الرئيسية » مقالات » حرية التفكير من حرية الكلمة, وهي أساس الإبداع..!

حرية التفكير من حرية الكلمة, وهي أساس الإبداع..!

كتب رئيس مكتب الاختراعات الأمريكي على باب مكتبه في عام 1899 “كل شيء يمكن اكتشافه قد تمّ اكتشافه”!.
وقال توماس واتسون IBM في عام 1949 “برأيي أنه خمس كومبيوترات ستنعش السوق الاقتصادي بشكل رائع…”!.
وفي نفس العام كتبت صحيفة أمريكية “من المحتمل أنه في المستقبل لن يكون وزن الكومبيوتر أكثر من 1500 كغ.”!.
من حسن الحظ أنها كانت توقعات خاطئة, وفي المقابل نجد المئات من الأمثلة القديمة والتي حلم بها مفكرون ومخترعون تبين أنها كانت صحيحة, ونستشهد هنا مثلاً بالعبقري متعدد المواهب لوناردو دافينشي والذي وضع تصاميم أولية قبل مئات السنين ولمئات الابتكارات منها مثلاً الهليوكوبتر.
وعند كثير من الشعوب نجد أفراداً متميزين في سعة خيالهم وتفكيرهم وعلمهم, وحتى بعض الكتاب والأدباء وضع خياله العلمي في روايات وقصص, وكتب الأديب الهنغاري مور يوكاي (MÓR JÓKAI) عن تصوراته للقرن العشرين وما يحمله لنا حيث توقّع أنه “سيكون هناك لغة واحدة للمخاطبة والتكلم, ينطق بها البشر من أفريقيا حتى غرينلاند” ـ وقد جاءت لغة الاسبرانتو ـ لكن اللغات القومية لم تموت.

لكن ماذا يقولون اليوم ـ الواردة أسماءهم أعلاه ـ عن تلك الاختراعات من الانترنت وغزو الفضاء وثورة المعلومات والموبايل إلى علم النانو وعلم الموّرثات و…
ولو قال شخصاً أنه خلال عقدين من الزمن سينتقل الكومبيوتر من جهاز يزن الأطنان ويأخذ حجم يملأ عدة قاعات ـ ينتقل هذا الجهاز ليصبح وزنه بضعة كيلوغرامات وتضعه على الطاولة في البيت أو تحمله معك في الطيارة أو إلى المقهى, أو أنه قريباً سيكون بمتناول اليد تليفون تضعه في جيب قميصك الصغيرة ـ لو قال شخص هذا في ذلك الوقت لضحكوا منه وعليه!.
إذا أردنا زيارة أحد في الماضي فإننا بدون إعلامه أو إشعاره بأي شيء نذهب ونقرع جرس بابه, ولم يكن في ذلك غلاظة إذا وصلنا في وقت غير مناسب, وإذا لم يكن في البيت عدنا أدراج الرياح!.. يا ترى من يقوم بهذا في هذه الأيام؟..

الخَلق هو إيجاد شيء من لا شيء, وهي خاصية إلهية. بينما الإبداع والاختراع هو خلق شيء من شيء آخر عن طريق التفكير التجريدي وهي خاصية إنسانية..
روّاد الثقافة والحضارة الإنسانية لم يستكينوا لوصفة الراحة والسعادة التي وُلدوا وعاشوا فيها خلال قرون طويلة.
وقد ترَكَ القرن العشرون بصمات نعيشها كل يومٍ رغم تقلب الغيوم في سمائه..

وكما هو معروف أن أساس الحياة هو تأمين الاحتياجات الضرورية للإنسان, والحاجات(الضروريات) تتغير من فترة لأخرى وتكبر كما يكبر عدد سكان الأرض وتكبر معها الرغبة للأفضل, وقد يكون التكاثر السكاني أحد أهم الأسباب الملّحة الضرورية لتأمين الاحتياجات.
كانت تكفي في البداية عمليات الصيد وجمع الثمار, بعدها صارت تربية الماشية ثم تطور هذا إلى الزراعة.. وهذه كلّها كانت ضروريات تطورت مع الزمن ومع تطور الإنسان, ثم ظهرت الملكية وصاحب العمل ثم النقود والسلع كوسيلة للتعامل والتبادل.. ثم جاء فائض القيمة, وجمعٌ أكثر للمال والثراء من خلال ابتكار طرق لإنتاج خيرات جديدة.

