الرئيسية » مقالات » الحقائق الناصعة في عملية الهروب من سجن الحلة3

الحقائق الناصعة في عملية الهروب من سجن الحلة3

كان الرفيق نصيف الحجاج مسئول منظمة السجن الحزبية ،وعند مجيء الفقيد حسين سلطان الى سجن الحلة وطرحه مشروع الهروب الجماعي من الصيدلية،والذي طرحه على الحزب برسالة ثم خص حافظ رسن لثقته به كما أسلفنا،ولابد من التأكيد هنا أن قيادة الرفيق نصيف الحجاج الى المنظمة لا تنفي أو تلغي دور الرفيق أبو علي في عملية الهروب فهو صاحب المقترح في تحديد الموقع الجديد،وله دوره في عملية التخطيط والأشراف والمتابعة مع الرفاق الآخرين،واختياره جماعة التنفيذ التي درست في الاجتماعات المكثفة بين أبو علي وحافظ رسن،وكان حافظ رسن يزوره بشكل يومي ويتباحث معه بآخر ما وصل إليه الأمر في حفر النفق وما يواجههم من مشاكل وعقبات وليس كما يقول الزميل المطير أن حافظ رسن أخبر حسين سلطان وفي الحقيقة أن حسين سلطان هو الذي أرشدهم الى الصيدلية وأنها المكان المناسب لحفر النفق،كما أن دور أبو علي لا يمكن أن يلغي أدوار الآخرين الذين فكروا وحاولوا الهروب قبل مجيئه الى سجن الحلة،ولا ينفي دورهم في تنفيذ عملية الهروب الشجاعة،من هذا المنطلق ينبغي النظر الى العملية إرادة موحدة وعمل جماعي مشترك وهدف نبيل هو نيل الحرية والالتحاق بصفوف الحزب الشيوعي العراقي.

كانت الظروف الموضوعية لبلادنا وشعبنا في حالة نضوج ثوري،وكان حزبنا يخوض نضالا جماهيريا واسعا تتصاعد فيه أصوات المطالبة بإطلاق سراح السجناء السياسيين،ليس على مستوى الشارع العراقي وإنما على مستوى العالم أجمع،من خلال جمعيات الدفاع عن سجناء الرأي والمنظمات الأخرى في العالم التقدمي ذلك الوقت،وكان الحزب في حالة استنفار قصوى لمناضليه،واستقطاب لأوسع الجماهير وحشد كل الطاقات الممكنة بهدف الإطاحة بالنظام الرجعي المتخلف ،وكانت منظمتنا الحزبية في السجن تعمل من أجل رفد الحزب بالمناضلين سيما العسكريين منهم ،وقامت فعلا بمساعدة وتنظيم هروب اثنان من الرفاق العسكريين وهما الرفيقان الملازم الطيار عبد النبي جميل والملازم حامد مقصود خلال المواجهة نصف الشهرية قبل عملية النفق،وقد تزامن مع هذا النهوض الثوري،عدوان الخامس من حزيران عام 1967 الذي ألهب المشاعر الوطنية والقومية،وتصاعد نضال شعبنا بكل قواه الوطنية ،وكشف ضعف وهزال النظام ألعارفي ،وعجزه عن المواجهة في المعركة القومية الكبرى.

وكان السجناء والمعتقلين السياسيين الذين تغص بهم سجون النظام من شيوعيين وديمقراطيين يتابعون بحماسة أخبار المعركة من الإذاعات ،وهم يتحرقون غيضا للإسهام فيها ونيل شرف المشاركة في معاركها لما جبلوا عليه من روح وطنية لا تعبأ بالصعاب وتحرق للنضال من أجل الجماهير وقضايا الوطن بشكل عام،لذلك قام المعتقلين بتقديم التماس أو مذكرة الى رئيس الجمهورية العراقية آنذاك عبد الرحمن عارف يطالبونه فيها أطلاق سراحهم وإرسالهم الى جبهات القتال حتى لو أستدعى الأمر أعادتهم الى السجون مجددا لمن يبقى حيا بعد المعركة لإكمال مدة محكوميتهم،ولكن أين لمثل عبد الرحمن عارف أن يدرك معنى الوطنية وصدق المشاعر التي تجيش في نفوس الشيوعيين للإسهام في النضال وخوض المعارك دفاعا عن الأرض وكيف له أن يفهم معنى التفاني ونكران الذات الذي تميز به الشيوعيون عن غيرهم في هذا المجال،وهو يقيس على ما في نفوس مرتزقته من المتسربلين باللباس القومي الذي لم يستر عوراتهم أو يخفي سوأتهم فانكشفوا للجماهير بعد حين مهزومين مذلولين يجرون أذيال الهزيمة والخزي.

