الرئيسية » مقالات » نظرات في مذكرات الأستاذ جعفر هجول(1)

نظرات في مذكرات الأستاذ جعفر هجول(1)

في رسالة مملحة من البروفيسور الصديق عدنان الظاهر أخبرني بأن الأستاذ جعفر هجول قد أرسل له مذكراته المطبوعة لمقر أقامته في ألمانيا ،فعجبت للأمر لأني معه في الحلة ولم أعلم بصدورها رغم علمي بأنها أعدت للطبع وقد سبق أن أوعدني الأخ جعفر بإرسالها و،قد طلب مني الظاهر إرسال عنوان هجول إليه لإرسال ما لديه من ملاحظات فاتصلت به على تلفون منزله فعلمت أنه مسافر الى سوريا ولا زال هناك وبقيت بانتظار عودته الى العراق لأخباره بطلب الظاهر،ثم أرسل لي رسالة الأخ مؤيد عبد الأئمة طالبا مني الاتصال بهجول لإرسال نسخة من الكتاب له ،فاتصلت بزميله ورصيفه الأستاذ المحامي جاسم الصكر لأخبار هجول بذلك فوعدني بأن يتصل به ويرسل لي نسخة من الكتاب..

وبعد عودته من سوريا اتصلت به عارضا عليه رسالة الظاهر والأخ مؤيد فوعدني بإرسال الكتاب واتفقنا على موعد حيث استلمت منه ثلاث نسخ لإرسال واحدة منها الى مؤيد رغم أني طلبت منه سابقا الإطلاع على طبعته الأولى لأفادته في أعادة طبعها والاطلاع عليها لتنبيهه الى ما فيها حتى تكون الطبعة الثانية أفضل من الأولى إلا انه لم يرسل لي نسخة لعدم توفرها لديه ،لذلك رأيت أن أعلق عليها بما وجدت فيها من أمور تستحق التعليق.

صدر عن مكتب اللقاء العراقي للطباعة والنشر في حلة العراق مذكرات أو ذكريات الأستاذ جعفر هجول (الحلة بين العشق والانتماء) الجزء الأول هذا العام 2008 في 233 صفحة عدى الفهارس والصور،وكان رحلة ممتعة في حياة الكاتب والشاعر والشيوعي السابق أستعرض من خلالها شيئا من تاريخ الحلة وخططها وفولكلورها وعاداتها وتقاليدها الاجتماعية ،ونشاطاتها السياسية والأدبية بأسلوب رائع تجلت فيه براعته الأدبية وقدرته على الدراسة والاستنباط،وبما أن كل عمل لا يخلو من خلل أو زلل،فقد رافق كتابه بعض الخلل الذي لا يسلم منه مطبوع فما حالك بمطبوع يصدر في العراق في ظروف أختلط فيها الحابل بالنابل،لذلك رأيت أن أمر مرورا كريما على الكتاب راصدا ما بدا لي من خلل متجنبا الخوض في أخطائه المطبعية والفنية التي أصبحت ميسما فارقا للمطبوع العراقي في ظل الانفلات العجيب،وعسى أن يكون لملاحظاتي وقعها الحسن في نفس أخي الكريم،وأن يأخذ بالسليم منها في طبعته القادمة لأن هذه الطبعة أشبه بالتجريبية،ولوجود ملاحظات كثيرة للبروفسور الظاهر عنها بحكم معايشته لأحداث الحلة السياسية والأدبية وإلمامه الواسع بعاداتها وتقاليدها وظواهرها الاجتماعية وعمله في منظماتها الجماهيرية بوصفه من أبرز ناشطيها في فترة الصبا والشباب.

