الرئيسية » مقالات » لماذا ساءت العلاقات الإسلامية – المسيحية ؟

لماذا ساءت العلاقات الإسلامية – المسيحية ؟

لسنا في هذا المقال، بصدد البحث عن اجابة عن السؤال “هل العلاقات الاسلامية – المسيحية سيئة او جيدة”. ولكن عن السؤال الآتي: “لماذا هي سيئة؟ وما العمل لاصلاحها؟”.
في محاولة للاجابة انتقل من الخارج البعيد، الى الخارج القريب، فالى الداخل اللبناني. والابعاد الثلاثة ليست متقاربة فقط، لكنها متداخلة. ويزيد من تداخلها العولمة التي نعيشها في كل تفصيل من تفاصيل حياتنا الخاصة والعامة.
اولا في الخارج البعيد: اشير هنا الى امرين اساسيين:
الامر الاول هو اتساع ظاهرة التدين في العالم. تعكس هذه الظاهرة الارقام الآتية: في عام 1900 كانت نسبة المؤمنين (بالمسيحية واليهودية والاسلام والبوذية والهندوسية) تعادل 67 في المئة من الناس. وفي عام 2005 ارتفعت النسبة الى 73 في المئة. ومن المتوقع ان تواصل ارتفاعها لتصل في عام 2050 الى 80 في المئة.
تترافق هذه الظاهرة مع ظاهرة التعصب. وبقدر ما تكون ظاهرة التدين بناءة، تكون الثانية هدامة. تبرز هذه الحقيقة من خلال اتساع مساحة التشابك بين الدين والسياسة، من الهندوسية في الهند، الى البوذية في تايلند، الى اليهودية في اسرائيل، الى الانجيلية في اميركا، والى الاسلام في الشرق الاوسط.
الامر الثاني هو انتشار المسيحية في دول العالم الثالث، وخاصة في آسيا وافريقيا: في عام 1900 كان 80 في المئة من المسيحيين في اوروبا واميركا الشمالية.
اما الان فان ثلثي المسيحيين في العالم الثالث، حيث يستوطن الاسلام. هذا يعني انه لم تعد المسيحية دين الرجل الابيض، او دين الغني او دين المستعمر.
ويرى د. اندرو والز من جامعة ادنبرة: ان الاحداث المكونة للمسيحية في القرن 21 تجري في آسيا وافريقيا وان المجتمع الاوروبي هو مجتمع ما بعد المسيحية POST CHRITIANITY. ثم ان الاسلام الذي كان غريبا عن اوروبا واميركا، اصبح حاضرا فيها، بل جزءا من همها اليومي، واضاف بثقافته لونا جديدا لم يألفه الكثيرون ولم يتآلفوا معه.
هذا الامران وضعا الاسلام والمسيحية في حالة تماس دائم. فاما تعايش واما تصادم. ففي نيجيريا مثلا، قد تتجاوز قبيلتان واحدة مسيحية والثانية اسلامية، فاذا اختلفتا على رعي الماشية او على ري الحقول الزراعية، يتحول اختلافهما الى تصارع ديني قبلي، ومنه الى صراع وطني، فدولي. من هنا اهمية التربية على احترام الاختلاف الديني وعلى ثقافة عدم احتكار الحقيقة.
في الخارج القريب
في شهر ايار من عام 2007 نظم المونسنيور فيليب بريزار PHILIPPE BRIZARD رئيس مؤسسة الشرق المفتوح OEUVRE D,ORIENT الخيرية، لقاء خاصا في باريس حضره سبعة من بطاركة الشرق تحدثوا الى مجموعة من رجال السياسة كان من بينهم الرئيس الفرنسي السابق جاك شيراك حول التحديات والمصاعب التي يواجهها مسيحيو الشرق. نحن لا نملك وقائع هذا اللقاء، ولكن لا شك في انه لو ان القيادات السياسية العربية، ولو ان المراجع الدينية الاسلامية ابدت اهتماما عمليا بالمتاعب وبالمصاعب التي يواجهها المسيحيون العرب والشرقيون وخصوصا تلك المترتبة عن عدم احترام حق المواطنة في المساواة في الحقوق والمسؤوليات، لما كان للقاء باريس من جدوى او ما كان له في الاساس من ضرورة.