شعر الإنسان أول مرة في القرون الوسطى أن المصادر الموجودة بين يديه بدأت تنقص وصار يفكّر ويبحث عن بدائل لها أو متممة لما هو موجود, لكنه ظهر فيما بعد أن هذا أيضاً غير كافٍ.
وفي عصر النهضة وصل الإنسان إلى حقيقة أن المصدر الذي لا ينضب للطاقة والخيرات هو القدرة على الإبداع والابتكار. الإختراع والابتكار بحاجة لثلاثة عناصر(مقوّمات) مجتمعة وهي: الحاجة, المصلحة وحب الاكتشاف(الفضول), وهناك شعوب ـ تجمعات ـ تضطر في ظروف حرجة وصعبة جداً إلى ابتكار وسائل بسيطة لتسهيل معيشتها في العدم والبؤس ـ أي الحاجة الملحة ـ لكنها تبقى ابتكارات محدودة وبسيطة..

عندما نسمع أسماء دول مثل باكستان أول شيء يخطر في بالنا التخلف والفقر, السودان ـ الجوع رغم أنه كان يسمى “سلة غذاء أفريقيا”, وعندما نسمع أسماء مثل أمريكا أو ألمانيا أو اليابان يحضرنا في خيالنا مباشرةً الرخاء والكفاية ومنتجاتها المتطورة.. وهذا يمثل هوية ما!.

يقول الفيلسوف المعروف ديكارت “أنا أفكّر, إذاً أنا موجود”!, لكن القول الحقيقي لديكارت هو “أنا أشكّ, إذاً أنا موجود”! وهو أساس الإبداع عندما يحاول المفكّر دحض نظرية من سبقه على أسسٍ وحججٍ جديدة وهكذا يأتي بعد ذلك شخصٌ آخر والذي يكتشف نقص هذه النظرية ويقوم بترميمها وتطويرها وإلى ما لا نهاية…
ويقول برتراند راسل ” المشكلة في هذا العالم أن المجانين دائماً يملكون ثقة بالنفس وبما يعملون, أما العقلاء الأذكياء فهم يشكّكون في كثيرٍ مما يعرفوه ويشاهدوه”!..
والكثير من الحكام العرب يشكّ في كلّ شيءٍ إلاّ عندما تقوم الرعية بتمجيدهم..

ثق بالذي يقول أنه يبحث عن الحقيقة, ولا تثق بالذي يقول وجدتها وهي عندي! لأن الحقيقة نسبية دائماً..

في المجتمعات التي تكفل حرية التفكير تكثر فيها الابتكارات, لأنه أساس الجديد هو التشكيك بما هو قائم والبحث عن الأفضل, أو البحث عن ما هو ضروري والغير موجود حالياً..
كانت فترة الازدهار في التاريخ العربي هي الفترة التي سادت فيها حرية التعبير والاعتقاد والتفكير وغياب التكفير أياً كان شكله ديني أو حكومي سلطوي ـ لاحظ الازدهار في الحقبة الأندلسية ـ.
وإذا نظرنا إلى أوربا بعد محاكم التفتيش ـ منذ فصل الدين عن الدولة ـ وحتى الآن نراها في تطور, وقد تكون المشكلة التي ترافق التطور العلمي التقني الموجودة في الدول المتقدمة ـ وهي كلها دول ديمقراطية ـ هي أن وتائر سرعة التطور التقني العلمي أسرع من تطور الشعور بالمسؤولية لدى الإنسانية بشكل عام وعدم تناسبه مع التطور الاجتماعي.. أي أن التطور العلمي أسرع من التطور الإجتماعي المسؤول!.
الاختراعات تستند إلى العلوم النظرية والتطبيقية, ومتعلمي المجتمع العربي بشكل عام يشبهون الأميين في أوربا وأمريكا واليابان ـ مع الاحترام للاستثناء ـ, هذا المجتمع سيبقى متخلفاً طالما هناك خوفٌ واستبداد.
الذي لا يملك الشجاعة للوقوف ضد رأي شرطي أو عريف بالمخابرات ـ لا يملك المقومات للتفكير الحر المبدع, القمع والاستبداد يولِد شعراً رائعاً للمعاناة وأدباً ضحلاً للمديح, لكنه لا يخلق “نكاشة بابور” أو ميكرافوناً للمديح والنفاق.
الملايين التي تصل نسبة موافقاتها لأي استفتاء يقترحه الحاكم إلى 90 أو 99 % ومهما كان الموضوع المطروح ـ هذه الجماهير أشبه بقطيع تسير وراء الراعي الذي يعرف ويبدع ويصبح العبقري الأول على هذه البسيطة..

