الرئيسية » مقالات » کتاب العهر الاهوج

کتاب العهر الاهوج

ليست الکتابة مهنة للإرتزاق و العمالة و الصعود على رقاب و أجساد الآخرين کما کان الحال في الحقبة البعثية السوداء من تأريخ العراق، وإنما هي قبل ذلك قضية مبدأ و مکاشفة و إيصال الحقيقة کما هي الى الجماهير من دون رتوش أو عمليات”تلطيش”و”کسر”و”تجبير”کما کان الحال في زمن الدکتاتور المقبور صدام حسين. ولم يکن هناك من کاتب أو صحفي يجرأ على کتابة ولو سطر واحد يخالف ما تنص عليه القوانين البعثية الصارمة وهو أمر عانى منه الامرين کل الکتاب العراقيين على إختلاف قومياتهم و مشاربهم و نزعاتهم الفکرية. لقد کانت الکلمة الحرة و الکاتب الحر النزيه من ألد أعداء النظام البعثي الذي قاد العراق و المنطقة الى العديد من الکوارث و المصائب المتتالية، کما کان هذا النظام متمرسا في فن کبت الحريات و ملاحقة و مصادرة الافکار و الآراء و قتل أصحابها بدم بارد. وعند سقوط هذا النظام بکل مبادئه و قيمه و أفکاره و رجاله و عملائه و مرتزقته، إنفتحت الابواب على مصاريعها أمام کل کاتب حر نزيه يرتجي الخير لشعبه و يسعى إليه بکل الوسائل”الشريفة”و”المتاحة”، وقد کان أهم شئ وضعه العديد من الکتاب و الصحفيين الاحرار الذين کانوا مکبلين أيام العهر البعثي، أمام أنظارهم هو اسلوب النقد الجرئ و إيصال المعلومة”طرية”و”صادقة” بل وحتى عارية من کل رتوش الى الجماهير. لقد کنت و لازلت أترصد الحالات السلبية في التجربة السياسية الجديدة في عراق مابعد الصنم المقبور مثلما کنت أتتبع أية حالة إيجابية و أسلط عليها الاضواء وقد أوليت أهمية خاصة لإقليم کوردستان العراق و کتبت العديد من التقارير و التحقيقات الصحفية المختلفة بخصوص حالات سلبية عديدة موجودة داخل المنطقة الکوردية، ولم أبغ من وراء ذلك الانتقاص من التجربة الکوردية بقدر ماأبتغيت لفت إنتباه القارئ العربي الى الوضع کما هو في الاقليم منوها عن حقيقة هامة وهي أن فترة”کتم”و”إخفاء”المعلومة عن المواطن قد ولت الى غير رجعة وأن مساحة الحرية المتاحة في العراق بشکل عام و إقليم کوردستان بشکل خاص هي أکبر بکثير من کل تلك التي تتاح في معظم البلدان العربية مجتمعة مع فائض کبير جدا للتصدير! ويشهد الله أنني لم أتلق أي تهديد أو ترهيب أو ماشابه رغم کل الذي کتبته بل وعلى العکس من ذلك تلقيت أکثر من مرة دعوات کريمة من مسؤولين في الاقليم لزيارة کوردستان وقد کان آخرها تلك الدعوة التي وجهت إلي من قبل مؤسسة کولان الصحفية بشخص الزميل”فؤاد صديق” رئيس تحرير مجلة کولان وحتى أن العديد من المسؤولين أبدوا إعجابهم و إحترامهم لکتاباتي برغم طابعها النقدي غير المألوف وحتى إنني قمت بإجراء مقابلات صحفية مع شخصيات ينظر إليها داخل الاقليم الکوردي بأنها لاتحمل إنطباعا إيجابيا عن التجربة الکوردية بشکل خاص و نشرت تلك المقابلات باللغة الکوردية ومن تلك الشخصيات على سبيل المثال لا الحصر الدکتور فيصل القاسم و السيد عبدالباري عطوان وحتى إنني إشترطت على المطبوعات التي نشرت تلك اللقاءات عدم حذف أو تحريف أية کلمة. والحق، أنا کنت أعني کل کلمة و سطر کتبته بخصوص الملف العراقي على إخلاف إتجاهاته ولست أتراجع عن شئ من ذلك إطلاقا، لکنني أتعجب کل العجب عندما تنبري من سمت نفسها”باحثة کوردية” وهي بالاحرى”بحاثة بعثية” وتتلقف مقالاتي و تحقيقاتي بطريقة”لاتقربوا