الرئيسية » مقالات » كمال السيد .. ذكرى وتأريخ حياة

كمال السيد .. ذكرى وتأريخ حياة

تمر هذه الأيام الذكرى السابعة لرحيل الملحن كمال السيد ففي يوم الاربعاء 24/10/2001 رحل من دنيانا هذا الفنان المبدع ، وهو يحلم برؤية ضوء الفجر كي ينتهي الليل الطويل ، وحتى تخرج البلابل من اقفاصها المتكسرة ، وتطير الفراشات في الحقول ، ويعود المغني يغني للارض والانسان أغاني الحب والجمال ، المبشرة بنهار جديد يعود فيه الغريب إلى دياره .
الفنان كمال السيد ولد أواسط الأربعينات في مدينة الناصرية ، هذه المدينة الفراتية الحلوة التي قدمت أعظم المواهب وكانت للغناء ميدانه ، حيث قدمت ابرز معالمه ، جبار ونيسة ، حضيري أبو عزيز ، داخل حسن ، ستار جبار ، فتاح حمدان ، الشهيد صباح السهل ، حسين نعمة ، طالب القرغولي …
قدم كمال السيد لحنه الأول إلى الإذاعة العراقية ، بعد إن أضناه التعب في البحث عن الصوت الذي أعجبه ، واختاره بذكاء لأداء أغنيته الأولى المكَير ، هذا الصوت الذي سمعه في كاسيت غنائي شعبي في اغنية الهدل وأعجبه صوت صاحبه ، وعرف انه من مدينة النجف فذهب إليه ليغني لحنه وقد تردد صاحب الصوت في الحضور لتسجيل الأغنية في الإذاعة ، بسبب خشيته من موقف والده من الغناء ، عاد الملحن كمال السيد إلى النجف ليبحث عنه ويقنعه أن لايحرم الناس من صوته الجميل ، فأطلقه إلى عالم الإذاعة عالم الشهرة الواسعة ، الأغنية من كلمات الشاعر المبدع زامل سعيد فتاح ، وأصبح الفنان ياس خضر فناناً كبيراً ، لكنه لم يسأل يوماً عن الفنان الذي اطلقه نجماً في سماء الأغنية العراقية كما تنكر له فنانون آخرون خوفاً من الديكتاتورية أو ارضاءاً لها ومنع اذاعة الأغنية في العهد الصدامي وكل أغاني الملحن كمال السيد ولم تقدم محطاتنا الفضائية واذاعاتنا المحلية هذه الأغنية الجميلة لجمهورنا الذي حرم منها زمناً طويلاً في عهد الديكتاتورية البغيض ، هذه الأغنية الحلوة التي مثلت اسلوباً جديداً في التلحين يزاوج بين لون المدينة والريف ويتميز بتنقلات اللحن بين مقامات عدة بأنسياب عذب ورسمت كلماتها ارق صورة لريفنا الجميل ولأحاسيس العشق وتصور وداع الأحبة ولوعة الفراق في محطات السفر وكانت نبوءة للرحيل والبعد .
قدم للفنانة الكبيرة أنوار عبد الوهاب ، ابنة الشهيد عبد الجبار وهبي أبو سعيد ، الذي قتله مجرموا انقلاب شباط الأسود ، اغنية كصة المودة ، من كلمات الشاعر كاظم الركابي والتي غناها أيضاً المطرب فتاح حمدان الذي قدم اغنية (ويل كلبي اشهل مصيبة) واغنية (لعيونك الحلوات) واغنية (يسألوهه عليه الناس) وكلها من الحان الفنان كمال السيد ، “المطرب فتاح حمدان واحد من اولئك المطربين الذين لم يأخذوا نصيبهم من الانتشار والنجومية على الرغم من امتلاكه لصوت عذب وجميل وأغان رغم قلتها الا انها اغان رائعة وجميلة ومتكاملة.. ربما هناك سبب اخر في ان هذا المطرب لم يغادر مدينته (الناصرية) والمعروف ان للعاصمة تأثيرا كبيرا في شهرة ونجاح وتألق الفنان بكل اضوائها وبهرجتها وثقلها الاعلامي والفني اضافة الى رحيل هذا المطرب المبكر وهو ما يزال في بداية مشواره الفني وعطائه”.(1)
وللفنان الرائع قحطان العطار سلمت وانته مارديت السلام ، وللفنان الكبير حسين نعمة كون السلف ينشال وأغنية البلام . وأغنية ” البلاّم ” التي كتب كلماتها الشاعر أحمد عبد الجبار غنيت في النصف الأول من سبعينيات القرن المنصرم ، قال عنها الملحن العراقي الكبير كوكب حمزة ” إنها من أهم الألحان العراقية، وتعد في المرتبة الأولى من حيث القدرة الإبداعية اللحنية التي تميز الملحن ، هي بحق شهادة إبداع لهذا الملحن المهم الذي طبع بصماته بجدارة تامة على تاريخ الأغنية العراقية ” ، و الفنان الكبير فاضل عواد ياريحان شعر مظفر النواب وأغنية روحي بيدة تأملت يلمح خيالة كلمات الشاعر عريان السيد خلف ، ولسعدون جابر يا أهيف الطول ، وحميد منصور اغنية الشموع ، و حدايق ، واغنية نجمة حبيبي ، اضافة الى الفنان عبد الزهرة مناتي الذي لحن له اغنية الروح كلمات الشاعر الراحل كاظم الرويعي.