مع ذلك لا بد من التوقف امام الوجه الاخر لهذا اللقاء، في ضوء احتمالات التساؤل: كيف ينظر المسلمون في الشرق اليه؟ وكيف يمكن ان يتعاملوا معه في ضوء المخاوف التاريخية من مخاطر التدخلات الخارجية تحت غطاء حماية المسيحيين المشرقيين (المسألة الشرقية)؟ وكذلك في ضوء تصاعد ظاهرة الاسلاموفوبيا في المجتمعات الغربية وانعكاساتها في المجتمعات الشرقية؟
كتبت السيدة دومينيك كوينيو DOMINIQUE QUINIO رئيسة تحرير جريدة “الصليب” الفرنسية LA CROIX مقالا قالت فيه: “كانت الكنيسة تقلل من الصعوبات التي يواجهها المسيحيون في الشرق الاوسط. وكانت تعزو موقفها هذا الى التضامن مع الفلسطينيين/ وكذلك الى الاعتقاد بأن اللجوء الى الصمت من شأنه ان يحافظ على المسيحيين. اما الان ومع التشدد الاسلامي وصعود حماس، اتخذ الفاتيكان موقفا اكثر شدة. فالفاتيكان يبدو وكأنه بدأ الضغط على الدول الغربية في الجبهة الديبلوماسية من اجل تسهيل منح التأشيرات VISAS ومن اجل معالجة اوضاع اللاجئين المسيحيين الذين يتطلعون لمغادرة العراق ومناطق اخرى”. ورغم ان هذا الموقف صادر عن جهة اعلامية وليس عن مرجعية دينية او سياسية، فلا بد من التساؤل هل بتشجيع الهجرة والاستيعاب تعالج قضية الوجود المسيحي، ام ان المعالجة تكون بتشجيع الصمود والتجذر في الارض المشرقية التي انبثقت منها المسيحية وانتشرت في اصقاع الدنيا؟
ان معالجة نتائج الهجرة المسيحية شيء، ومعالجة اسبابها شيء آخر، ان اغفال الاسباب وكأنها لم تكن او كأنها غير قابلة للعلاج، والاهتمام بالنتائج على قاعدة المشاعر الانسانية او الدينية يؤدي الى التشجيع على الهجرة والى تضخمها وتاليا الى تعميق الجراح الاجتماعية والطائفية بدلا من تضميدها. لا يعني ذلك عدم الاهتمام بالمهاجرين الذين يهربون بأرواحهم وايمانهم، ولكنه يعني عدم تحويل الهجرة القسرية الى هجرة اختيارية، وعدم تحويلها من هجرة موقتة الى هجرة دائمة واستيطانية. هناك تراجع في العلاقات الاسلامية – المسيحية. ان اقل ما يمكن ان يُقال عن واقع هذه العلاقات هو انها كانت حتى الماضي القريب افضل مما هي عليه الآن. يدل على ذلك ارتفاع معدلات الهجرة المسيحية من الدول العربية وربطها بارتفاع حدة الاصولية المتطرفة، حتى اضطر مجمع الاساقفة في اوروبا الى نفض الغبار عن مبدأ التبادلية او المعاملة بالمثل الذي كان المجمع نادى به ليكون اساساً للتعامل مع المسلمين المهاجرين الى الدول الاوروبية. وقد أعيد طرح هذا المبدأ خلال الزيارة التي قام بها منذ ايام البابا بنديكتوس السادس عشر الى باريس.
ومما زاد الطين بلة المجازر الدموية المذهبية في العراق ومشاعر الحذر والشك واللاثقة التي بدأت تتسلل الى المجتمعات الاسلامية المختلطة في العديد من الدول العربية والاسلامية، حتى اصبحت هذه المشاعر تشكل خطراً حقيقياً على وحدة هذه المجتمعات وتالياً على سلامة واستقرار العديد من دول العالم الاسلامي. وهو خطر يصيب الحضور والدور المسيحيين ايضاً. وما حدث ويحدث في العراق من مآس استهدفت المسيحيين في كنائسهم وفي قياداتهم الدينية دليل على ذلك.
