الرئيسية » مقالات » رسالة مفتوحة إلى السيد رئيس مجلس الوزراء في العراق حول اغتيال الشهيد كامل شياع!

رسالة مفتوحة إلى السيد رئيس مجلس الوزراء في العراق حول اغتيال الشهيد كامل شياع!

منذ شهرين سقط شهيد آخر للثقافة العراقية هو السيد كامل عبد الله شياع. وكان هذا المواطن الشهيد الذي اغتيل على أيدي مسلحين مجهولين وعلى الساعة الثالثة من بعد ظهر يوم 23/8/2008 في وسط بغداد , كما جاء في التقارير الصحفية المنشورة , مستشاراً لوزارة الثقافة العراقية في ثلاث حكومات متتالية , منها حكومتكم الراهنة قبل اغتياله , وأحد أبرز مثقفات ومثقفي العراق وصاحب مشروع ثقافي وطني وديمقراطي عراقي أصيل. وهذا يعني أن المواطن المغدور كان موظفاً كبيراً في جهاز الحكومة التي تترأسونها منذ ما يقرب من سنتين.
وقد أثار مقتل الأستاذ كامل شياع الاحتجاج والاستنكار والإدانة الواسعة في صفو الشعب العراقي في الداخل والخارج وبين المثقفات والمثقفين العرب والأجانب ممن عرفوه وعملوا معه وتعرفوا على ثقافته وقيمه الإنسانية وخلقه الرفيع وطموحاته المشروع في نهوض عراق ديمقراطي فيدرالي موحد ومزدهر. لقد كان كامل شياع واسع الأفق والثقافة , رحب الفكر , يساري المنهج , مستقل التفكير , مفتوح على جميع الأفكار والثقافات لا يطيق القيود الحزبية والسياسية أو العمل التقليدي.
وكان المثقفون والمثقفات على قناعة مبدئية في أن رئيس الوزراء العراقي , باعتباره مسؤولاً مباشراً عن الموقع الذي عمل فيه الأستاذ كامل شياع , سيبادر كحالة طبيعية واعتيادية , إلى تشكيل لجنة خاصة , تماماً كما حصل بشأن قضية الشهيد صالح العقيلي من التيار الصدري , أو مع شهداء قناة الشرقية الإعلاميين , للتحقيق بأمر اغتيال شهيد الثقافة ووزارة الثقافة العراقية السيد كامل شياع. ولكن لم يحصل ذلك حتى بعد مرور شهرين على اغتياله ولم يصدر أي شيء يشير إلى ذلك من قريب أو بعيد ! وكان هذا الموقف موضع استغراب الجميع وقلقهم في آن , فالتمييز في التعامل مع المواطنات والمواطنين أخذ طريقه في الممارسة العملية حتى مع الأموات , مع شهداء الشعب العراقي الذين سقطوا على أيدي قوى الإرهاب والمليشيات المسلحة.
إن هذا الموقف يثير احتجاج الإنسان الواعي ويدفع به إلى التفكير في الأسباب الفكرية والسياسية التي وقفت ولا تزال تقف حائلاً بين السيد رئيس الوزراء وبين الشهيد كامل شياع حتى بعد استشهاد الأخير , في حين كان رئيس الوزراء مستعداً لاتخاذ خطوة التحقيق السريع عند استشهاد شخص من معسكره الفكري والسياسي , من التيار الصدري في حين لا شيء يحصل حين استشهدت شخصية ثقافية ديمقراطية يسارية مثل كامل شياع. إن هذا التعامل يثير غضب واستياء الناس الطيبين في العراق.
ليس هناك من وقف ضد تشكيل لجنة تحقيقية خاصة للكشف عن قوى الإرهاب التي اغتالت النائب صالح العقيلي , بل حيا الجميع هذا الإجراء السليم , ولكن سيطر الاستغراب والدهشة والاستنكار على الجميع حين لم يتخذ نفس الإجراء بشأن استشهاد مستشار وزارة الثقافة السيد كامل شياع.
لا يمكن أن أجد أي مبرر لكم في اتخاذ موقفين متباينين إزاء جريمة واحدة وبحق مواطنين عراقيين , بل أجد نفسي كمواطن عراقي مجبراً على القول بأن هذا الموقف لا يتناسب أبداً مع مسؤولية رئيس وزراء كان ولا يزال يتحدث عن المساواة بين المواطنين , أجد نفسي مضطراً أن أرفع صوت الاحتجاج عالياً ضد هذا الموقف , وأطالبكم بصوت مرتفع بتشكيل لجنة تحقيق خاصة تعمل بسرعة للكشف عن المجرمين القتلة الذين اغتالوا السيد كامل شياع , مستشار وزارة الثقافة العراقية وتقديمهم إلى المحاكمة وإعلان نتائج التحقيق على الملأ.
