الرئيسية » مقالات » لماذا تستطيع أن تنعته بالطاغية .؟

لماذا تستطيع أن تنعته بالطاغية .؟

شكلت العلاقة بين المواطن والدولة بكل أشكالها ، منذ زمن طويل المعضلة الأساس التي اختلف حولها كبار المفكرين والسياسيين ، ويبقى السؤال الهام و المطروح على الدوام والذي نال إجابات متعددة ومتناقضة في كثير من الأحيان :
أيهما أكثر أهمية ولأيهما الأسبقية والأحقية في الموضوعين الأساسيين المتمثلين في حرية المواطن وسيادة الدولة ؟
ويبدو للوهلة الأولى أن هناك تناقض أساسي بين سيادة الدولة وحرية المواطنين نظرا للترابط الوثيق بينهما ، ولدى تناول هذه العلاقة فانه يقودنا بالتأكيد الى الحديث عن مدى السلطة التي تستحوذ ها و تمثلها الدولة ، كما تطرح بنفسها جملة من التساؤلات ، ولكي تنجلي الأمور لابد من محاولة الإجابة عليها .
تنحصر هذه التساؤلات في جملة لا يمكن فصلها بعضا عن بعض ، فإذا كانت للدولة سلطة مطلقة فكيف يستطيع المواطنين ممارسة حرياتهم وهل تستطيع هذه الحرية أن تكون في مأمن من التجاوزات وما تمثله هذه التجاوزات من خطر على وجودها وديمومتها ، وهل حرية المواطن تنقص من سيادة الدولة ؟
ولضمان مثل هذه الديمومة لابد من وجود سلطة تستطيع أن تضع حدودا للحريات وان تحميها في نفس الوقت ، لأنه وفي الحقيقة لا معنى ولا مكان للحرية بمعناها الحقيقي إلا في ظل تنظيم قانوني معين ومحدد ، كما أن الحرية تصبح أكثر كمالا وأعلى قيمة ، ويمكن لها من أن تحافظ على ذاتها.
ومن هنا يمكن استنتاج أن السيادة التي يجب أن تتمتع بها الدولة ، والحرية التي يجب أن يتمتع بها المواطنين ، ليستا متناقضتين بل على العكس من ذلك ويمكن القول أنهما تتممان بعضهما بعضا إن لم نفل أنهما وجهان لعملة واحدة .
شريطة أن تقوم الدولة على تحقيق التزاماتها بهذا الخصوص ، وتنفيذ القوانين على اعتبار أنها صاحبة السيادة وإنها تمتلك التنظيم الاشمل و القوة الأكبر ، فالدولة إذن هي المصدر القانوني الوحيد للحرية القانونية ، ولا بقاء للحقوق إلا بسيادتها وسلطتها ، مع الأخذ بعين الاعتبار أن قوانين الدولة ليست مجرد تحديد حرية المواطنين ، وإنما هي أولا وبالدرجة الأولى يجب أن تمثل الضمانة في الدفاع عن المواطنين وعن حرياتهم .
وعليه فان المواطنون الذين يعيشون في كنف الدولة تمنحهم هذه الاخيرة حق المشاركة القانونية و الإدارية في سلطاتها وهي تنشا بمقتضى الدستور والقوانين ، و في نفس الوقت تعتبر هذه الحقوق امتيازات تكون ممارستها حقا اختياريا للمواطنين كافة دونما تمييز، إذ تنحصر هذه الحقوق الأساسية فيما يلي :

1 – حق الإنسان في الحياة
إن من أهم حقوق الإنسان وبالتالي المواطن ، حقه في الحياة لأنه إذا لم تؤمن الحياة فان كافة الحقوق الأخرى تكون بلا معنى ومستحيلة التطبيق كما انه من واجب الدولة اتخاذ التدابير اللازمة للحفاظ على سلامة المواطنين أفرادا وجماعات .
وإذا كان الأمر كذلك فان جملة المجازر التي اقترفها النظام الحاكم منذ استيلائه على السلطة الى اليوم وكذلك التصفيات الجسدية بحق آلاف المواطنين في المدن والقصبات على امتداد الوطن السوري وداخل السجون وأقبية المخابرات ، الى المجازر المتكررة ضد أبناء الشعب الكوردي المسالم في 12 آذار 2004 وليلة نوروز 2008 إضافة الى جملة من عمليات الاختطاف والاغتيالات المبرمجة بحق النخب من رجال دين ودعاة الديمقراطية وحقوق الإنسان أمثال الشيخ الشهيد محمد معشوق الخزنوي الى الشهيد سامي معتوق ، تشكل كلها جرائم ضد الإنسانية وتعدي صارخ على حق المواطنين في الحياة الآمنة .

