الرئيسية » مقالات » جهينة في الموصل

جهينة في الموصل

إن ما يحصل اليوم في الموصل بحق مكونٍ أساسي للمدينة والعراق، بل لمنطقة الرافدين عموماً، يذكرنا بالواقع المرير والتي تعيشها منطقتنا بأعراقها وشعوبها وطوائفها وثقافاتها.. وأخيراً وليس آخراً بأحزابها وقبائلها؛ وما تعاني من صراعاتٍ دموية كانت من نتائجها الأنفال والمقابر الجماعية والأحقاد التاريخية والانقسام بين السنة والشيعة، بين الكوردي والعربي، المسلم والمسيحي و.. بين هذه القبيلة وتلك العشيرة وهذا الحزب وذاك التنظيم.. والكل يدعي بأنها الفئة أو الطائفة الناجية والأخرى هي الباغية وفي النار وبالتالي فلها الأحقية بالحياة والموت للآخر. فهذه تكشف إحدى عوراتنا ومدى البؤس الأخلاقي والفكري الذي نعاني منه ونحن الذين نتشدق بأننا أصحاب الرسالات الكبرى في التاريخ من شرائع حمورابي وقبله السومريون مروراً بالزرادشتية واليهودية وصولاً إلى الإسلام ومن دون أن يغيب عن بالنا إحدى أعظم الشخصيات التاريخية والتي عرفت عنه المحبة والتسامح – يسوع المسيح – فكانت المسيحية بما تعرف بديانة المحبة على الرغم من ظلامية القرون الوسطى ومحاكم التفتيش.

لقد حاولنا – ومن خلال قراءاتنا لعدد لا بأس بها من المقالات والمواضيع وكذلك بحكم الجوار والمعايشة مع الأخوة المسيحيين في عنكاوه والتي جلها من أبناء الديانة المسيحية – أن نقف على حقيقة ما يجري بخصوص قتل وتهجير الأخوة المسيحيين في الموصل، على الرغم – وللأسف نقولها: بأن مشاهداتنا لهكذا جرائم ليست هي المرة الأولى ولا نعتقد بأنها ستكون الأخيرة – ونحن نحمل هذا الفكر المنغلق على الذات والأنا المتسرطنة في العقلية الاستبدادية وذلك بخصوص حروبنا الداحسية – الغبراوية (من داحس وغبراء) في محاولات يائسة وبائسة للقضاء على الآخر و(كفى العباد شر العباد)؛ حيث تعيدنا الذاكرة إلى حروب هابيل وقابيل (قايين) وصلب يسوع المسيح وقتل الأئمة ومروراً بالحروب الصليبية الدينية وأخيراً وليس آخراً القومية بحق الكورد على أيدي الطورانيين والبعثيين و(أخوتهم) في الفكر الظلامي أصحاب العمائم في الإمبراطوريات القروسطية والتي تحلم بأن (لا تغيب عنها الشمس).

ولكن ما فاجئنا أكثر هي تلك الحملة الهستيرية من قبل بعض الأقلام التي تتباكى بـ(دموع التماسيح) على المسيحيين وما يتعرضون له على أيدي (الميليشيات الكردية) ويقصدون البيشمركه وبعض القيادات الكوردية؛ حيث يكتب أحدهم في مقالٍ له على موقع كتابات: “اليوم الأكراد متهمون باستهداف المسيحيين مباشرة بالقتل والتهجير.. أما أسباب هذا الاستهداف فتكاد تكون واضحة للمطلع على المشهد السياسي العراقي منذ بدايات تأسيس الدولة.. فللأكراد مشروعهم الخاص الذي يصطدم بالتوجهات الوطنية في كل وقت وحين، وهو إقامة كيان كردي مستقل في مواجهة الطرح القومي العربي والحد من تأثيراته الإقليمية والدولية.. وبما ان المسيحيين أصحاب الأرض الأصليين ومشهود لهم بوطنيتهم وحرصهم على وحدة العراق وانتشار رقعتهم الجغرافية في كامل الوطن، فكان لابد من تطويع توجههم هذا لصالح المشروع الكردي ذاك”. وهكذا فالتهمة جاهزة والأسباب كامنة في تلك العقلية المريضة وينسى الدعي بأن الكورد هم أيضاً مكون عراقي وساهم ويساهم في بناء العراق الجديد الفدرالي الديمقراطي وذلك منذ سقوط النظام السابق، على الرغم أنه كان للكورد كيانهم شبه المستقل ومنذ انتفاضة (آذار لعام 1991) وبقرار من برلمان كوردستان شاركت – وما زالت – القيادات الكوردستانية في رسم ملامح العراق الجديد، ولكن وكما يقال في المثل الشعبي “يلي فيه شوكة بتنخزه” فها هو يفضح ويفصح عن فكر الاستبداد؛ حيث يقول: “كيان كردي مستقل في مواجهة الطرح القومي العربي” ونلاحظ بأنه قال العربي وليس العراقي على الرغم من تشدقه بالوطنية ومحاولة الاتجار بها في محاولة يائسة بالتلاعب بالمشاعر والحس الوطني وتحديداً مع الأخوة المسيحيين في محنتهم هذه؛ حيث يقول: “المسيحيين أصحاب الأرض الأصليين ومشهود لهم بوطنيتهم وحرصهم على وحدة العراق” وكأن بقية المكونات العراقية الأخرى لا تتصف بهذه السمات والأخلاقيات والمعطيات، فهل العرب والكورد ليسوا بوطنيين وهم مهاجرون للعراق من بلدان مجاورة.

