الرئيسية » مقالات » نصف الأطفال خارج المدارس… انهيار التعليم في العراق على وقع النزف في الكفاءات العلمية والفساد المالي والإداري

نصف الأطفال خارج المدارس… انهيار التعليم في العراق على وقع النزف في الكفاءات العلمية والفساد المالي والإداري

  بغداد –  الحياة – 21/10/08//
يمر التعليم في العراق اليوم بأزمة فعلية، وهي أزمة متعددة الوجوه والأطراف، وتنذر بانهيارات قد لا يدرك الكثيرون مداها وخطر انعكاساتها على الحياة الاجتماعية للبلاد، وعلى مستقبل الواقع العلمي فيها.
فإذا نظرنا الى العملية التعليمية – العلمية إنطلاقاً من أساساتها، سنجد أن ما يجرى على أرض الواقع هو عملية تراجع، إن لم يكن حالات انهيار في العملية برمتها. ولنتابع المشكلة من بداياتها:
تشير معلومات نشرتها جهات على علاقة بالعملية التربوية والتعليمية في العراق الى إن نحو خمسين من المئة من أطفال العراق هم اليوم خارج المدارس. وتقول تقارير بعض منظمات المجتمع المدني إن الأمر الخطير ليس في هذه النسبة الكبيرة، والمخيفة، وإنما في «مستقبل» هذه النسبة التي ستشكل «جيل المستقبل القريب».
وتكشف هذه التقارير أن هؤلاء الأطفال يتوزعون بين الشوارع، والأسواق التجارية، وورش العمل (أعمال السمكرة، وصيانة السيارات، وغيرها)… والعامل الدافع الى هذا كله البحث عن مصادر الرزق لعوائلهم التي لا تجد في سواهم معيلين بعد أن فقدت معيليها. ويعيش الأطفال العاملون يومهم بعيدين من رقابة الأهل وتوجيههم، كما هم بعيدون من أي نوع من الحماية ما يعرضهم لانتهاكات متعددة الأشكال والأساليب تدفعهم في مسارات أخلاقية وسلوكية خطيرة.
فجوات.. ونواقص
وفي الجانب الآخر هناك المنتظمون في العملية التعليمية والذين يعيش الكثيرون منهم في «واقع تعليمي» لا تتوافر له أبسط مقومات العملية التعليمية والتربوية السليمة. وقد كشفت تقارير إعلامية مصورة، وحيّة، عن تدن مفزع في الحياة التعليمية بسبب عدم توافر الوسائل اللازمة وتردي الأبنية المدرسية، وتضخم قاعات التدريس بأعداد مضاعفة من الطلبة تفوق الحد الطبيعي، وصولاً الى ضعف المادة التعليمية ذاتها، فضلاً عن الانعكاسات السيئة للأوضاع الأمنية والسياسية والاقتصادية – المعيشية على نفسيات الطلبة، وعلى الواقع التعليمي ذاته، الأمر الذي من شأنه أن يشل العملية التعليمية الصحيحة.
والحياة الجامعية ذاتها تعيش، هي الأخرى، ظروفاً معقدة لم تعرف الجامعات العراقية مثيلاً لها من قبل، فقد تأثرت الجامعات، خصوصاً في العاصمة بغداد، بالانقسامات الطائفية، والسياسية، ما جعل الطلبة ينتظمون في «واجهات تقسيمية» لا علاقة لها، من قريب أو بعيد، بالعملية العلمية للجامعة.
ومن جانب آخر فإن عمليات «الاغتيال» «المنظم» و «التصفيات الطائفية والسياسية» التي شهدها القطاع الجامعي، والعلمي في وجه عام، منذ 2003، دفع بأعداد كبيرة من الكادر العلمي المؤهل الى الهجرة، ليس بحثاً عن الرزق والمورد المالي الأفضل – كما حدث إبان عقد التسعينات من القرن الماضي بفعل الحصار الذي فرض على العراق – وإنما طلباً للأمن والسلامة الشخصية بعد أن بلغت أعداد من جرت تصفيتهم، من أساتذة الجامعات والكوادر العلمية، المئات، الأمر الذي أفرغ الجامعات العراقية من أعداد كبيرة من الأساتذة.
البحث عن حل
يبدو أن السؤال قد واجه وزارة التعليم العالي أكثر مما واجـــهته وزارة الــتربية، إذ فكرت الأولى بما يمكن اعتباره «حلولاً» لإنقاذ العملية العلمية في البلد، ولكنها جاءت من قبيل «الحلول الآجلة التنفيذ».
فبعد أن تم إغــــلاق أقسام دراسـية عدة، في الكليات العلمية إغـــلاقاً موقتاً، أمام الدراســات العليا (الماجستير والدكتوراه) لعدم تـــوافر الكــــادر التدريسي الــلازم لها، قامـــت الــوزارة بإرسـال بعثــات دراسية الى الخارج للتـــخصص فـــي الـمجــالات التي تجد نفســها في حــاجة إليــها أكثر من ســواها.
وفي الوقت نفسه أقدمت على مضاعفة مرتبات الكادر التدريسي الجامعي بما قد «يغري» من لم يجدوا «عملاً مناسباً» في الخارج، من الأساتذة المهاجرين والمهجرين، بالعودة الى جامعاتهم العراقية (من دون ضمانات أمنية لسلامتهم هي غير قادرة على تأمينها).
غير أن هذين الحلين واجها بعض الالتفافات عليهما، ففي ما يخص «عودة الأساتذة» الموجودين في الخارج عاد بعض منهم، ولكن مــمن هم اليوم في «سن التقاعد»، وسجلوا عودتهم، وحصلوا على «الامتيازات الجامعية الجديدة».. ثم ما لبثوا ان أحالوا أنفسهم على التقاعد، مستفيدين من «قانون الخدمة الجامعية» الذي يوفر لهم ذلك. وعادوا من حيث أتوا: الى جامعات، ومراكز علمية كانوا قد أكدوا حضورهم فيها…
أما «الطلبة المبعوثون» فإنـــهم يعانون، في البلدان التي أوفدوا إليها، من مشكلات لم تجد، حـــتى الآن، حلولاً واضحة، في الوزارة، أبـــرزها: المخصصات المالية المرصودة للطالب والتي لم تعد تتناسب وموجة الغلاء وارتفاع الأسعار العالمية، وتأبى الجهات المالية الـــــعراقية أخذ ذلك في الاعتبار، ومراعاة أوضاعهم الحياتية والمعيشية، ما دفع البعض منهم الى «طلـــب اللجوء» في البلدان التي يدرسون فيها – وقد حصل بعض منهم على اللجوء.
هذا فضلاً عما سيقرره آخرون منهم عند إكمال دراساتهم – إذا ما استمرت الأوضاع في البلد على ما هي عليه من سوء للحالة الأمنية والمحاصصة الطائفية في المرافق والمؤسسات الحكومية، وبقاء العراق في المرتبة الثالثة بين الدول الأكثر فساداً في العالم.