وكان عدم استجابة حكومة عارف لمطالب الشعب وطلائعه الوطنية بإطلاق سراح السجناء والمعتقلين السياسيين الحافز والعامل الأساس لإسراع المنظمة الحزبية في السجن للبدء بالعمل الثوري الحاسم والقيام بحفر النفق وتحرير السجناء والمعتقلين لأنفسهم بعد أن أوصدت السلطة العميلة أذنيها عن نداء داعي الضمير،رغم أنف السلطة العارفية وجلاوزتها العملاء،وبدء الرفيق حسين سلطان والرفيق حافظ رسن بنشاطهما والتحرك لاختيار الرفاق المنفذين للعملية،وقد أبلغني الرفيق أبو علي شخصيا بهذه المهمة المشرفة،وللحقيقة ومع كل اعتزازي بالفقيد الكريم فأني لم أعرفه سابقا،ولم أراه حتى ذلك التاريخ،لكنه بما يمتلك من سمات قيادية وقدرات خلاقة كقائد شيوعي مجرب وعضو لجنة مركزية اختارني وشخصني من خلال المثابرة في عملي في لجنة التقاط الأخبار،وأعداد النشرة الإخبارية اليومية للسجناء ،إذ كنا نسهر حتى ساعات متأخرة من الليل منهمكين في عملنا ،تملأ نفوسنا الغبطة والسعادة ،بلا كلل أو ملل للاستماع الى الأخبار وأعداد النشرة وقراءتها صباح كل يوم في القاعة رقم (1) التي كنت نزيلا فيها مع الرفيق الشهيد عبد الأمير سعيد،وكانت اللجنة تتكون من جدو وكمال كمالة وعلي حسين السالم رئيس اللجنة،وكنت قد طرحت في أحد الاجتماعات الحزبية فكرة الهروب بالطريقة التي هرب بها أحد الرفاق من قادة الحزب الشيوعي الفنزويلي الشقيق –على ما أتذكر- وليس البرازيلي كما يرويها الزميل جاسم المطير،الذي هرب عبر نفق أيضا من زنزانة الى محل صغير بجوار السجن،وإضافة لعملي في لجنة الأخبار كنت مكلفا بالعمل في كشك صغير بجانب ساحة القلعة الجديدة وأقوم ببيع المشروبات الغازية والحليب المعقم وأقوم بتسليم الإيراد اليومي الى المنظمة الحزبية ،لتقوم بدورها في صرفه لاحتياجات السجناء كمصروف يومي لضعفاء الحال أو شراء ملابس في موسم الشتاء والصيف.

وعلى هذا شخصني وعرفني الفقيد أبو علي وليس كوني من المقربين إليه كما يزعم البعض،وتم تشخيص فريق التنفيذ من أربعة رفاق هم حميد غني جعفر المعروف ب جدو وعقيل عبد الكريم حبش والملازم فاضل عباس وكمال ملكي الملقب (كمالة)،أما فريق الأشراف على العمل أو التخطيط من حيث ضبط وتحديد المسافات والقياسات المطلوبة وتوفير المستلزمات الضرورية للعمل،وصنع الهويات المزورة للرفاق الذين قررت المنظمة هروبهم،فقد كان يتكون من ثلاثة رفاق هم حافظ رسن/ مظفر النواب / حسين ياسين،ويشرف على الجميع الفقيد حسين سلطان عضو اللجنة المركزية للحزب الشيوعي العراقي ،لأنه المسئول الأول اتجاه الحزب وهو من قام بمفاتحة اللجنة المركزية حول الهروب ،وهو الذي حدد المكان الجديد للحفر،ولعل هناك من يعلم بالموضوع عن طريق علاقة خاصة ألا أنه ليس من المحسوبين على لجنة الأشراف والتنفيذ،والدليل أن ما يصرف من قبل المنظمة الحزبية كمصاريف لا يمكن التصريح به ولكنه كان يسجل بأمر من أبو علي على أنه مرسل الى الحزب ،ولم يكن أحد يستطيع التصرف أو العمل دون موافقة الأقدم في السجن وهو حسين سلطان.