الرئيسية » مدن كوردية » بدرة وزرباطية.. بكائية العودة من النفي المأساوي

بدرة وزرباطية.. بكائية العودة من النفي المأساوي

لم ارها من قبل.. غير انها ملكت احاسيسي ومشاعري، حتى صارت اقرب لي من اي شيء اخر… عشت معاناتها والامها وجراحاتها ومآسيها وكوارثها.. وكأني جزء منها او هي جزء مني لم يفارقني اسمها ولم يبرحني التفكير بها والتفاعل مع خلجاتها ومع ما تخفيه بين جوانحها من حزن سكنت فيه او سكن فيها. كونت عندي غصة والماًَ مبرحاً عندما اقارن بينها وبين غيرها في دنيا الله الفسيحة. حتى بت ابدو احيانا حسودا كلما رأيت او شاهدت ثغورا في بلدان العالم لا هم لها غير التبسم والتنسم واشراقات فرح مستديم..
بدرة.. وشقيقتها في المصائب والبلاء (زرباطية، وجصان) خراب ودمار عصف بهما سونامي في الحقد والعنصرية والطائفية والدكتاتورية، حتى صار كل شيء فيهما وبهما، يوحي بالمصير الاسود الذي يصل فيه الحقد الدكتاتوري الطائفي العنصري الى درجة اقتلاع كل ما هو حي اخضر بعد ان يطفئ نور الحياة ويحطم قدرة الاستمرار وديمومة التواصل.
-هذه الصحراء القاحلة، وهذه البيداء الموحلة، وشط دجلة لا يبعد عنها سوى رمية حصى.. انها رسالة، اراد بها منشئها الاشارة الى اصراره على قطع الصلة بين مدن كانت مزهرة نيرة. ووطن تنتمي اليه فعمل متعمدا هذه البيداء المكونة من اكثر من 200 كيلو متر مربع.
قال ذلك ابو حيدر ولاذ بصمت، احتاج لسؤال مني، ليتبدد بسيل من المشاعر المعبرة عن الم ممض.
قلت: ولكن كيف تقرأ الامر على مثل تصور كهذا هل تملك ادلة اتهام حقيقية؟
-نعم املك.. عندما ارادوا امتلاك الاراضي لتسخيرها في خدمة نواياهم ليكونوا اسيادا مباشرين في المنطقة، عملوا مشروع (الدبوني) لاستصلاح مئات الالاف من الدونمات التي وزعت على افراد عائلة صدام اولا ثم صفوة رجاله وحرسه وكبار قادته ثم عندما قامت الحرب، عمد صدام حسين الى ايصال المياه الى بدرة وزرباطية وجصان لاغراض الجيش وبلط الطريق الموصل بين هذه المدن والطريق العام بين بغداد والكوت ليستخدم للاغراض العسكرية ثم عمد الى هدم مدينة زرباطية وقد بدأ بالمستشفى العام وبعد ذلك المدينة باكملها. وكذلك هدم مدينتي زرباطية وجصان.
كانت السيارة التي تقلنا، تحاول تحاشي المطبات والحفر والاخاديد العميقة التي عملتها عجلات سيارات الحمل الثقيلة حيث صارت بدرة وزرباطية المعين البديل للحصى والحجر بعد اغلاق النباعي وتعطل طرق المنطقة الوسطى بسبب الظروف الامنية ومطاردة الارهابيين. هذا فضلا عن تكاثر عدد السيارات القادمة والمتجهة الى بدرة وزرباطية للعبور من والى ايران. وعبثا يحاول البعض ذلك، اذ ينتظرهم الموت او الجروح والعاهات المستديمة.
انه طريق عثر ووعر.. ويصر اهالي بدرة وزرباطية على تسميته بـ(طريق) الموت لماذا..؟
يقول مسؤول في قائممقامية بدرة:
لقد حاولنا ان نعالج هذه المشكلة بالاتصال والمراجعات المتكررة بالمسؤولين في المحافظة والجهات المعنية في بغداد، من دون جدوى. قلنا لهم ان هذا الطريق صار عبئا علينا وعلى المغادرين والقادمين وان اهميته لا تقدر بسبب كونه المنفذ الوحيد الفعال بيننا وبين ايران وتمر عبره يوميا الاف السيارات على اختلاف احجامها وانواعها وهو اصلا غير مؤهل لتحمل ربع ما يمر عبره من حمولات ومسافرين. ولذلك لا يمر يوم دون ان نصدم بعدد من الحوادث المأساوية وخسائر مادية ويضيف مسؤول اخر: ان مشروع توسيع وتصليح الطريق بين الطريق العام، بغداد- كوت وبدرة ثم زرباطية وجصان هو الان في مراحل التنفيذ بيد انه يسير ببطء شديد.
