الرئيسية » مقالات » تضاد المكونات العراقية

تضاد المكونات العراقية

الحديث عن الأمة يتطلب وضع أسس وقواعد للتعامل بين مكوناتها لكي يكون هناك توازن بين جميع المكونات دون أن تستأثر قوى وتجمعات من تلك المكونات بثقل اكبر في عملية إعادة تشكيل مكونات الأمة التي كانت متواجدة على أرض الواقع .
وبلاد الرافدين نموذجا لهذا التشكيل النسيجي الجميل الذي تعايشت على أرضه عدة قوميات واديان وطوائف مختلفة منذ بدء الخليقة لحد الآن ، ولم يشكل التنوع الاثني والديني أو الطائفي أية عقبة أمام المواطنين العراقيين الذين كانوا ولا زالوا يشكلون مجموع تلك الأمة .
وكنتيجة حتمية لعملية التغيير السياسي الكبيرة التي حدثت على ارض الرافدين بسقوط اعتى دكتاتورية عرفها العصر الحديث في الشرق الأوسط يوم التاسع من نيسان 2003 فقد طافت على سطح المجتمع العراقي عدة إشكالات ومعوقات أبرزت العديد من الخفايا الدفينة التي كانت مترسبة في أعماق نفوس وعقول البعض ممن يفكر بالاستحواذ على السلطة والقوة والمال والهيمنة على حساب المكونات الأخرى . وابرز تلك الترسبات التي ظهرت على السطح محاولة البعض من القوى القومية السياسية الكردية إضعاف الحكومة الاتحادية على حساب فرض وبسط وتمدد سلطتها على أجزاء عديدة من المدن والمراكز العراقية باسم المكون القومي أو الإقليمي ، والتجاوز على ثروات العراقيين من نفط وغاز باسم الفيدرالية ، وضرب أوامر الحكومة الاتحادية عرض الحائط بشكل استفزازي وغريب من قبل محافظين ورؤساء دوائر لاقضية ونواح ، وهو خطأ سياسي فاحش وقعت فيه القوى القومية الكردية ، وهي حالة متشابهة لما حدث في ثورة أيلول العام 1961 زمن جمهورية 14 تموز 1958 والخلاف الغير مدروس بين قيادة الثورة الكردية بقيادة المرحوم الملا مصطفى بارزاني وقيادة ثورة 14 تموز بقيادة الشهيد الزعيم عبد الكريم قاسم والذي ساهم بقوة بإسقاط ثورة 14 تموز في يوم 8 شباط 1963 الأسود خاصة بعد تحالف قيادة الثورة الكردية مع القوى العروبية التي كانت ضمن الخط المناوئ لجمهورية 14 تموز في ذلك الوقت من بعثيين وقوميين ، وهي حقيقة يجب أن لا نخاف من التحدث بها في صوت عال ولكي لا تتكرر المآسي السابقة التي جاءت كنتيجة حتمية لسقوط التيار الوطني التقدمي وصعود التيار العروبي البعثي الذي أذاق العراقيين الآمرين .
وإعادة تشكيل امة مثل الأمة العراقية يجب أن يكون مجال بحث وتمحيص ونكران ذات وتقديم الوطني على المحلي ، والعام على الخاص . فقد حاولت القوى التي هيمنت عن طريق المحاصصة القومية والطائفية التهام الكعكعة العراقية عن طريق ( التوافق السياسي ) وليس عن الطريق الديمقراطي الصحيح ومن خلال إفساح المجال لقوى الديمقراطية من مثقفين وأكاديميين وعلماء عراقيين للمشاركة في العملية السياسية الدائرة في الوطن العراقي بواسطة تطبيق مبدأ بريمر في المحاصصة السياسية وغمط حق المكونات الأخرى وخاصة المكونات العراقية التاريخية القليلة العدد . حيث ساهمت قوى أساسية داخل العملية السياسية الحالية في محاولة شق صفوف تلك المكونات الصغيرة وسحب البعض منها نحوها لكسبها كأصوات انتخابية ، وهو ما حصل فعلا للعديد من المكونات الأصلية للشعب العراقي ومن قبل معظم المكونات السياسية الكبيرة ( عرب وكرد وسنة وشيعة ) واكبر دليل على ذلك ما حصل من غمط لحقوق الأكراد الفيلية الذين ذهبت أصواتهم هباء اثر مغريات انتخابية من قبل طرفين سياسيين رئيسيين ( كرد وشيعة ) .
وما حصل من تجاوز متعمد بإسقاط المادة 50 من قانون انتخابات المحافظات يدل دلالة واضحة على وجود نيات مسبقة للهيمنة على كل مراكز القرار أن كان ضمن الحكومة الاتحادية أو داخل مجالس المحافظات التي جرت سابقا انتخاباتها الصورية الشبه مزورة وأفرزت في جميع المحافظات العراقية قوى حزبية تابعة لهذا الطرف السياسي أو ذاك وكانت نتيجة تلك المجالس ما رأينا ما يعاني منه المواطنون العراقيون من انعدام الخدمات الصحية والبلدية والاجتماعية بسبب وجود مليارات الدولارات بأيد غير امينه وغير كفوءة علميا وإداريا .
ولا ندري لماذا تفكر بعض القوى السياسية الحديثة العهد بالعمل السياسي بان حقوق المواطنين يجب أن تكون عبارة عن ( هبة ) من أولي الأمر لـ ( الرعية ) مثلهم مثل أي عهد دكتاتوري سابق ، وهو ما حصل من اعتصامات وتظاهرات شعبية لإلغاء تلك المادة من القانون أو إبطال تلك ، وهي قمة المأساة بالنسبة لشعب شعر لفترة قصيرة جدا بانسام الحرية بعيد سقوط الفاشية بوقت قصير جدا ثم تتالت المآسي والأحداث من إرهابية وتسلطية وغيرها .
بهذا يتوجب أن يتم إفساح المجال للتيار الديمقراطي من كتاب ومثقفين وعلماء وأكاديميين بان يلعبوا دورهم الحقيقي في العراق الجديد ، وان تحل المنافسات في العمل من اجل الجماهير لا ان يسود مبدأ التضاد بين المكونات العراقية والذي سبب الفشل الذي نراه طافيا على السطح السياسي العراقي منتظرين أن يعي الجميع إن للمواطنين العراقيين حقوقهم المكتسبة من خلال المواطنة الحقة ، وليست من خلال المطالبات أو رفع الشعارات وطرح الأمنيات ، أو الحديث عن الهبات .

آخر المطاف : قد يتقبل الكثيرون النصح ، لكن الحكماء فقط هم الذين يستفيدون منه .

بابليليوس سيرس

* شروكي من بقايا القرامطة وحفدة الزنج
www.alsaymar.org