الرئيسية » مقالات » الاتفاقية الامنية وتردّد الكتل السياسية

الاتفاقية الامنية وتردّد الكتل السياسية

كان الامر على وشك الانتهاء من التوقيع على الاتفاقية الامنية طويلة الامد بين الحكومة العراقية والجانب الامريكي على الاقل من قبل مجلس الوزراء لتتحول بعدها الى البرلمان العراقي، لولا تحفظ بعض الكتل السياسية وفي مقدمتها قائمة الائتلاف العراقي الموحد قبل لحظات من تمريرها فقط، لتترجم بذلك تردداً غير مبرر استمر لفترة طويلة ولا احد يعرف ما السبب في هذا التردد الغريب حتى بعد حصول الجانب العراقي على مطالب ممتازة، لم يكن يحصل عليها لولا الظروف القاسية التي يمر بها الجمهوريون وقرب موعد انتخابات الرئاسة الامريكية.

وبالطبع كلها ظروف خدمت سواء بالصدفة ام بالتوفيق الالهي الحكومة العراقية وعلى رأسها السيد رئيس الوزراء نوري المالكي في عملية التفاوض، فأحسنت الحكومة استخدامها كورقة ظاغطة في العملية التفاوضية بغية الحصول على اعلى المكاسب للدولة العراقية .. وبالفعل فقد اتت اكلها حينما قدمت الولايات المتحدة الامريكية النسخة الاخيرة المُعدّلة والتي كانت تحتوي على نقاط ممتازة حسب رأي حتى المعارضين لها .. الاّ ان الذي لم يكن متوقعاً هو تهرّب الائتلاف وبقية القوائم من المصادقة عليها مع تحفظ كتل اخرى كانت صامتة حتى وقت قريب فكان صمتها آنذاك بمثابة موافقة ضمنية على بنود تلك الاتفاقية، او على الاقل هذا ما فهمناه تلك الفترة.

امر آخر مثير وهو ان الائتلافيين تعوّدوا طرح الامور الكبيرة على المرجعية الدينية في النجف الاشرف وهذا ما فعلوه في الاتفاقية .. فقد زار السيد رئيس الوزراء نوري المالكي المرجع السيد السيستاني وقدّم له النسخة المعدلة من الاتفاقية وكان الاخير بلفتة ذكية تعبر عن مدى الانجاز الذي تحقق والتقدّم الملحوظ في المكاسب، اشار على المالكي بضرورة طرح الاتفاقية على البرلمان العراقي مع ضرورة حصول الاجماع السياسي عليها كي لا يكون مصيرها مصير نقاط اخرى خلافية مُعلّقة ادخلت الوضع العراقي بين جدل السلطة والمعارضة ولم تنته لحد الآن. ذلك يعني وكقراءة بين الاسطر ان السيد السيستاني لم تكن لديه هذه المرة ملاحظات قوية عليها كما كانت له في السابق والتي عبّرت عنها التسريبات الخارجة من مكتبه آنذاك بانها مُضرّة بالعراق ولا يمكن للمرجعية الموافقة عليها. اي ان المرجعية الآن اعطت ضوءاً اخضراً للسياسيين وان كان بسيطاً، الاّ انه يعبر عن مساحة من القبول والاعتراف بأن الاتفاقية جاهزة للتوقيع اليوم، من خلال ايعازه لعرضها على البرلمان. مما يعني انها لا تمانع من التوقيع، بل تراها كسباً جيداً في هذه المرحلة وفقاً للامكانات المتاحة والواقع المطروح امام المفاوض العراقي، لكنها اصرت على الاجماع السياسي بشأنها.

فالاجماع بنسبة الجيد جداً او الجيد فقط سيحقق الاستقرار السياسي وينهي اللغط حول تخوين طرف دون الآخر او القاء اللوم وتبعات توقيع الاتفاقية على احد دون الآخر، وسيسهم بالتاكيد في اخراس كل معارض يحاول التصيد في الماء العكر والتبضع في اسواق ومحلات الوطنية البالية.

وحدها كتلة التحالف الكردستاني وافقت رسمياً على النسخة الاخيرة من الاتفاقية.
اما التوافق فقد ظلت متربصة بالموقف الحكومي لترى ما يمكن ان يخرج من الحكومة لتتخذ حينها موقفاً قد يكون معارضاً او موافقاً لها، حسبما تراها استراتيجية ناجحة لجمع الاصوات في الانتخابات المقبلة .. لهذا كان تصريح السيد سليم عبدالله الجبوري الناطق باسم الجبهة والذي قال فيه ان جبهته سوف تكسر صمتها عن قريب وتخرج برأي موحد من خلال اللجنة التي شكلتها لدراسة الاتفاقية، دليلا ً على ان هناك اختلاف واسع وبون شاسع في آراء وتصريحات العديد من قياديي الجبهة والملموسة ليس فقط عند الجبوري، بل عند عموم العراقيين، بحيث نسمع عضواً توافقياً يرفض الاتفاقية بشدة في وقت ٍ يخرج عضو آخر يؤيد التوقيع وبنفس الشدة، دون معرفة رأي الجبهة الحقيقي والصريح.

القائمة العراقية صدمت الكثير حينما اعلنت بان التوقيع على النسخة الحالية يجعل من العراق في مهب الريح واكدت على ضرورة تأجيل البت في شأنها الى ما بعد الانتخابات الامريكية اي انها تدعم التفاوض مع السلطة الامريكية الجديدة وليست الحالية.

