الرئيسية » مقالات » لتوقيع على الاتفاقية عمالة – وعدم التوقيع عمالة مزدوجة

لتوقيع على الاتفاقية عمالة – وعدم التوقيع عمالة مزدوجة

الاتفاقية الأمنية المزمع عقدها بين العراق والولايات المتحدة الأمريكية قبل نهاية عام 2008 عي بمثابة تحول من عرق محتل لعراق ذا سيادة منقوصة حسب عدد القواعد التي سوف تنشئها القوات الأمريكية على الأراضي العراقية.

السؤال: هل نقبل بالسم القليل والعسل المصفى، أم نبقى نتجرع السم كله؟

وبمعنى آخر، أي الخيارات أمام المفاوض العراقي إبقاء العراق تحت البند السابع وطلب تفويض قوات متعددة الجنسية لمدة أخرى من خلال قرار الأمم المتحدة بأن يستمر العراق بلداً محتلاً…أم نضعه تحت الحماية الأمريكية ونبدأ بعملية البناء والأعمار وتحسين الواقع الأمني والاقتصادي والصحي والثقافي للمواطن العراقي.

أتصور أن بعض القيادات لا تفصح عن أنها موافقة على الاتفاقية خوفاً من أن تلصق بهم تهمة العمالة لأمريكا، والحقيقة أن كل من ساهم في العملية السياسية بعد التاسع من نيسان 2003 يعتبر عميلاً للولايات المتحدة الأمريكية وبريطانيا وإسرائيل وللشيطان …من قبل فلول النظام السابق والقاعدة والمرتبطين بالدول التي لا تريد الخير للعراق. فهل أن التوقيع على الاتفاقية أو عدمه سيغير من وجهة نظر هؤلاء.

تخوف بعض الدول، أو عدم رضاها بأن يكون للعراق علاقة صداقة بعيدة المدى مع أمريكا هو ناتج من حسد وناتج من تطور العراق ونشوء دولة حديثة تؤثر على سياسية واقتصاد تلك البلدان. مع أن من حق الدول المجاورة للعراق أن يكون لديها تحفظ خوفاً من تدخل أمريكا في شؤونها الداخلية، أو التخوف من شن الولايات المتحدة الأمريكية حملة عسكرية على بلدانها، وتكون للقواعد العسكرية الأمريكية داخل العراق دوراً كبيراً من نواحي عدة أهما دور المخابرات والمواصلات، وإن منع الدستور العراقي استخدام الأراضي العراقية للاعتداء على الدول المجاورة. مع أن أكثر الدول الخليجية لها مع أمريكا ذات الاتفاقية أو أحكم منها.

الآن تمر الكتل السياسية العراقية في فترة امتحان صعب وخيار لا مفر منه. أن المراقب يعرف أن أكثر هذه القوى إن لم أقل جميعها موافقة للتوقيع على هذه الاتفاقية وإن كان البعض منها قد أبدى موافقته على المسودة الأولى، لكن المفاوض العراقي قد تقدم أشواط كبيرة في تحسين الاتفاقية لصالح العراق وشعبه بشكل أفضل مما كان عليه في المسودات الثلاث.

أن أهم ما يشاع بين العامة أن سيادة العراق على أرضه وسمائه ومياهه هو الحد الفاصل والخط الأحمر الذي لا يمكن التفريط به…فأيهما عليه أن يروج له، السيادة الناقصة كلياً أم السيادة الناقصة جزئياً. هل يريدون استمرار العراق تحت البند السابع. ويبقى العراق بلد محتل حسب قرار أممي يتجدد ومن حلال طلب الحكومة العراقية.

الاعتراض الذي ورد من بعض الجهات أن من مهام القوات الأمريكية مراقبة الحدود بأنواعها وبطرق حديثة ومطاردة القاعدة وفلول النظام البائد، والاعتراض على هذا البند هو تخوف البعض أن تستخدم المادة لوضع أي شخص غير مرغوب به في هذا المسمى. فأن كانت هذه الجملة ذات أهمية فيمكن اختصارها على الخارجين عن القانون، والقانون يشمل المجرمين والمخربين والإرهابيين. أو أي تعديل يرضي الأطراف. وحسب ما وجدت في الاتفاقية من بنود كثيرة وجزئيات لم تفسر وقد بقيت تفسيرها للجان مختصة من الطرفين. وقد يضاف بنود أو تحذف بنود بعد العمل وفق الاتفاقية.

الاتفاقية لم تحدد بتاريخ معين وأن وضع خروج القوات الأمريكية وتحويل جميع المباني للحكومة العراقية 2011، لكن في مضامين الاتفاقية هناك إشارات إلى أن الاتفاقية بعيد ويمكن تجديدها كما يمكن إلغائها…وموضوع الإلغاء شكلي وغير وارد، لأنه طالما هناك مشاكل والدولة العراقية لم تتطور لدولة ديمقراطية حقيقية أو كما تراها أمريكا والمجتمع الدولي ولم يتحقق للمواطن العراقي حرياته وأمنياته فأن هذه المعاهدة تتجدد ولأمد بعيد لا يعرف مداه.