كذلك فإن ارتفاع وتيرة التطرف الديني، واتساع مساحات التوظيف السياسي للدين، والتوظيف الديني للسياسة، وان كانت مظاهرها السلبية بيّنة في العديد من المجتمعات المختلفة في العالم، الا ان مؤشراتها في مجتمعاتنا العربية تبعث على القلق الشديد.
هناك علاقة سببية مباشرة بين الظواهر السلبية الثلاث: الاصولية والهجرة المسيحية والاسلاموفوبيا:
ان الاصولية هي سبب من اسباب الهجرة المسيحية من الشرق. فمع الخلل في اسس المواطنة، تأتي الاصولية بما هي خروج عن اصول الشريعة والفقه الاسلاميين، وبما هي تطرف وغلوّ وتزمّت واحتكار للحق وللحقيقة، لتضيف عاملاً اساسياً الى العوامل السياسية والاقتصادية المسببة للهجرة التي تعاني من آثارها الخطيرة مجتمعاتنا الوطنية.
وهذه الهجرة هي في حد ذاتها سبب من اسباب الاسلاموفوبيا في الغرب. فهي تحمل رسالة الى الغرب بأنه لا يمكن التعايش مع الاسلام. وان الاسلام يرفض الآخر. ولذلك فإن رد الفعل الغربي يتجلبب بالمنطق الذي يقول: اذا كان الاسلامي يرفض الآخر، فكيف يقبل بنا؟ ولماذا نقبل به؟
من الواضح ان الهجرة المسيحية من الشرق لا يقتصر ضررها على تفكيك نسيج المجتمعات الوطنية وعلى هدر كفاءات ثقافية وعلمية واقتصادية كبيرة، ولكنها تؤذي الحضور الاسلامي في الغرب وتنعكس سلباً على العلاقات الاسلامية – المسيحية في المجتمعات الغربية: اوروبا – اميركا الشمالية – استراليا تحديداً، وهو الامر الذي يعزز مشاعر رفض الاسلام والتمييز ضد المسلمين.
ان الاسلاموفوبيا بمعنى كراهية الاسلام، عن جهل به، تطلق ردات فعل في الدول الاسلامية يكون المسيحيون المشرقيون ضحاياها. وذلك لخطأ عدم التمييز بين الغرب والمسيحية. ونتيجة لذلك تؤدي ردات الفعل هذه الى مزيد من الاصولية، ليس في الشرق فقط انما في الغرب ايضاً. ومن شأن ذلك توجيه ضربات اضافية الى العلاقات الاسلامية – المسيحية في الشرق وفي الغرب على حد سواء.
من هنا لا يمكن، او لعله لم يعد ممكناً معالجة اي ظاهرة من هذه الظواهر الثلاث بالمفرّق، ان كلاً منها مسبب للآخر ومكمّل له. ان وقف نزيف الهجرة المسيحية – وهو هدف اسلامي مسيحي مشترك – لا يتحقق من دون ان تتراجع الاصولية المتطرفة – علماً بأن الاصولية ليست السبب الوحيد للهجرة – والتراجع هنا مرتبط بتراجع الاسلاموفوبيا – علماً ايضاً بأن الهجرة المسيحية ليست السبب المباشر ولا الوحيد للاسلاموفوبيا.
هذا الترابط على وهنه، يُلقي على المسيحيين وعلى المسلمين العرب والشرقيين مسؤولية استثنائية لتعزيز العلاقات الاسلامية – المسيحية. فالمسيحيون مؤهلون لان ينقلوا الى العالم صورة بناءة عن تعايشهم مع ا لمسلمين، ولكنهم لا يستطيعون ان يفعلوا ذلك اذا لم تكن اوضاعهم في مجتمعاتهم الوطنية اوضاعاً سليمة وبناءة. وهي لا تكون كذلك من دون ان ينعموا بحقوق المواطنة كاملة.
والمسلمون مؤهلون لمساعدة مواطنيهم المسيحيين في اداء هذا الدور، ولكنهم لا يستطيعون ان يفعلوا ذلك اذا لم تكن اوضاعهم في مجتمعاتهم الوطنية اوضاعا سليمة وبناءة ايضا. وهي لا تكون كذلك من دون كبح جماح التطرف والغلو واستئصال ثقافة رفض الآخر وتعزيز ثقافة احترام الحريات الخاصة والعامة بما يحقق المواطنة الكاملة في الحقوق والواجبات.