من الضروري أن أشير , وأنتم أدرى بذلك , إلى أن جرائم اغتيال كثيرة ارتكبت في العراق وشكلت لهذا الغرض لجان تحقيق ولكن “لا خبر جاء ولا وحي نزل” صدر للملأ بشأن أعمال هذه اللجان والنتائج التي انتهت إليها , في ما عدا ما حصل بشأن عدد محدود من القضايا ومنها قضية الشهيد العقيلي وشهداء قناة الشرقية.
في نهاية العام الماضي 2007 قتل من عائلتي ثلاثة أحبة , ابن أختي (السيد أحمد جواد الهاشمي) , وزوجته (نسرين وهاب الصافي) وابنته (زينب) ذات الخمسة عشر ربيعاًٍ , ذبحوا في بيتهم في بغداد من الوريد إلى الوريد وفي منطقة تسيطر عليها ميليشيات جيش المهدي , ومن قبل عناصر ترتدي ملابس الشرطة العراقية وتقود سيارة شرطة عراقية وتستخدم أسلحة الشرطة العراقية. وجهت رسالة إلى السيد وزير الداخلية جواد بولاني طالباً التحقيق في الموضوع , ولكن حتى هذه الرسالة لم تلق في وزارة الداخلية من يأخذ على عاتقه الإجابة عليها. وحين تحدثت مع مسؤولين كبار في وزارة الداخلية حين كنت في بغداد في ربيع هذا العام (2008) قيل لي إنها بالتأكيد حولت من موظف إلى آخر واختفت في أحد الأدراج لتغفوا مع مثيلاتها من الطلبات التي يتقدم بها بنات وأبناء الخايبات من غير الأحزاب الإسلامية السياسية , أو أن أحداً متسللاً في أجهزة وزارة الداخلية من ذات العصابة التي غدرت بعائلتي في بغداد قد أخفاها ليمنع التحقيق بالجريمة.
أعرف أن الجرائم التي ترتكب في بغداد كبيرة , وأعرف أن ليس سهلاً الكشف عن كل الجرائم التي ترتكب في العراق , ولكن من غير المعقول أيضاً :
** أن يكون هناك تعاملاً غير متساوٍ وقائم على التمييز إزاء الشهداء أيضا حتى من قبل رئيس الوزراء , كما حصل في جريمتين ارتكبتا في فترة زمنية متقاربة , جريمة ضد صالح العقيلي وقبلها جريمة ضد كامل شياع؛
** عدم نشر المعلومات عن التحقيقات الجارية ليعرف الناس نتائج التحقيق , إذ أن الشهداء هم بشر وليسوا أشياء لا غير , ولهم عائلاتهم الذين ينتظرون معرفة نتائج التحقيق؛
** ثم لا يعلن عما حصل للمتهمين أو القتلة المجرمين الذين اعتقلوا بشأن البعض من تلك الجرائم.
** وأن وزارة الداخلية , بمن فيهم وزير الداخلية ومكتبه , يهملان رسالة ترد من مواطن عراقي , أياً كان موقعه في المجتمع يستفسر فيها عن جريمة بشعة ارتكبت ضد عائلته مثلاً.
إن حركة واسعة بدأت في أوساط المثقفات والمثقفين العراقيين في الداخل والخارج , حركة ترفض السكوت عن هذه الجرائم التي ترتكب في العراق وعن التمييز الذي تمارسه وزارة الداخلية وأجهزة الأمن الداخلي في التحقيق والكشف عن الجرائم المرتكبة بحق الناس.
وكمواطن عراقي أطالبكم بالتعامل المتساوي مع المواطنين ومع شهداء الشعب العراقي ومع التحقيق لاكتشاف قوى وأسباب الجريمة البشعة وإنزال العقاب بهم عبر المحاكم العراقية. أطالبكم بالإجابة على رسالتي هذه وبصورة مفتوحة أيضاً رغم مشاغلكم الكثيرة!
مع التحية والتقدير.
كاظم حبيب
برلين في 121/10/2008