في المقدمة الجميلة أستعرض الأخ الكريم هدفه من كتابة هذه المذكرات،مع إلمامة بسيطة عن مدينة الحلة وسكانها ،ممهدا للتوسع في ثنايا الكتاب،وتناول العلاقات الاجتماعية والسياسية خلال عقود متواصلة،وقد يؤاخذ على قوله الذي يوحي لمثلي بالكثير،والذي رايته تنصلا عن انتماء وتراجعا عن قضية،فقد ذكر في ص3 من المقدمة(وعشت مع الحقبة الملكية شابا ومع الجمهورية معلما ومناضلا ومع الانقلابات الدموية راصدا،ومع الدكتاتورية متقيا حذرا،ولا سيما الصراع الفكري والاحتراب السياسي الدموي بين الشيوعيين (الذين كنت معهم) وبين البعثيين(الذي كان أخي الأكبر والوحيد منهم)وذلك السجال الذي لم يجد له طريقا أو ثغرة ينفذ منها لفصم عرى العلاقة الأخوية النبيلة والفريدة والدائمة) ولست هنا بمعرض المفاضلة بين فكر وفكر أو التزام والتزام،أو ما عليه أولئك وهؤلاء من خلق متناقض ولكن قوله (الذين كنت معهم)وأخيه الذي(كان منهم) أي أنه مع الشيوعيين وشقيقه من البعثيين وأترك للقارئ التفريق بين معهم ومنهم التي تعني الكثير مما لا أود الخوض فيه والذي أنعكس مستقبلا على مواقفه من الأحداث.

وفي الصفحة السادسة التي كانت بداية الفصل الأول وضع كلمة الحلة عنوانا للفصل وكانت صغيرة باهتة لا يصلح عنوان لفقرة فما بالك بجملة ووضع أمامها نجمة في أشارة لهامش،وعند العودة لما كتب في الهامش وجدنا أشارته لكتاب الدكتور جواد أحمد علوش عن صفي الدين الحلي وتناوله استطرادا تاريخ مدينة الحلة وقال في نهايته(ومما جاء فيه) ولم يذكر ما جاء فيه اذ كانت الكلمة نهاية الهامش وهو يحتاج الى مراجعة لتصحيح الخلل والأمر الآخر أنه ذكر في صلب الموضوع(وقد كتب عنها أيضا الدكتور جواد أحمد علوش في معرض كتابه عن الشاعر الخالد صفي الدين الحلي والذي نال عنه الماجستير في آداب اللغة العربية من جامعة بغداد) فيما ذكر في الهامش(بحث أكاديمي قدمه لنيل شهادة الماجستير في القاهرة)مما يستدعي التصحيح بالإشارة الى الجهة التي منحته درجة الماجستير.

ولا أدري كيف لأخي الكريم تناسي تاريخ الحلة قبل تأسيسها ،فقد أسست هذه المدينة بجوار أقدم الحضارات الإنسانية وما زال حكام العراق يتغنون بأمجاد الحضارات التي وجدت على أراضيها،ففيها شرعت أولى القوانين وعمرت العمائر وأسست الحضارات في مدينتها الأثرية التي هي امتداد لها وتاريخها الإسلامي منذ أن وطئ ثراها الأمام علي في معاركه وسميت المنطقة بمشهد الشمس،وهذه المعالم التاريخية لا يمكن تجاوزها لمن يحاول الكتابة عن تاريخ الحلة لشهرتها التي طبقت الأفاق وتجاوزت جميع منعرجات التاريخ،وكان على الأستاذ الكاتب الإشارة الى المعالم التاريخية المهمة للمدينة وما يجاورها ،وما لها من تاريخ سامق عريق أمتد عبر عصور التاريخ المختلفة فمن أثارها القريبة منها الأثر التاريخي العظيم برس الذي يعتبر من المعالم التاريخية المهمة ،ومنطقة سورى المشهورة بخمورها ومتنزهاتها عندما كانت رئة العاصمة العراقية الكوفة،ومدينة السفاح في ناحية القاسم التي فيها قصره الشهير،وهذه المعالم أعطت للحلة شهرة تاريخية تفوق مثيلاتها من محدثات المدن أمثال الديوانية والمثنى والنجف وكربلاء لذلك كانت ولا زالت الحلة هي قلب الفرات الأوسط ومدينته المعروفة بتحضرها وثقافة أهلها وتقدمهم في كل المجالات،وبعدها التاريخي أكثر شهرة من نسبتها الى بني مزيد لأن تأسيسها في هذا المكان لم يكن اعتباطا كما هو حال المدن الأخرى بل جاء لسابقتها التاريخية وكونها منطقة مهمة لها مناخها الخاص وتربتها الخصبة التي جعلت منها سكنا نافعا،ولم تخلوا طيلة تاريخها من بشر كما هو حال المدن الأخرى كالنجف الواقعة في الصحراء وكانت موطنا لبدو الصحراء،أو بغداد ذات التكوين الحديث نسبة الى بابل مدينة الحضارات.