وتصل الوقاحة الفكرية لكاتب المقال لأن يبرأ ساحة القاعدة من هكذا جرائم وهي المعروفة بإرتكابها لهكذا فظائع وبحق كل المكونات العراقية وخاصةً المحسوبة على قوات التحالف الدولية – من المنظور الفكري للقاعدة طبعاً – وكون الأخوة المسيحيين يلتقون في الدين مع تلك الجيوش والقوات فهي المتهمة بالدرجة الأولى – بالإضافة للكورد – على أنهم عملاء وخونة ومرتبطون بأجندة غربية – أمريكية. فها هو يكتب” وبما أن القاعدة لها مشروعها العقائدي القائم على أساس تأسيس دولة دينية إسلامية في العراق فأن صراعها الرئيسي سيكون مع أولئك الذين يقفون بوجه تحقيق هذا المشروع.. أما المسيحيين فليس هناك أسهل من التعامل معهم بعد الوصول إلى الغاية.. كما أن القاعدة هي الآن بوضع محرج بعد تكبدها خسارات قاسية وانحسار رقعة التأييد الشعبي لها، وهي المعروفة برصانة تنظيمها لن تتهور وتتورط بهكذا أفعال تزيد من تركيز الأنظار عليها وتزيد من معاناتها.. وعليه فالمتهم الرئيسي هي الميليشيات الكردية والتي لها من الاستعداد والبرمجة ما يؤهلها للقيام بذلك تأسيسا على ما سبق”. ولم يقل لنا كاتب المقال كيف سيكون تعامل القاعدة مع المسيحيين وذلك عندما يقيمون “دولتهم الدينية الإسلامية”، هل بالمذابح والأنفال أم سيجعلون من المسيحيين موالي وعبيد في تلك الدولة الظلامية وعلى غرار دولة طالبان في أفغانستان وتورابورا و.. غيرها من الأقاليم والجغرافيات.

لا نريد الإطالة كثيراً بالرد على هكذا أبواق ولكن يكفي أن نذكرهم بأمرين أحدهم مرتبط بالتعايش الأخوي التاريخي بين الكورد وغيرهم من الأقليات والأعراق والطوائف والأديان والمذاهب المختلفة ومنهم الأخوة المسيحيين في ربوع ونواحي ومدن وأرياف كوردستان ومن دون أن يتعرضوا للإبادة، على الرغم من بعض الحوادث التاريخية والتي شارك فيها بعض العشائر الكوردية وذلك بتحريض وتشجيع من حكومات غاصبة لكوردستان؛ مثل مجازر الأرمن على أيدي العثمانيين والكماليين أعوام (1913-1915-1917) وشاركت فيها بعض الميليشيات الكوردية – الحميدية (نسبة إلى السلطان عبد الحميد والذي قام بتأسيسها)، هذه من جهة، ومن الجهة الأخرى فلقد أقر مؤخراً لجنة صياغة مسودة دستور إقليم كوردستان على أن يدرج “الحكم الذاتي” للأخوة الكلدوآشوريين في دستور الإقليم ونعتقد بأنها كانت رسالة – ولن نقول صفعة – قوية لهذه الأبواق الصدامية – القاعدية وذلك قبل أن تكون أساساً جيداً لبناء إقليم مدني ديمقراطي كوردستاني يكون نموذجاً يحتذى به ليس عراقياً فقط، بل شرق أوسطياً. وهكذا فإننا ومن منطلق إيماننا بالفكر الديمقراطي الليبرالي الحر نناشد وندعوا القيادات الكوردستانية وعلى رأسها المؤسسة التشريعية (برلمان كوردستان) بأن تعمل وفق الفكر المؤسساتي الدستوري لبناء إقليم حضاري مدني وليس إقليماً كوردياً صرفاً خالياً من (الشوائب) القومية والدينية والمذهبية كما هي حال جل – إن لم نقل كل – دولنا وإماراتنا الشرق أوسطية، وهي ستكون الضمان الحقيقي لنجاح التجربة الكوردستانية في الإقليم.

هولير-2008