الرئيسية » مقالات » بين الشكل الشمولي لرأسمالية الدولة و الشكل النيو ليبرالي

بين الشكل الشمولي لرأسمالية الدولة و الشكل النيو ليبرالي

عندما يتحدث أشخاص كساركوزي عن ضرورة تعديل النظام الرأسمالي العالمي يشير هذا إلى عمق الأزمة الأخيرة و إلى أن قضية انهيار الليبرالية “الجديدة” القديمة ربما أصبحت مسألة وقت..حان الوقت اليوم لبعض التحفظ و التواضع في خطاب الليبراليين الجدد و بالتأكيد لبعض التعديل في المقاربة الميكانيكية الإيمانية من السوق و الرأسمالية ككل , لكن القضية ليست هنا على الإطلاق , لا في موقف حكومات دول المركز الرأسمالية و لا النخب المتلبرلة..يجب التأكيد أنه لهذه الأزمة عدة مستويات , منها الآني و الحاد الذي أثار فزع حكومات دول مراكز النظام الرأسمالي العالمي و حفزها على ضخ تريليونات الدولارات حفاظا على الأسواق المضطربة و الشركات المتداعية من المزيد من الانهيارات , المستوى الآخر هو تراجع أرباح رأس المال الذي عادة ما يتجاوب معه رأس المال بإجراءات تهدف لتخفيض نفقات الإنتاج , منها طرد أو فصل آلاف العمال و تخفيض أجورهم , لكن المستوى الأهم و الأبعد مدى و الأعمق تأثيرا هو تصاعد نضال ضحايا هذا النظام ضده سواء في المراكز أو الأطراف..من جديد ليست القضية في أولئك الذين يكابرون على طريقة دفن الرأس في الرمل , بل في البدائل التي يقترحها القادمون الجدد و بدائل الوضع القائم الممكنة , ما يهمنا هنا هو بديل الجماهير الديمقراطي تحديدا..هنا يبدو أن “الدولة” هي الاكتشاف المفاجئ الذي يعول عليه الكثيرون لتجاوز النظام لأزمته , حتى وول ستريت تستدعي تدخل الدولة لكن دون المس بسيطرتها بعيدة المدى على الثروة و بحريتها المطلقة في السعي وراء الأرباح , أما ساركوزي و أوباما و ميركل فهم ينظرون إلى الخلف نحو إعادة إحياء سياسات كنزية دولتية تلعب فيه الدولة دور منقذ النظام و محفزه الأساسي لكن دون المس بمركزية رأس المال في الحياة الاقتصادية , يجب هنا التأكيد على أن الحجة الأساسية التي استخدمها المحافظون الجدد و معهم الليبراليون الجدد المحليون لإثبات صحة إيمانهم الجديد الأصولي بالسوق هو سقوط الأنظمة التي سمت نفسها اشتراكية في أوروبا الشرقية و انكشاف حقيقة مشروع الأنظمة القومية , التي تطورت من البرجوازية الصغيرة إلى رأسمالية الدولة , الاستبدادي و الهزائم التي قادت إليها بدءا بحزيران 67 و انتهاءا بنيسان 2003 , لكن النقد الأساسي الذي وجهه الليبراليون الجدد لأنظمة رأسمالية الدولة هذه نسب كل شرورها إلى غياب “المنافسة الحرة” السياسية و الاقتصادية بين قوى “عقلانية” تنشأ و تتحدد وفقا “لتوزيع طبيعي” للثورة و الملكية في سوق حرة , هذه “المنافسة الحرة” كانت هي البديل يومها عن احتكار الأنظمة القائمة لمجمل الحياة السياسية و الاقتصادية دون أن يحظى الناس العاديين أو ما يسمى بالجماهير وفق المصطلح السياسي الدارج بأكثر من وضعية المتفرج السلبي أو التابع المخلص السلبي أساسا للنخب المتلبرلة أو لأنظمة الاعتدال , لكن هذه “المنافسة الحرة” تخلي الطريق اليوم بشكل إجباري و حتى إسعافي أمام سياسات كنزية دولتية الأمر الذي يوفر لمحتكري السلطة و الثروة في بلادنا و العالم مخارج و لو مؤقتة من الأزمة التي وجدوا أنفسهم فيها بسبب سياساتهم الخرقاء و جشعهم غير المحدود..و سيكون هذا التحول مصدر سرور بلا شك للديكتاتوريات المهترئة في بلادنا التي بلغت أزماتها درجات متقدمة و وصلت مركزيتها إلى درجة تولت فيها العائلة مقاليد الحكم الفعلي حتى درجة الاستيلاء على الثورة العامة..لقد أصرت النخبة المثقفة أو المسيسة مع انتقالها إلى خندق الليبراليين الجدد على إنكار الجانب أو البعد الأهم في أنظمة رأسمالية الدولة المترهلة هذه في بلادنا و هي تناقضها مع ضحايا الاستبداد و الاستغلال – الجماهير الذين لم يكن لهم أي مكان في تحليلها لتلك الأزمة , و هذا ما انتهى بها إلى تثبيت تناقضات أخرى بين بعض هذه الأنظمة و بين المركز الرأسمالي , بين نموذج رأسمالية الدولة الشمولي و النموذج النيو ليبرالي لسيطرة الرأسمالية , الذي اعتبر التناقض الأكثر تقدمية , و الذي يبدو أنه يتراجع مع انكشاف زيف النموذج النيو ليبرالي و تقدم دور الدولة كمنقذ للنظام برمته و كمؤسسة أكثر توازنا من السوق الحرة , بعيدا عن أزمة الخطاب الليبرالي الجديد هذه يبقى الجانب الأخطر من الأزمة الراهنة هي احتمالات تصاعد نضال ضحايا النظام الرأسمالي ضد أسس هذا النظام نفسه خارج إجراءات إنقاذه أو حتى “إصلاحه” و في نفس الوقت ضد أنظمة رأسمالية الدولة المهترئة المأزومة في عالمنا , ما تزال الأزمة في بداياتها و ما يزال رد فعل الشارع عليها في مرحلة جنينية , أما نهايتها فهي بعيدة و غامضة , تفصلنا عنها الكثير من النضالات و الانهيارات و الخيانات , و سيكون عندها من الممكن أن نقيم عمق الحفرة التي وجد فيها النظام الرأسمالي نفسه……