إذا أخذنا إحصائيات منظمة التربية والثقافة والعلوم ـ اليونسكو ـ لوجدنا أن متوسط قراءة الطفل في العالم العربي لا يتجاوز ستة دقائق في السنة خارج المنهج الدراسي المطلوب, ويقرأ كل 20 عربياً كتاباً واحداً في العام بينما يقرأ كل بريطاني 6 كتب أي ما يعادل ما يقرأه 140 عربياً, ويقرأ كل أمريكي 11 كتاباً أي ما يعادل ما يقرأه 220 عربياً, وغالبية كتب المطالعة العربية هي كتب دينية وليست كتب علوم..
ما تنتجه الدول العربية من الكتب يساوي حوالي 1 % من الإنتاج العالمي ـ أكثرها كتب دينية ـ وسكان الوطن العربي أكثر من 5 % من سكان العالم (إحصائيات عام 2006)..
بعد هذا يكون مفهوماً أنه في قائمة تضم أفضل مائة جامعة في العالم لا يوجد ولا جامعة عربية.! بينما في الدول العربية توجد أكثر كمية من أنظمة القمع وحكم العساكر والفقهاء في العالم, ومن المعروف أن نسبة لا بأس فيها من الضباط يلتحقون بالجيش لسبب أن علاماتهم لا تؤهلهم لأي فرعٍ تعليمي عالي ـ تصوروا في ظل مناهج التعليم عندنا وهم الأضعف ـ ,
أما المحظوظين من العرب والذين استطاعوا ترك بلادهم بقصد العلم والبحث فإننا نجد منهم من استطاع الوصول إلى درجات كبرى ونتائج عظيمة ـ لكن في أوربا أو أمريكا ـ. وكما يقول العلماء أن “الموضوع يحدد التفكير” أي أن ظروف الحياة الاجتماعية الموضوعية تحدد إلى درجة كبيرة تفكير الأفراد والذين ستكون الظروف مناسبة لاحتضان المواهب والإبداعات..
وهناك جانب آخر لا يجوز تجاهله وهو العلاقة بين الدين وبين الدولة والمجتمع, ويجب علينا الإقرار أن القرآن ليس كتاب بيولوجيا وفيزياء ورياضيات بل هو كتاب ديني أخلاقي, وليس من المعقول في هذا العصر أن نتداوى بالحجامة وبول البعير ونقول كبعض الفقهاء أن أقصى مدة للحمل سنتين و… لم يعد مقبولاً اليوم أن نردد ما قاله الغزالي”الاشتغال بالعلوم الطبيعية حرام” إنني أعتقد أنه عدم الاشتغال بها صار حراماً لأنه يعني التأخر.
يقول أبو العلاء المعري”المسلمين إما عقلاء لا دين لهم, أو متدينون لا عقل لهم” وهل يمكن تزويج الإثنين بدل تزاوج العساكر والحكام مع رجال الدين للمنفعة المشتركة للفريقين؟! يقول رجل الدين الأول في سوريا الشيخ محمد سعيد رمضان البوطي في تأبين باسل الأسد إبن الرئيس الراحل حافظ الأسد ـ قال على التلفزيون السوري”إني أراه من هنا في الجنة جنباً إلى جنب مع الصديقين والأنبياء”!! ـ النفاق لا يخلق أناساً مؤمنين ولا نافعين!
رياضة الذهن ليست بهز الرأس, وجزمات العساكر حتى في الجنة تحمل مظاهر العنف, والعنف لا يساعد على الإبداع.
التشوه في التعليم في بلادنا مرتبط بتشويه كل جميل, الدراسة عندنا تعني البصم, تعني أن تحشي الرأس رغم أن الهدف هو من الدراسة هو فتح هذا الرأس وتهويته.
ومن أمثلة “علماء” سوريا, أنجز الدكتور بهجت سليمان درجة دكتورا في هنغاريا ليعود يعمل في المخابرات ويصبح لواءً في تعذيب معارضي النظام حتى لو كانوا عمداء ورؤساء جامعة, بينما قدّم شخصٌ آخر رسالة دكتورا في بودابست قبل حوالي 30 عاماً في موضوعٍ عن تاريخ حزب البعث, وبعدها تمّ تعيينه في السلك الدبلوماسي.. أما الدكتور والذي كتب مشرفه البحث وحتى الدفاع كان مرتباً بشكل كوميدي فكان قد استضاف أستاذه مع زوجته في سوريا ولمدة أسبوعين متنقلين في سيارة مرسيدس سوداء حكومية وصار رئيس قسم ونائب عميد لجامعة سورية.. وهناك من أنجز دراسة فترة الجامعة (4,5 سنة) خلال 13 سنة بمنحة حكومية ـ حزبية, وآخرٌ أنهى دراسة المعهد العالي(4 سنوات) خلال تسع سنين, وبعثي أصلي يعمل على تحضير رسالة دكتورا منذ 13 سنة والفترة المعتادة 3 سنين ـ وهناك “علماء” لا يختلفون عن علماء ميكي ماوس ـ ويمكن القياس على ذلك.. هؤلاء “علماءنا” فكيف يكون الإبداع؟!.
من لا يملك الشجاعة على انتقاد الرئيس كيف يستطيع أن يتجرأ على الشكّ بنظرية علمية وإيجاد البديل عنها, ومن لا يخطئ لا يمكن مناقشته وحواره. العملية مرتبطة بتحرر مجتمعاتنا.
تمّ إجراء فحص لذكاء رجال الأمن السوري ـ بمن فيهم حملة الدكتورا ـ وأعطوهم أسئلة تطبيقية عملية من أشكال دائرية ومثلثية ومستطيلة وغيرها, على كل واحد أن يضع الشكل المناسب في مكانه المناسب(ثقوب وتجويفات مطابقة للأشكال), وكانت النتيجة 10 % ذكي جداً و 90 % قوي جداً..