لذلك وصل الطريق القديم في بعض نقاطه الى وضع لا يسمح فيه بمرور السيارات لذلك عمدنا الى اجراء تحويلات ترابية لتحاشي المرور في اخاديد ومتاهات تسببت بحصول كوارث مرورية.
ها هي بدرة.. تبدو وكانها خارجة للتو من اتون فوهة بركان.. كل ما فيها يوحي بانه يحاول ان يستعيد بعض ما ضاع منه. يد خجولة، غير انها وفية، تضع بصمات الحياة وحرارة الوجود. هنا او هناك في هذا الزقاق او ذاك.. صبغ حديث صبغت به واجهات ابنية قديمة واخرى انجزت حديثا. لم تستطع اخفاء جراحات الماضي. غير ان بكائية زرباطية اشد الما وحزنا حيث يطل من بين خرائبها الف الف جرح ينز دما عبيطا يصيح بوجه المهطعين اريقوا دمكم تكرموا.. غير ان احدا لم يفعلها سوى بعض من البدريين والزرباطيين والجصانيين. تصدوا بكل ما لديهم وما فيهم.. وها نحن الان نقف امام اطلال بيت احدهم. ويقول شاهد عيان.. انه كتب ذات يوم يقول:
ايها الاتي من مدن تعودت الجلوس على المقاعد الوثيرة، وكل احاديثها اوامر وان قالت قال العراق بحسب ما تراه لماذا تنظر الي شزرا.. فابدو لك وكأني بلا هوية..؟
صنفتني مواطنا من الدرجة الثالثة او ربما الرابعة.. فكل شيء عندي ولي، هو رهن اشارتك وكان من بعض ما ملكت يمينك حتى زوجتي تطلقها مني انى شئت وكيف رغبت بحجة انها (تبعية) اما اولادي فهم في قبضتك ان شئت غيبتهم عن الدنيا، وان شئت سجنتهم بلا زمن محدد وليس لي الحق في ان اتملك فكل ما لدي اشتريته بعرق الجبين او وصلني ابا عن جد، ومع ذلك فهو لك ولا املك غير ان ارى معاول تهدم والسنة نيران تأكل كل زرع وضرع وكلي عيون انظر فيها الغرباء المترفين القادمين من الغرب والشمال الغربي يعملون المشاريع الزراعية ويبنون الفيلات الفارهة.
** بالامس.. كان علي ان ادفع ثمن (الطلقة) التي قتل فيها ولدي من قبل زراع القهر والتعسف وبذار الالم والحزن ومفجري الدموع من مآقيها وهكذا تعود (كربلاء) هنا. سيوف تقتل.. وعطش يفتك، تعاون الجلاد مع (حرملة) يستمر في تقديم المزيد من فصول العهر والعذاب. تدمير وقتل وخراب.. والطرف الاخر خلف (بشت كوة) يعمل السدود لتمنع المياه من اجل ان تيبس الاشجار وتموت الحياة وتصير الغدران والجداول والسواقي اخاديد في الارض مفتوحة الافواه صارخة بوجه الظلم، ظلم الانسان لاخيه الانسان.
هذه هي دربونتنا قالها السيد ابو حيدر وغطى وجهه بكلتا يديه، ليخفي عينين لم يفارقهما الدمع. واسترسل:
هنا كان والدي يجلس.. وهنا كنا نلعب (مراجيح) في فناء البيت بين شجرتي التوت اللتين كانتا تتعاونان في منع اشعة الشمس من الوصول الى المكان الذي اعتاد والدي ووالدتي الصلاة فيه.