” أما أغنية مدللين فقد أدخلت المطرب سامي كمال إلى عالم الغناء بعد أن كان أحد أعضاء فرقة الكورال التابعة لدار الإذاعة والتلفزيون، وهي من كلمات الشاعر إسماعيل محمد إسماعيل واغنية اخرى هي اغنية “ رايـح يرايـح وين يويلي يا بوية” من كلمات اســــماعيل محمد اسماعيل وأغنية (أحبه وأريده) للشاعر كاظم اسماعيل كاطع و(لاتكولون الحب ضاع) كلمات كريم العراقي وقدم للمطرب سامي كمال أغنية ” بين جرفين العيون ” التي كتب كلماتها الشاعر مهدي عبود السوداني, واستمر سامي كمال بمرافقة ابوه الروحي كمال السيد حتى بعد رحليه عن العراق قسراً الى اليمن وسوريا” (2)
وقد عرضت الفضائية البغدادية التي قدمت برامج جميلة ، تهتم بالاغنية العراقية وكرمت الفنانين المبدعين ورعت المغنين الشباب عرضت لقاءاً مع الفنان المغني والملحن المهاجر سامي كمال الذي حرمتنا سياسة صدام من الاستماع لصوته ثلاثة عقود وحرمت الوطن من الاستفادة من مواهبه المتعددة ، هذا الفنان الذي اتعبته الغربة الطويلة وانهكه المرض فلم يقدر أن يوصل في هذا اللقاء طاقاته الفنية المكبوتة إلى الجمهور الذي يجهل الكثيرين منه امكانات هذا الفنان الكبير ولكني أُسجل عليه عدم اشارته في اللقاء إلى استاذه الملحن الراحل كمال السيد لا من قريب ولا من بعيد.
وغنى من الحانه المطرب عارف محسن اغنية حبنة حبيبي لو لاه مع أديبة ، والمطرب الشهيد صباح السهل في اغنية العشك مو بالشكل واللون والفنان صباح السهل أعدمته سلطات صدام بسبب نقده لممارسات أقطاب السلطة.
إما لحن مابدلك والنبي الذي غناه المطرب فتاح حمدان فقد وضعه الفنان كمال السيد لأحدى أغاني اوبريت ياهيل ، إما الكلمات فهي للشاعر كاظم الركابي وقد غناه ايضاً المطرب سعدي الحلي.
وفي دمشق غنى كمال السيد للعراق وكانت رائعته سعود للشاعر العظيم مظفر النواب ، وأغنية بغداد ، وأغنية ياشعبي دمي إلك للشاعر العراقي كريم العراقي ، وذهب فكر الشغيلة ، وأغنية مفروض الواحد للشاعر الثوري المصري نجيب سرور ، وغنى لفلسطين المظلومة اغنية يمه ياويل الهوى حكم الخناجر ولة حكم النذل بية لمحمود درويش ، هذه الأغنية التي تصور الظالمين وقسوتهم وضياع الأحلام ، حين تقول كلمات الأغنية خسرت حلما جميلا خسرت نفح الزنابق ، لقد تعود كفي على سياج الحدائق.
وللشاعر هاشم شفيق غنى استمد الشجاعة منك ، هذه الأغاني التي كنا نؤديها والدموع تنهمر رغماً عنا حين نتذكر أحبتنا في سجون الطاغية ، أو نتذكر أصدقائنا في خطوط القتال في الحرب مع الجارة ايران ، ثم سافر إلى ليبيا مع الشاعر العظيم مظفر النواب ، وبعد عودته من ليبيا هاجر إلى الدانمارك عام 1986.