لم نسمع لا من طرف الحكومة توضيحات قانونية وتفسير واضح، ولم يخرج للإعلام مختصين في القانون الدولي ليشرحوا للمواطن البسيط آفاق هذه الاتفاقية وإيجابياتها وسلبياتها، ولا حتى من قبل الأطراف التي تتبع أوامر خارجية أو تلك التي تسمي أنفسها بالوطنية النزيهة وتتهم غيرها بالعمالة توضيح وشفاف عن مساوئ هذه الاتفاقية.
لا أعرف …لذلك أتسائل وقد يخطر أمثال هذه التساؤلات لدى المواطن العراقي المطلع وقد ينساق المواطن العراقي البسيط لدعايات أن الأطراف التي تروج للاتفاقية هي ليست وطنية ولديها غايات خاصة. كتلة الكرد وهم أصحاب تجربة طويلة مع الأمريكان حين كانوا تحت حمايتها ورعايتها لفترة أكثر من ثلاثة عشر عاماً، وهل الكرد أقل وطنية من باقي الكتل والأحزاب العراقية المذهبية والأحزاب العلمانية…أم أن العراقيين الناطقين باللغة العربية أكثر وطنيةً من الباقين…هل سوف نبدأ تقسيم المقياس الوطني على أساس قومي ومذهبي وعرقي. وهل أن المسيحيين والصابئة أقل وطنيين من الشيعة أو السنة…ويشاع أن السنة موالين للسعودية والأردن والبعض لسوريا، والشيعة موالين لإيران وإيران قد هددت الوزراء والبرلمانيين لكي لا يوافقوا على الاتفاقية، وهل السيد نوري المالكي له الحق في التوقيع دون موافقة المجلس السياسي وتقديم المسودة للبرلمان العراقي. وكلنا نعلم أنه لو وافق أكبر الكتل النيابية على الاتفاقية فأن الأمر محسوم قبل عرضها على البرلمان، ويمكن أن نسمع اعتراضات من أطراف لبيان وطنيتها المزيفة للتسويق الداخلي والخارجي وإن كانوا في واقع الأمر موافقون على الاتفاقية، ومن الممكن جداً أنهم قدموا تنازلات أكثر من غيرهم للأمريكان.

حتى ما يسمى بالقوى المعارضة للعملية السياسية والتي تتواجد في دول الجوار وبعض الدول العربية بقايا حزب البعث وبقايا قيادات النظام البائد وما يسمى بالمقاومة جميعهم شاركوا في توجه جديد لتقديم التنازلات والتوقيع على الاتفاقية فيما إذا لو لم توافق الحكومة وهذا المقصود من الانقلاب العسكري بمساعدة القوات الأمريكية.

المعروف أن أهم المفاصل الأمنية والعسكرية من مخابرات وأمن قومي والقوات المسلحة العراقية لازالت تحت أمرت الولايات المتحدة الأمريكية وهذا يقره المنطق وواقع الحال. ولذلك أن مفاتيح الاستقرار الأمني بيد الأمريكان شاءوا وفروه، وإن أبوا فالفوضى يعم البلاد. وأن القوى الإرهابية وغيرها مستعدة لساعة الصفر (خروج القوات الأمريكية) لتشن هجمات مفاجئة لكي ترجع الوضع العراقي الأمني للمربع الأول ولحالة تحت الصفر.

لا يمكن للقيادات العراقية الرضوخ للتهديدات الخارجية وهم يضعون أيديهم بأيدي أكبر وأعظم قوة عسكرية واقتصادية وصناعية وصاحبة القرار العالمي. ومن غير المنطقي أن نتبنى إشاعات أن الوضع سيبقى كما هو عليه لأن أمريكا سوف تبحث عن رجل قوي يدير الأمور كــ (دكتاتور عادل). لأن الشعب العراقي والقوى الوطنية سوف تقف بوجه هكذا توجه. ولا أن العراق وشعبه يتحمل صراع مذهبي وصراع قومي، لأن القضية الكردية يجب أن تحل بأفضل الطرق وأن تسويق أعداء العراق لإشاعات والأكاذيب حول الكرد ونواياهم التوسعية. العملية السياسية لم تكن تصل لما هي عليه الآن لولا اهتمام الأطراف الكردية وتعاونهم ومشاركتهم الحقيقية في تطوير الدستور وشكل الدولة العراقية مركزياً ما حدث من استقرار في إقليم كردستان. لذلك على القوى السياسية العراقية أن تختار بين أن تكون عميلاً أو عميلاً مزدوج.
والأفضل أن يكون الجميع عملاء للوطن ومصالح الشعب العراقي.

العراق يكفيه الحروب والمشاكل، التوقيع على الاتفاقية يسهل عمل الحكومة للتوجه للأعمار والبناء وتوفير الخدمات للمواطنين…على المفاوضين العراقيين الضغط على توفير التكنولوجيا الحديثة الأمريكية وتطوير الكوادر الفنية والعلمية العراقية. والسعي لبناء شبكات مياه الصرف وشبكات مياه الصالحة للشرب. وتطوير الأهوار لكون أهميتها البيئية والتاريخية ليس للعراق فقط بل لأهميتها للبيئة العالمية. التأكيد في الاتفاقية لحث الأمريكان للبحث عن المواد الخام الأخرى غير النفط. والتأكيد على تجديد الواقع الصناعي والزراعي العراقي. التأكيد لنشر العلم والمعرفة…ومثل هذه الاتفاقية يمكن التوقيع عليها لمدى غير محدد…العالم قرية صغيرة والموارد ليست ملك بلد أو شعب معين…علينا أن ننظر بمناظر أوسع وأفق أبعد وعقلية متطورة.

المخلص
عباس النوري
‏2008‏-‏10‏-‏22