ذلك هو بيت العلامة الكبير والمؤرخ الجليل معين الاشراف السيد جعفر الاعرجي، قال ذلك الزرباطيون ومضى يعدد بيوتا صارت خرائب، هذه دار والد عزيز الحاج الكاتب والمفكر العراقي. وذاك بيت اهل حبيب محمد كريم المناضل والسياسي البارز وبجواره دار السيدة الفاضلة زكية اسماعيل حقي.. ووو… من هنا مضت خطوات الدمار ورياح الخراب تقتلع من الارض كل ما هو خير لتعصف به وسط نيران الغضب وتيارات الحقد الاسود.. عرب وكورد يهيمون في صحراء من غير دليل او هدف، غير الهروب من الابادة الصدامية… من مات منهم كمدا او صبرا او وجدا، ظل يغذي مشاعر الاسى والالم، تحيل حياة البدريين والزرباطيين والجصانيين الى حلقات متصلة من العذاب.
-صدمت عندما قالوا انكم اصبحتم (ذهبيين) وان علي ان اتسلم هوية احوال مدنية جديدة مكتوب عليها (مديرية ناحية الذهب) وان احرق اسم (زرباطية) لماذا قال ذلك عبد الله محمد قبل ان تمتلئ عيناه بالدموع..
واضاف:
عربوا اسم (زرباطية) مع ان الكثير من مدن العراق وبلدان العالم، تحمل اسماء قد لا تكون بنفس لغة البلد الذي تنتمي اليه فاين المشكلة في الامر، وليت من عرب كان مخلصا للتعريب بقدر ما كان مخلصا للانا التي عاش فيها وانتحر بها.
تاريخ عمره الاف السنين، حاولت الصدامية نسفه وتخريب جسور التواصل معه. بيد ان حب مساقط الرؤوس ومنابت الوجود، لم يكن يوما قضية طارئة او لصيقة بظرف زماني سيئ بل هو انبعاث وجداني حقيقي لا يصدأ ولا يتآكل.
من هنا تأتي الصحوة الجديدة لزرباطية المدمرة وبدرة المخربة.. حيث يفترش الامل البنفسجي مساحة واسعة من فضاءات الجهد البناء لابناء بدرة وزرباطية…
في ضوء متطلبات التعمير واعادة الاعتبار. غير ان ذلك يواجه مشكلات وعقبات وصعوبات حقيقية تصل الى درجة التغاضي عن تلبية موجبات اعادة الحياة لمدن (زرباطية وبدرة وجصان) من قبل اجهزة الحكومة. التي تبدي اصرارا غير طبيعي لرفض كل طلباتنا المتعلقة باعادة اعمار هذه المدن. ففي زرباطية رفض قرار المجلس البلدي القاضي بتوزيع 1500 قطعة سكن للمواطنين كما تم رفض الطلبات المتكررة بتعزيز مستوى الخدمة في الكهرباء بتعيين فنيين ومهندسين في دوائر الكهرباء في هذه المدن حيث تدار الان من قبل عمال حديثي التجربة والخبرة مع انعدام وجود الخدمات الطبية والتربوية.
ويتساءل المواطن عبد الله جبار عن السبب او الاسباب التي تجعل دوائر الدولة في المحافظة وفي العاصمة بغداد، على مثل سلبية كهذه غير معقولة تجاه هذه المدن مشيرا الى ان ذلك ربما يعبر عن وجود نهج يحاكي النهج الصدامي في المضمون والتصرف فيما يعزو الحاج باقر عبد الحميد السبب او الاسباب، الى ضعف الاداء الحكومي بشكل عام وانعدام وجود المتابعة والمراقبة والمحاسبة، بحيث ليس هناك من المسؤولين الكبار من ابدى اهتماما بهذه المدن التي اضحت الان كما لو كانت (منبوذة) او هي مدن (النفي) الى خارج الحياة. ويصر السيد رشوان فيصل على اصطحابنا في جولة سريعة في شوارع وازقة بدرة وكذلك زرباطية التي تبدو وكأنها ولادة جديدة لاصلة لها بالماضي ويلفت نظرنا الى تيبس الحياة فيهما رغم مرور الاف الشاحنات والعجلات الصغيرة والكبيرة والسيارات المخصصة للحمل وغيرها، ويرى ان ذلك ناجم عن تدني فاعلية الانشطة الاجتماعية والاقتصادية والسكانية.
Taakhi