الفنان كمال السيد بعد إن انهى دراسته ، أصبح معلما في مادة الموسيقى ، وتعرفت عليه في مدينتي الحلة في أواسط السبعينات ، عندما كان معلما في مدارسها في مادة الموسيقى ، وعن طريق الأستاذ نهاد عبد الستار رشيد ، احد مثقفي الحلة المعروفين ، كان لقائي به في الحلة عابرا لم ينطوي على ملامح تسجل للذكرى.
ثم تعرفت عليه في دمشق أوائل الثمانينات ، عندما جاءها من عدن ، واستقر بها بضعة سنوات ، وأسس فيها فرقة المنظمات الديمقراطية ، في الفرقة غنينا أغاني أكثرها من الحان كمال السيد ، ومن الطرائف التي تدل على اخلاق الفنان كمال السيد العالية وأدبه الجم وشدة تهذيبه ، كان لي صديق من السليمانية اسكن واياه في غرفة واحدة ، وكنا لانستطيع إن نفارق بعضنا وهو الصديق رزكار عبد الفتاح من محلة شورش في السليمانية ، حين انضممت إلى الفرقة الفنية ، قال لي: كاكا اني مايقدر يضل وحدي بالبيت يضوج اني ، اطلب من الفنان كمال السيد يضمني للفرقة ، شرحت للراحل كمال السيد الموضوع ، ولما جاء للاختبار وجده لايجيد نطق العربية واحتار كمال ، حين وجد الدمعة كادت تنزل من عينه ، فقبله عازف ايقاع ، وبدا يعلمه فن الايقاع ، وكان ذلك عملا مرهقا اخذ كثير من وقت الفنان كمال السيد ، كان معنا في الفرقة عازف الكمان الاخ محفوظ البغدادي أبو نجيب من كربلاء الذي قاد الفرقة بعد سفر كمال السيد ، وعازف العود أبو صفاء من الناصرية ، أحلام الكشميري (منشدة) من كربلاء ، جواد أبو علاء (منشد) من البصرة ، وجواد ابو اثير (منشد) من كربلاء ، وكاتب المقال منشد ، كنا نؤدي الاغاني بطريقة حماسية ، فهي اغاني وطنية تلهب الحماس ، كنا نؤديها وكأننا نقاتل وفي لحظات تكاد الدمعة تسقط من العيون ، وكثيرا ما أجد الأخ رزكار يضرب الطبلة والدموع قد سالت على خديه ، حين يصعد اللحن إلى ذروته ، في اغاني كمال السيد مثل سعود وبغداد وياشعبي دمي الك للشاعر كريم العراقي .
ذات يوم سألته عن أجمل صوت عراقي يحب سماعه فاجابني بانه يحب صوت الفنان الراحل ستار جبار الذي غنى له اغنية “تمر بيه ولا جنه تعرف اشصار واغنية ليــــش حبينه ، ثم أسس مع الفنان كوكب حمزة ، فرقة بابل ، مع المغني سالم البهادلي وفلاح صبار ، وضارب الايقاع حمودي عزيز ، وقدم كمال السيد موهبته الفنية لشعبه ، وانحاز للفقراء ، وناهض ديكتاتورية صدام ، وقدم أهم أعماله الفنية السياسية في المنفى الذي اختاره ، وكان بمقدوره إن يكون بوقا لصدام وغجره ، وان يغدقوا عليه الملايين من أموال شعبنا المنهوبة ، مثلما فعلوا مع العديد من الفنانين الانتهازيين الذين باعوا ضمائرهم ، وملئوا جيوبهم من أموال شعبنا البائس ، وغنوا ، وطبلوا ، وصفقوا للطاغية ومجدوا ظلمه وطغيانه ومغامراته الطائشة ، وإفقاره وإبادته لشعبنا وتدمير إمكاناته.
هناك العديد من الأعمال التي قدمها الملحن الراحل والتي سجلها على اشرطة الكاسيت لكن لم تنل الشهرة التي تستحقها. أعمال لا تقل أهمية وجمالاً عن سابقاتها. أغاني سمعها المقربون من الملحن كمال السيد في الأمسيات التي كانت تقام في عدن و دمشق و كوبنهاغن بمناسبات مختلفة، أذكر منها، أغنية ” إجه المطر وانتَ بلا حبيبة ” و ” أبو المواني ” وأغنية ” ترافه وليل ” التي كتب كلماتها الشاعر مظفر النواب .
