللا دولة (تنجز إتفاقية)؟!

كثر الجدال و اللغط العراقي حول مسألة الاتفاقية الأمنية مع الولايات المتحدة، فطرف يصر على قبول الاتفاقية لا من منطلق عراقي بقدر ما هو مبني على الخوف من إنهيار تجربة حزبية فاشلة، و طرف آخر يصر على رفض الاتفاقية أيضا من مطلق إسلاموي إقليمي هو أبعد ما يكون عن الوطنية العراقية و متبنيا ذات الخطاب البعثي و خطاب هيئة علماء البعث و قتلة هؤلاء الذين يحتجون الآن بشعارات إيرانية، و قليلون هم أؤلئك الذين ينظرون إلى الاتفاقية من خلال نظرة وطنية و واقعية بعيدا عن المصالح الحزبية الضيقة و القومية العفنة أو العقل الخرافي، إن العراق في هذه اللحظة التاريخية الحاسمة لا زال بعيدا عن أن يكون ضمن صيغة “الدولة” التي لها ملامح واضحة، و هذا ما يجعل العراق بلدا مفتتا غير قادر على إنجاز أبسط الاتفاقيات الدولية.

إن الدولة القوية – و نحن لا نقيس قوة الدولة بجيشها و عتادها و إنما بقوة قرارها و حرية مواطنيها – لا يمكن أن تقوم على أكتاف سياسيين عديمي الكفاءة و الذين يرفعون شعار الانتماء الوطني بينما هم مؤمنون إما بأيديولوجية قومية أو طائفية، و هذا الانتماء هو الذي يرسخ ضعف الدولة و شبه انهيارها و عجزها عن تجاوز الأزمات، ففي كل مرة يهتز المجتمع العراقي بعد أن تتعرض فئة أو مجموعة من المواطنين لأحداث مؤلمة أو خرق صريح و علني للقانون، تقيد الأحداث دوما “ضد مجهول” أو يهرب المتهم بالجمل و ما حمل، و هذا مؤشر على فشل هذه التجربة اللا ديمقراطية، و هي بالتأكيد ليست ديمقراطية لأنها ببساطة طائفية قومية عنصرية، و العراق مقبل على فوضى شاملة إذا ما تكرر التصويت على نفس الأسس التي تم الانتخاب على أساسها ليتم خلق هذا البرلمان و الحكومة المالكية الضعيفة و الهزيلة، بل إن حكومتنا و بدلا من أن تسارع في حل الأزمات و تطبيق القانون بحق الفاسدين و الإرهابيين فإنها تبادر إلى جدال الصحافة – كما فعل الدباغ الناطق باسم الحكومة – حول عدد الضحايا أو الجرحى أو المهجرين و كيف و متى..!!

و إذا كان القاريء العزيز يحسب أننا شططنا عن الموضوع فالأمر ببساطة هو أن كل السلبيات التي تعاني منها الحكومة العراقية هي من ضمن مظاهر الحكومات الضعيفة الفاشلة، فالسيد رئيس الوزراء ضعيف و هزيل في كل المواقف، لكننا نراه حازما و قويا أمام الأمريكيين فقط، ليس لأي سبب إلا كونه ينظر إليهم نظرة “عقائدية” صارمة تعود إلى أيام “النضال”، لكنه لو كان قويا في محاسبة الفاسدين و الوزراء و المدراء العامين على سرقاتهم و فسادهم، لكان موقفه قويا مع الأمريكيين أيضا، و أحسب أن النواب البرلمانيين العنصريين و القوميين – الذين ألغوا المادة 50 – يراهنون الآن على الضحك مرة أخرى على ذقون العراقيين ليصوتوا لذات المفسدين “و بعضهم حجز و احتل بعض الوزارات منذ التحرير و كأنها مال أبيه أو مال أبوه حسب التعبير الشعبي”، و إذا كان العراقيون سيرتكبون الخطأ نفسه مرة أخرى، فكأنهم سيصوتون مرة أخرى على الفقر و انعدام الكهرباء و سوء الخدمات و شحة الموارد، حينها على الشعب أن يقتنع بكل الألم الذي صوت له، فالسيد العظيم و البطل القومي الكريم و شيخ العشيرة المقدام وحدهم هم من يستحق جني أرباح النفط و هي بالتأكيد ليست كافية لهؤلاء اللصوص و الحرامية.