ان الصراعات بين الناس عندما تدور حول المصالح فانها تكون قابلة للتسوية بما تتطلبه التسوية من تنازلات متبادلة. ولكن عندما تدور حول العقيدة، فان التسوية هنا تصبح على حساب المبادئ الايمانية، حيث يبدو اي تنازل وكأنه تنازل عن ثوابت هذه العقيدة، وهو امر لا يملك قراره احد. ولا يجرؤ على تحمل نتائجه احد. من هنا خطورة توظيف الدين في السياسة وتوظيف السياسة في الدين. وهما من الاعمال التي تؤدي الى سد الابواب في و جه التسويات التي تفترض طبيعتها ان تكون منفتحة على المفاهيم والاجتهادات المختلفة وعلى ضرورة احتوائها ومعالجتها بالحسنى، بل بالتي هي احسن.
من هنا فان اطول الصراعات واعقدها التي عرفتها الانسانية في تاريخها هي الصراعات المجلبة بالجلباب الديني او العقائدي، ثم انها كانت اشرسها، فالتوظيف الديني للصراع كان ولا يزال يشكل القوة المحركة لظاهرة الاستشراس من جهة، ولما يتسم به المرتبطون بهذه الظاهرة من استعداد للتضحية بالنفس وللتفاني بالغالي والثمين من جهة ثانية. وهذه مشاعر انسانية تقوم على اساس الاعتقاد بأن التضحية واجب مقدس للمحافظة على حق الله والدفاع عنه.
ان مجتمعاتنا العربية تشكو من قلة في الديموقراطية ومن تخمة في التطرف والغلو وما تعجز اللاديموقراطية عن معالجته في مجتمعات التنوع الديني والمذهبي والعنصري يساهم التعصب في اذكاء ناره. ان حقوق المواطنة – بما فيها من حريات دينية تتعرض للانتهاك بغياب الديموقراطية، ولكنها بحضور التطرف والتعصب والغلو يذهب الانتهاك الى حد الالغاء.
الداخل اللبناني
في عام 1856 بعث الدبلوماسي الفرنسي بلانش – وكان قنصلا لبلاده في بيروت – بتقرير الى وزارة الخارجية الفرنسية قال فيه: “الحقيقة الكبرى والابرز التي تحضر اثناء دراسة هذه البلدان هي المكانة التي يحتلها الفكر الديني في اذهان الناس، والسلطة العليا التي يشكلها في حياتهم. فالدين يظهر حيث كان، وهو بارز في المجتمع الشرقي، في الاخلاق وفي اللغة والادب وفي المؤسسات… وترى اثره في كل الابواب… الشرقي لا ينتمي الى وطن حيث ولد، الشرقي ليس له وطن، والفكرة المعبرة عن هذه الكلمة، اي عن كلمة وطن، او بالاحرى عن الشعور الذي توقظه، غير موجودة في ذهنه، فالشرقي متعلق بدينه كتعلقنا نحن بوطننا.
وامة الرجل الشرقي هي مجموعة الافراد الذين يعتنقون المذهب الذي يعتنقه هو، والذين يمارسون الشعائر ذاتها، وكل شخص آخر بالنسبة له هو غريب…”.
بين 1856 و2008 لا يبدو ان شيئا اساسيا في هذه البنية الاجتماعية قد تغير. ولو يعود بلانش الى الحياة اليوم لما غير في تقريره فكرة واحدة. سيرى ان ملابسنا وبيوتنا وشوارعنا قد تغيرت الا ان نفوسنا بقيت كما عرفها وكما وصفها قبل 152 عاما.
لا يفتقر لبنان الى حسن النيات لمعالجة هذا الوضع غير السليم. ولكن النيات لا تزرع ولا تثمر. الذي يزرع ويثمر هو العمل. ومنذ الدستور اللبناني الاول، ومنذ البيان الوزاري الاستقلالي الاول ونحن نقول بأفواهنا ما ليس في قلوبنا عن التخلي عن الطائفية ومساوئها.
اخيرا، سأختم بآية قرآنية كريمة. تقول: “ان الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم”. 
 – لبنان