عند مغادرتي وطني العراق ومدينتي الجميلة الحلة الفيحاء ، واقامتي في دمشق ، عند اقامتي في دمشق في بداية الثمانينات عملت كما ذكرت مع الملحن الكبير كمال السيد ، والذي قدم من اليمن الديمقراطية مع الملحن والمطرب سامي كمال والملحن حميد البصري والملحن كوكب حمزة اضافة للفنانة شوقية وعازف الايقاع الفنان الحلاوي حمودي عزيز في نهاية عام 1981 ، وقدَّمت فرقة المنظمات أجمل الحان الملحن كمال السيد أبو الحان ، وبالمناسبة الحان هي إبنته البكر من زوجته الحلاوية الشهيدة هناء عثمان عبد السادة ، في دمشق قدمنا على اشهر صالاتها ومسارحها الاغاني الوطنية الثورية ، مثل اغنية ويهة يهلنة واحنة منهة وبيهة ، بغداد شمعة وماهوا يطفيهة ، للشاعر كريم العراقي ، واغنية سعود للشاعر العظيم مظفر النواب ، والتي تقول كلمات الاغنية يسعود احنة عيب نهاب يابيرغ الشرجية ، هذي يشاميغ الثوار تبرج نار حربية ، وذات يوم اختارني الفنان كمال السيد لمشاركته في حفل مصغر اقامته اللجنة المركزية للحزب الشيوعي السوري ، وحضرت الحفل الذي اقامه الحزب الشيوعي العراقي في العيد الخمسين لتأسيسه ، على صالة سينما الزهراء في دمشق وحضر الحفل الشاعر العظيم الجواهري ، وكان مدير الحفل الراحل عامر عبد الله ، وبعد سفر الملحن كمال السيد بمعية الشاعر مظفر النواب إلى ليبيا قاد الفرقة عازف الكمان الاخ محفوظ البغدادي ابو نجيب ، ثم تشتت اعضاء الفرقة رزكار ذهب إلى كردستان ، الباقي هاجروا للمنافي الاوربية ، الفنان كمال السيد هاجر للدانمارك ، وبقيت ذكريات هذه الفرقة ونشاطاتها طرية في الذاكرة ، حيث عرفت الناس في المغترب اللحن العراقي العذب والكلمة الحلوة واوصلت مظلومية شعبنا إلى احرار العالم .
عرفني على الفنان كمال السيد ، الشهيد أبو توفيق ، المهندس رشاد عباس ، استشهد في بشت اشان في كردستان عام 1983 ، وهو من اهالي النجف ، اوصلني له الدكتور عبد الحسين شعبان .
“الغربة لم تستطع اخماد موهبة وطاقة هذا الفنان الكبير بعطائه الفني وحبه للغناء, الدنمارك كانت محطته الاخيرة فقام ما بتأسيس فرقة للاطفال العراقيين قدم من خلالها العشرات من الاعمال الجميلة باصوات هؤلاء الاطفال مثل اغنية(محروس يا عراقنا) و أغنية( أجمل وطن)واغنية(يا بلبل الصباح ) واغنية(يا بنيات المحلة )و(ما أبسط الحياة) واغنية( يمه يا يمة) واغنية( قلم التلوين) والعديد من الاغاني الرائعة” .(3)
وأغنيتان افرزهما البعد عن الوطن وحملت مشاعر كل الراحلين بعيداًعن ديارهم وهي امنيات بالخير والسلام غناهما الفنان قحطان العطار (كل سنة وإنت طيب) التي يقول مطلعها : كل سنة وإنت طيب اه يحبيّب يا وطني الحزين واغنية ياغريب الدار، وتقول كلمات الاغنية :
ياغريب الدار عن دار الاهل هاك لهفة شوك معتز بيها
هاك بوسة لعينك الحلوة كحل شوف بيها احبابك وناغيها
من نواعير الغفت حدر النخل من ثنايا الهور من برديها
هاك وادري بدمعتك ترفة وتهل وادري بيك بمستحة مداريها
هاك وادري الغربة ابد ماتنحمل وادري بيك بحيلك تلاويها
شما ثكل ضيم الوكت باجر يطل فجر جيتك واحنة المتانيهة
” يتحدث الكاتب والمخرج صالح البدري عن عطاء كمال السيد في مجال الاوبريت وتجاربهما المشتركة في تقديم هذا اللون الابداعي الذي تمتزج فيه فنون عدة فيقول :