وأمر آخر أشار له باختصار في ص8 من كتابه(وكانت تأتي من شمالي الفرات حاويات حديدية عائمة مكشوفة تحمل في باطنها القار(الإسفلت) على شكل كتل…)الخ ،والأفضل الإشارة الى أن هذه المراكب تقدم من مدن لها تأثيرها على الحلة ولا زالت أثارها ماثلة حتى اليوم،فمدينة هيت وحديثة وجبة وفد منها المئات الى الحلة واتخذوها دار أقامة لهم ولهم أحيائهم المسماة بأسمائهم لا زالت باقية حتى اليوم،وهؤلاء على ما يذكر أصحاب التواريخ يقدمون إليها للعمل فيها لما يتوفر في المدينة من تقدم حضاري وما تتصف به من إنسانية لقبول الآخرين رغم الاختلاف الديني والمذهبي بينهم فقد سكنها اليهود والسنة لسماحة أهلها وطيبتهم وابتعادهم عن أي تعصب ديني أو مذهبي أو قومي ،وبمعنى آخر فأن أهل الحلة علمانيون إنسانيون يختلفون عن مدن الفرات الأخرى بإنسانيتهم البعيدة المثال.

أما جسر الحلة الصغير فقد وجد قبل وجود السيارات وكانت تمر عليه العربات المخصصة لنقل الأشخاص أو البضائع(الربلات) وهو ما اشتهرت به الحلة عن مدن الفرات الأخرى باستخدامها لهذا النوع من التنقل مما يدل على حضارة وتقدم أهلها واختلافهم عن الآخرين في تقدمهم الحضاري.

وقد أشار في ص12 الى محلة الخصروية وأن تسميتها جاءت لأن النهر(عند دخوله المدينة يتلوى راقصا طربا فيتخوصر عند وسط المدينة،ولذلك سميت المنطقة التي يتخوصر فيها ب(الخصروية) وهذا الرأي يحتاج الى توثيق ويرافقه الكثير من الشك رغم أن الأسماء تعطى لأوهن الأسباب ،ولكن المشهور أنها تسمى الخسروية نسبة الى أكاسرة الفرس الذين حكموا العراق قبل الإسلام وعاصمتهم المدائن المعروفة القريبة من الحلة،وقلب السين صادا من المعروف المشهور في العربية منذ أقدم عصورها فيقال (الصراط المستقيم) و(السراط المستقيم) وهذا من المتواتر المعروف رغم أن البعض يحاول لأسباب قومية أيجاد تبريرات لأسماء كثيرة لإثبات عروبتها وهو ما يميل إليه العروبيون في كل شيء حتى أن المرحوم الدكتور ناجي معروف ألف كتابا بعدة مجلدات عن عروبة العلماء المنسوبين الى البلدان الأعجمية خلط فيه خلطا عجيبا ولم يترك عالما من الترك أو الفرس أو الديلم أو الغجر الا وأعاده الى قبيلة عربية مما جعله محل تندر الآخرين رغم أنه جني آلاف الدنانير من وراء سفسطته الفارغة.

وقد تطرق الأخ الكريم الى أصحاب الحرف والمقاهي وأمور تتعلق بحياة الناس لا أحب الإضافة إليها وأحيل القارئ والمؤلف الى ما كتبه البروفسور عدنان الظاهر في العديد من المواقع ومنها الحوار المتمدن عن مدينة الحلة وهي كتابة موسوعية تناول فيها الكثير من الأمور غير المسبوقة التي لو أطلع عليها الأستاذ جعفر هجول لاستفاد منها كثيرا.

يتبع