الصلاة” وتدرجها فيما سمته(الکتاب الکردي الاسود)الذي قامت أيضا بتوليف کتابات العديد من الکتاب الکورد الآخرين سيما کتابات أستاذي و زميلي الکاتب و الصحفي الکوردي المعروف”أحمد رجب” وقامت بإستخدامه لغايات و مرام خبيثة يتقطر منها اللؤم البعثي، متناسية تلك”البحاثة”أن کتاباتي ان کانت تعني شيئا فهي تعني مساحة الحرية الواسعة المکفلة في العراق الجديد والتي کانت غير مکفولة إطلاقا في عهد عراق السجون و الاعدامات على مجرد الشبهة، بل وحتى إنني عندما کتبت عن الفساد في الاقليم فقد تحدثت مع أرفع المسؤولين ولم ينکروا أن هناك فسادا لکنهم إختلفوا معي في الحيز الذي أحدده کما إنني عندما کتبت تحقيقا عن التعذيب في سجون کوردستان فقد تحدثت مع شخص مدير أمن السليمانية و مع معتقلين سابقين و أقارب معتقلين کانوا مايزالوا رهن الاعتقال ولم تثر ثائرة العميد حسن نوري مدير أمن السليمانية عندما واجهته بأن هناك حالات تعذيب داخل سجون الآسايش وإنما حاول تهدئة خاطري و مناقشتي باسلوب حضاري يليق بهذا العصر و أتحدى کل أقزام و عملاء و أيتام نظام العهر البعثي المقبور بأن کان يتجرأ أي صحفي على مجرد الحديث عن التعذيب داخل مديريات الامن البعثية التي کانت عبارة عن أوکار و دهاليز تجرى فيها أبشع عمليات التعذيب طوال ليس تأريخ العراق القديم و الحديث و المعاصر فحسب وإنما حتى على الصعيد العالمي، فکيف الحال إذا کنت تبغي التحدث مع المقبور برزان التکريتي أو وطبان ابراهيم أو حتى فاضل البراك؟!
لقد قمت بإنتقاد العديد من الحالات و نشرت کل ذلك باللغة العربية إيمانا مني بأن عصر ثورة المعلومات تعني نقل المعلومة و الخبر بکل صدق و جلاء الى القارئ وقد کنت أول من إمتلك معلومات عن عمليات معالجة أطفال عراقيين تجري داخل إسرائيل وکشفت ذلك من دون أن أهتم لتحذيرات البعض من الزملاء بإستغلال الموضوع من قبل”جهات متربصة”بالعراق فقد کنت ولازلت أبتغي أن أثبت للعالم کله أن التجربة السياسية الکوردية بوجه خاص هي غير کل التجارب السياسية في المنطقة برمتها ماعدا إسرائيل وأن الديمقراطية المتاحة هناك هي فضفاضة بالصورة التي تسمح للکاتب بالتعبير عن آرائه من دون أن يخاف من أي قمع أو کبت أو إستبداد، بيد أن الغريب عندما تشمر تلك “البحاثة”عن ساعديها لتقوم بفضح السلطة الکوردية من خلال کتابات کتاب کورد أحرار يختلفون أشد الاختلاف عن کتاب التصفيق و التهليل لقادة الجرائم المنظمة ضد الانسانية من أولئك الذين کان الکثير منهم يستلمون رواتبهم و مکافئاتهم من دوائر الاجهزة الامنية الخاصة. وإذا ماکانت تلك”النشمية البعثية”التي أثلجت قلب سيدتها أبنة دکتاتور العراق بکتابها المشار إليه آنفا فإن الموضوع برمته کان عبارة عن عملية فبرکة و فذلکة بعثية خبيثة يراد بها أکثر من باطل وإننا صورنا للعالم کله الديمقراطية الحقة المتاحة في کوردستاننا، إلا أننا لو أبتغينا حقا نشر کتاب أسود بذلك المعنى الذي أبتغته تلك”البحاثة البعثية”، فإن النبش في الماضي الداکن للنظام الصدامي الارعن کفيل بکشف ما يشيب له رأس الرضيع، على أنني لاأحبذ تسمية مثل هذا الکتاب فيما لو قمت بإعداده بنفسي بالکتاب البعثي الاسود، ذلك أن کلمة البعثي قد صارت في الحضيض و لايشرفني إستخدام مثل هذه الکلمة التافهة الحقيرة بمعناها العفلقي کعنوان لکتاب وإنما کنت سأسميه”کتاب العهر الاهوج”!!