“كان ذلك في عام 1971 يوم نُسبت مشرفاً للنشاط الفني في محافظة ذي قار بعد تخرجي من كلية الفنون الجميلةعام69/70 – قسم الفنون المسرحية – حيث إلتقيت الفنان كمال السيد كمشرف للموسيقى في هذا النشاط . وحيث عرض علي مسألة التعاون لأخراج ( أوبريت أبو الهيل ) وكان من تأليف الشاعر الشعبي الراحل المبدع ( كاظم الركابي ) وضمن المهرجان القطري للفنون الجميلةالسنوي في العاصمة الحبيبة بغداد مع فرقة موسيقى مديريةالتربية وحيث كانت نتيجة هذه المشاركة حصول الأوبريت على المرتبة الأولى وكان من بطولة الفنان الراحل فتاح حمدان بدور( أبو الهيل ) وقد شاركت فيه أيضا كممثل لشخصية ( أبو الزبيب )! وبمشاركةالفنانين المبدعين عبد الرزاق سكر وحازم ناجي وفرقة كورال مديرية التربيةوبأشراف الأستاذة فاطمة العودة ، وفي العام 1972 تكررت أيضا تجربة العمل المشترك وفي نفس المهرجان في محافظة البصرة الفيحاء لترشيح الأوبريت الفائز الى بغداد، وهذه المرة كانت المشاركة من خلال أوبريت ( هلاهل ) من تأليف الشاعر الراحل أحمد عبد الجبار ومن تلحين الفنان السيد ومن إخراجي والذي حاز على جائزة تقديرية حينها، وكذلك أوبريت ( جنيات الوادي ) الذي كتبه الشاعر الراحل قيس لفتة مراد وكان من ألحان السيد , من اخراجي أيضاًً وكان من بطولة الفنان زكي عطا وبمشاركة فرقة موسيقى التربية أيضاًً وتصميم الديكور وتنفيذه لهذه الأوبريتات الثلاث للفنان التشكيلي عبد الكاظم إبراهيم. وهذا الأوبريت قد ترشح الى العاصمةبغداد مع أوبريت مديرية تربية البصرة ( مابيع طوكي ) وكان من تأليف الشاعر المبدع ( كزار ذياب – أبو سرحان ) ومن ألحان الفنان المبدع كوكب حمزة ومن إخراج الفنان قصي البصري . حيث حصل حينها أوبريت ( جنيات الوادي ) على المرتبة الأولى وحصل ( مابيع طوكي ) على المرتبة الثانية.وكان يحدونا الأمل جميعامن فنانين وشعراء ومخرجين أن نقدم فناًً راقياً ومعبراً ويعكس معاناتنا ومعانات شعبنا بجهد فني وجمالي وحيث هكذا كنا نعمل في عهد الديكتاتورية والتسلط والطغيان الصدامي والذي من نتائجه أن تلقفتنا المنافي وأبعدتنا المسافات ! إن العمل في هذا النوع من الأبداع الفني (الأوبريت ) يتطلب خبرة حقيقية وخبرة فنية عالية (نصاً و تلحيناً وأخراجاً وأداءً ) ولكنها بقيت تجارب رائدة لمن يتذكرها في هذا الفن الجماهيري الرائع ، وكان الفنان كمال السيد _ كزميله الفنان كوكب حمزة وغيرهم – مجيدا بارعا في التعبير الموسيقي الذي تجسد على خشبة المسرح حركياوبصرياًًوتجديداًًً، إنها وقفة إستذكار لتخليد كمال السيد، ليس في تلحينه ( الأغنية الشعبية والتي تفوق بهاأيضاًً ) ولكن كفنان كبير ومبدع في فن الأوبريت أيضا” (4).
تزوج الفنان كمال السيد من السيدة الحلاوية الشهيدة هناء عثمان عبد السادة في أواسط السبعينات ، وأنجبت ابنته البكر الحان ، التي قضت سنوات السجن مع أمها قبل إعدامها ، وله ابن اسماه عراق من زوجته السورية التي تزوجها في أواسط الثمانينات.
وفي عام 2002 بمناسبة مرور عام على رحيله قدمت لجمهور الاغنية العراقية كاسيت ياغريب الدار بصوته احتوى رثاء شعري كتبه الشاعر السوري الشعبي محمد صخر قدمت فيه مجموعة من اغانيه .