اما الائتلاف العراقي فكان خائفاً ومتردداً كعادته من ان يأخذ موقفاً جريئاً في التوقيع عليها، لانه حسب تصوري لمس هذه المرة عدم استعداد الكتل الاخرى لان تخوض معه او تتحمل معاً المسؤولية التاريخية في هكذا امر، وشعر بان هناك امر يُدبّر بليل ضده من قبل الخصوم الذين سينالون منه بعد التوقيع مباشرة ً، وسيعتبرونه هو المسؤول الاول عن الاتفاقية وليس غيره باعتباره الكتلة الاكبر والمُشكّلة للحكومة.
الامر الثاني الذي يُقلق الائتلافيين التوجّس من ان يستخدم نفس هؤلاء الخصوم قضية التوقيع على الاتفاقية كورقة للطعن بسمعة الائتلاف ووطنيته، لتكون ضربة معلم تأتي في الوقت المناسب وقبيل انتخابات مجالس المحافظات القادمة لتقضي على ما تبقى من شعبيته في اوساط الفقراء والمحرومين.

ضغوط اخرى اقليمية وحساسيات امنية لدى دول الجوار ومن بينها ايران حسب تصريح الشيخ همام حمودي عضو الائتلاف العراقي الموحد وراء التردد في التوقيع ايضاً.

بقيت نقطة اخرى تستحق الذكر كان قد نوّه لها الكاتب ابراهيم الصميدعي اكثر من مرة، وهي ان القادة الشيعة لا يستطيعون حتى هذه اللحظة التخلص من عقدة التخوين التي يحاول الغرماء الآخرون الصاقها بهم وعلى مدى التاريخ، لهذا هم يخافون من ان يلعنهم التاريخ في حال وافقوا على الاتفاقية ذلك لانهم اغلبية برلمانية مسؤولة هذه المرة وليسوا اقلية مضطهدة غير حاكمة.

بقية الكتل النيابية والجهات السياسية المشاركة وغير المشاركة في العملية السياسية تختلف مواقفها تجاه التوقيع على الاتفاقية حسب مصالحها وايديولوجياتها السياسية وحسب ما تقضتيه البراغماتية في هذا الشأن، فهذا يرفض والآخر يؤيد وآخر يصمت دون رأي صريح وواضح، مما حيّروا معهم شعب باكمله اضاع فرصة التعرّف على العميل من الوطني، وضيّع الحسبة بين الخائن والشريف، فلم يعد يعرف كيف بات نوري السعيد صاحب معاهدتي حلف بغداد والبورتسموث المُذلتين، وطنياً شريفاً تبكي عليه الاقلام بعد خمسين سنة من وفاته رحمه الله، بينما يكون نوري المالكي عميلا ً خائناً وهو يريد التوقيع على اتفاقية اقل ما يقال عنها بانها انصفت العراق والعراقيين اكثر من ابناء البلد انفسهم، هذه هي وجهة نظري الخاصة.

مشروع الاتفاقية حسب قراءتي لها هي اروع ما يستطيع ان يحصل عليه المفاوض العراقي في ظروف شبيهة بظروف العراق اليوم، وامكانات مثل امكاناته الحالية .. ولو فرّط العراقيون فيها سوف لن تكون الفرصة مواتية مرة اخرى ابداً ابداً .. ولو قطع الجانب الامريكي الاّ يتنازل مجدداً عن بعض بنودها، ذلك يعني بان الامر سيترك للمراهق باراك اوباما، وهي مجازفة حقيقية بمستقبل العراق اذا ما قرّر الاخير ارتكاب حماقته في سحب القوات الامريكية من العراق في مدة قريبة، وحينها سيكون العراق مجرد حظيرة لجرذان الدول المجاورة تسرح وتمرح دون خوف او وجل من اي احد.

يا ساسة العراق ويا قادته، اتركوا حرب اليمين واليسار، والاسلام والعلمانية، وابتعدوا عن شعارات الديماغوجيا البلهاء التي لا تنفع في اطعام هذا الشعب المسكين خبزاً ولا حتى كيك ماري انطوانيت .. واتخذوا خطوتكم الجريئة ووقعوا على هذا الاتفاق فلا نحتاج سوى (شخطة) بسيطة من رجال شجعان مثل (شخطة) رجلنا المالكي في توقيعه على اعدام بطل الجحور صدام، في الوقت الذي فرّ القريب والبعيد منها، وهرب آخرون باتجاه الغرب والشرق ليتخلصوا من عبئها ومسؤوليتها.

اتمنى ان اعرف، هل الذين يرفضون التوقيع اليوم ومعهم المتردّدون هم رافضون لاصل الاتفاق ام لتفاصيله فقط!!! لانني بدأت اشك من انهم يرفضون اصل الاتفاق وليس كما يعلنون تفاصيله. وهذا مسألة تحتاج لشجاعة فائقة لاعلناها.

وان كان التردّد سببه الخوف من المستقبل، فانا اقول بل اجزم، بان الوقت الذي جعل من السعيد وطنياً بمعاهداته، سيجعل من المالكي وبرلمانه كذلك ولو بعد حين .. انها مسألة وقت فحسب لتتروض العقلية الهمجية وتدخل قفص التعقل والمعرفة، سيما والعراقي معروف بازدواجيته وتعاطفه مع الاحداث باللحظة، كما يقول شيخ الاجتماع علي الوردي.