الرئيسية » مقالات » سميح القاسم يقول: الشعراء والأدباء العرب مذلولون

سميح القاسم يقول: الشعراء والأدباء العرب مذلولون

يستدعي الحوار الذي نشرته مجلة الجوبة السعودية في العدد 19 مع الشاعر سميح القاسم أكثر من وقفة وأبعد من تأمل. ليس بسبب اللغة العنيفة التي غلفت أجوبة الشاعر الكبير فحسب، ولكن أيضا لأنه يرسم نوعا من السيرة الإبداعية لشاعر من زمن ىخر، في زمن آخر. من زمن المقاومة في زمن الانهيار والتآكل.

وقد بسط القاسم في هذا الحوار الذي استفزته أسئلته الكثير من القضايا بالإبداع الشعري العربي في الوقت الراهن ، ومدى ارتباط هذا الإبداع نفسه بواقع الناس وهمومهم، كما بسط فيه مفهومه ورؤيته للكتابة ولجدواها في زمن ما يميزه على حد قوله أنه زمن انهيار أخلاقي وروحي وثقافي، حيث أصبح الشعراء والكتاب يتبرأون من القضايا السياسة والمقاومة وانخرطوا في مرحلة من الرقابة الذاتية وكتابة ما يرضي الأنظمة وأمريكا والقائمين علبي الكبير حرجا في القول إن عدم تجاوب القارئ العربي الآن مع القصيدة العربية ليس مرده، كما اعتاد الشعراء والنقاد التأكيد عليه، إلى قصور لدى شعب القراء، بل إلى خلل في القصيدة نفسها التي انفرط اهتمامها بماهية هذا القارئ وبهمومه وبوجدانه أيضا، وانخرطت، كما قال، في استنساخ تجارب الآخرين في الغرب، بحيث تأتي هذه القصيدة “للجمهور العربي بلكنة فرنسية لا يفهمها”.

وبالرغم من التصنيفات التي قد تكون خضعت لها قصيدة سميح القاسم، خلال كل هذه السنوات، في المشهد الشعري عموما والفلسطيني بشكل خاص، فإنه ينفي أن تكون قصيدته قد اهتمت بشيء اسمه الهم العربي أو الفلسطيني، مؤكدا أنها عنيت فقط بهمه الشخصي، وأن هذا الهم الشخصي هو المعبر الذي انطلقت منه لتكون مُعبِّرة أيضا عما يتجاوز الذاتي إلى العربي والوطني الفلسطيني.

ولعل من بين أكثر آراء الشاعر عنفا تلك المتعلقة باحتواء الشعراء والمبدعين من طرف الأنظمة والسلطة في البلدان العربية، ليس بقمعهم والزج بهم في السجون أو فصل رؤوسهم عن أجسادهم في ساحات الإعدام كما كان عليه الأمر في الماضي، ولكن بشراء أقلامهم وذممهم. ويقدم سميح القاسم ذلك بشكل غاية في السخرية عندما يقارن هؤلاء بقوائم الطعام في المطاعم “هناك شراء للأقلام ولكل شاعر ثمن، ولكل روائي ثمن، ولكل إعلامي ثمن. هناك قائمة أشبه بقائمة الطعام في المطاعم. لكل وجبة ثمن، والشعراء والأدباء مذلولون”. هكذا يدفع الشاعر بالمشهد الدرامي إلى أقصى سوداويته وقسوته، ويستعيد على طريقته ذلك الصراع الأبدي بين المثقف والسلطة، وسعي كل طرف إلى تقويض الطرف الآخر بأي ثمن، مع أن الغلبة نادرا ما كانت للمثقف في مواجهة الآلة الجهنمية للسلطة، وبالتالي ظل المثقف دائما الحلقة الأضعف في المعادلة.

وإذ يرسم سميح القاسم المسار الخاص لقصيدته ولشخصه كمثقف، فهو يرسم أيضا وبشكل متوازٍ مسار القصيدة العربية المعاصرة بمتغيراتها وثوابتها، وأسباب نجاحها وإخفاقها في نفس الوقت، معبرا في ذات الوقت عن انفتاح كبير على كل الأشكال الشعرية من قصيدة النثر والشعر العمودي وشعر التفعيلة، وعلى أجيال الشعراء، وعلى تجارب الآخرين في الجهات الأربع، ولكن دون أن يمنعه ذلك من أن يكون ما هو عليه. أن يكون شاعرا فلسطينيا متجذرا في ما هو إنساني وكوني، وحيث يذهب يجد أصدقاء لقصيدته كما يقول.

لقد بدا سميح القاسم في هذا الحوار كمن يضع خطاطة لما ينبغي أن تكون عليه القصيدة العربية اليوم، تلك القصيدة التي تنفض عنها بقايا الأصوات البعيدة الساكنة داخل الشاعر من قراءاته أو انبهاراته، وتقدم نفسها،للقارئ العربي، خالصة من كل ذلك، معبرة عن صاحبها الذي هو جزء من كلّ، مما يؤهلها لأن تكون معبرة عن هذا الكل أيضا.
جمال الموساوي
شاعر وصحفي مغربي