ودعوة للحكومة العراقية للاهتمام بتراث هذا الفنان وإنصافه ، بعد الإهمال المتعمد من قبل حكم الطاغية ، أتمنى من الحكومة العراقية الحالية أن تنصف هؤلاء الفنانين ، لأن لهؤلاء الفنانين من أمثال كمال السيد حقاً ، فهم ضحوا وتشردوا ، وكان بإمكانهم إن يعيشوا مترفين لو باعوا أنفسهم مثل بعض الفنانين الانتهازيين ، وهم اليوم لن يحتاجوا من حطام الدنيا شيء سوى إنصاف ذويهم ، وإظهار فنهم الذي عتمت عليه الديكتاتورية .
رحل كمال السيد في كوبنهاكن في الرابع والعشرين من تشرين الأول من عام 2001 بعيداً عن الناصرية وعن العراق الذي أحبه وغنى له ، في منفى المنافي وفي مدن الثلج الباردة ، لكنها كانت دافئة في حنوها على المنفيين ، الذين شردتهم أوطانهم التي يحكمها الجهلة ، والذين لم يحترموا فنهم أو إنسانيتهم ، وحقهم في التفكير المختلف ،هؤلاء الفنانون لم يقبلوا إن يطبلوا أو يصفقوا للجهل والحماقة ، أحبوا العراق ومدنه وأنهاره ، أحبوا الفن وأحبوا الجمال ، ونفروا من قبح التخلف والجهل ، وفظاظة الجاهلين .
استاذي ابا الحان دعني احلم قليلاً ، كي تأتي إلى إحدى القاعات لنغني الأغنية التي غنيناها كثيراً ، بغداد ، والتمعت عيناك لاجلها مرارا .
ويهة يهلنة واحنة منهة وبيهة
بغداد شمعة وماهوى يطفيهة
ويهة يهلنة وياشعبنة الصورة
متوزع بكل بيت بالمعمورة
بس ياضماير سود يا ماجورة
وبلادي مايغفة وغصن دم بيهة
واحنه فكرنة وياج يابغدادنة
واطفالنة يكولون صوتج صوتنا
يامحلا من اجل المبادىء موتنا
وبلادي ماتغفة وغصن دم بيهة
قد مرت خمس سنوات على سقوط الديكتاتورية ، ولحد الان لم يتم تكريم هذا الفنان النبيل ، ولم تقم أي محطة فضائية بتقديم دراسة وندوة تقدم فيه نتاجه الفني وتلتقي بالفنانين الذي عملوا معه من شعراء ومطربين وملحنين ، كي لاننسى منجزه الموسيقي وكي لاتضيع حقوقه الفنية حيث تنهب أعماله من قبل البعض وتغنى وتنسب للتراث ، في هذه الظروف التي تدهورت فيها المقاييس الفنية وتراجع تصدر الأغنية الراقية بسبب سيطرة الشركات التجارية وغياب دور الدولة في رعاية الأغنية ، على المؤسسات الثقافية والاعلامية الوطنية أن تتذكر هذا الفنان الصادق كي نقدر وقفته مع الفن والوطن وكي يبقى الناس يتذكروا أغانيه الجميلة أو لِنُذَكِّر من نسى من الناس الذين اتعبتهم الأيام السوداء لحظات الفرح والذكريات الحلوة ، ولنهتم بابنائه الذين يحملون اسمه الجميل والذين ورثوا معاناته من سجن وتشرد وخاصة ابنته الحان ابنة الشهيدة هناء عثمان عبد السادة التي ولدت في السجن.
واسأل الفضائية العراقية التي تحمل اسم العراق وتمثل حكومة العراق ، هل قامت بتكريم هؤلاء المبدعون المظلومون ؟ هل بثت اغانيهم التي منعت طيلة الحكم الصدامي ؟! ، هل افردت مساحة مناسبة للاغنية ؟ ، هل اهتمت بالمواهب الجديدة ؟ هل اكرمت المغنيين الكبار الذين يعانون من التغييب والعوز المادي ؟ ! ، هل أعطت مساحة مناسبة للفرح في بثها ؟ ، أم أن بث الأغنية هو رفع عتب كي لاتتهم بالجهل والتخلف ! .
الأغنية توحد قلوب الناس وتجمعهم أكثر من أي شيء أخر ، سلاما لك ياكمال السيد فلا زلت مظلوماً وأنت تنام في قبرك منذ سبعة سنوات ، تنتظر من ينصفك ، وينصف الغناء التي وهبت له وللناس عمرك الحزين .
(1) من مقالة للاستاذ عوني حامد حسين .
(2)من مقالة للأستاذ حسين السكاف
(3) ضياء السيد كامل
(4) الكاتب والمخرج صالح البدري