وإذا كان يوجد أربعة أعداء للزراعة في أكثر البلدان العربية وهي الربيع, الصيف, الخريف والشتاء, فإن عدو التقدم العلمي والتقني في بلداننا واحد لا غير هو غياب الحرية..
يؤكّد البعض غالباً وبعد كل اكتشاف أننا عرفناه قبل الغرب الكافر ـ أحياناً يقومون باستنباط آيات قرآنية وشرحها بما يريح كسلنا ـ على اعتبار أننا السباقون, وقد تكون قلة تعرف أن التواليت( WC ) اخترعه العرب في القرن السادس عشر وبعدها قام مخترع إيرلندي بعمل ثقبٍ كبيرٍ فيه..!
يقولون أن الضوء أسرع شيء في العالم ـ هكذا يُظن ـ لكنه دائماً عند وصول الضوء إلى زاويةٍ ما يجد أنه قد سبقه الظلام!
وأخيراً اسمحوا لي أن أقدم طرفة قرأتها قبل فترة في دراسة عن “السلوك الاجتماعي” تعكس علاقة الفرد مع من هم فوق: يقوم شاب صعيدي ـ على البركة ـ متقدماً لوظيفة حاجب في إحدى الشركات, ويسأله المدير في محاولة لسبر معلوماته: كم يساوي أربعة في أربعة يا حسنين؟ ويرد حسنين ـ على أساس تراكمات في العقل الباطن ـ زيّ مانتا عاوز يا بيه!.

بودابست, 21 / 10 / 2008,