2 – حق الحرية الشخصية

إن الحياة التي تخلو من حق الإنسان في استخدام قدراته وإمكانياته ومن حقه في تحديد الظروف العامة للحياة هي حياة لا فائدة منها ، وعليه إن ضمان الحرية الشخصية حق للمواطنين على الدولة الأمر الذي يكاد أن يكون معدوما في ظل النظام القائم فحرية التنقل والعمل والسفر مقيدة تماما وحتى حرية الاستشفاء ، والأمثلة كثيرة من الواقع الاجتماعي السوري عامة ، وهناك مئات الآلاف من المواطنين الكورد محرومون من ممارسة هذه الحرية نتيجة للإحصاء العنصري الذي طبق بحقهم في ستينات القرن الماضي والذي لا يزال ساري المفعول إضافة الى الآلاف الأخرى ممن منعوا من السفر ، و الآلاف الأخرى مع عائلاتهم ممنوعون من حق العودة الى الوطن كل ذلك بمقتضى إجراءات استثنائية تعسفية ناهيك عن حملات التنكيل والاعتقالات دونما سبب عادل وخارجا عن أي إطار قانوني بحق المواطنين والقوى السياسية ونتيجة لذلك يقبع الآلاف من هؤلاء في السجون والمعتقلات دون وجه حق إضافة الى ما يلاقيه المعتقلون من تعذيب جسدي ونفسي قاس ودونما محاكمات عادلة وقانونية .

3 – حق التملك

إن موضوع تملك الإنسان للأشياء يعد ضروريا كما أن الرغبة في الاقتناء من الصفات المتغلغلة في النفس البشرية ، لكن النظام الحاكم ومنذ استيلاءه على السلطة زاد من تدخله الفظ في شؤون أملاك المواطنين ، تارة بحجة الإصلاح الزراعي وتارة بحجة التأميم ، وأخرى حكمتها مزاجية المصادرة بحجج واهية ، وما المشروع العنصري والإحصاء الجائر الذي طبق في الجزيرة منذ عام 1962 وما ترتب عنه من نتائج إلا تعدي صارخ على الممتلكات الخاصة وتجاوز مفضوح للحق الإنساني في التملك ، ويبدو أن مسلسل الاعتداء هذا لم ينتهي حيث أعقبه النظام حديثا بمرسوم وقانون جديد حمل الرقم 49 الموقع من رئيس الجمهورية قي آب 2008 مما زاد في الطين بله .

4 – حق حرية الرأي والتعبير عنه

إن حرية الرأي والتعبير من الحقوق الأساسية للإنسان ما دام هذا الرأي والتعبير بعيدا عن محاولات إثارة العنف والإرهاب بكل أشكاله ، ولكن إن مجرد انتقاد سياسة الدولة في البلاد ينجم عنه الاعتقال والتنكيل وحتى التصفية الجسدية في أحيان كثيرة في ظل حظر ومنع الإضرابات وكذلك التظاهر والاعتصام السلمي حتى إذا كان الأطفال من يقومون بالتظاهرة ولو بيدهم ورودا تماما كما حدث في اليوم العالمي للطفل من العام 2004 ، ناهيك عن منع كل أنواع المطبوعات من كتب ومجلات وجرائد ذات الطابع المعارض لسياسات النظام ، وإتباعها سياسة ممنهجة في حجب المواقع الالكترونية ونتيجة لهذه السياسات يتم زج المئات من الشباب والمثقفين والكتاب ورواد هذه المواقع في السجون ويتعرضون لأبشع أنواع التعذيب كذلك تتخذ بحقهم أحكاما جائرة والضحايا باتوا كثر .

5 – حق حرية الاعتقاد

إن الاعتقاد الديني والفكري والعبادة يجب أن تسير في طريق الحرية والتسامح والحوار لكن النظام الحاكم يعتبر حرية الاعتقاد جريمة ويسعى من ناحية أخرى الى زرع الطائفية والمذهبية الدينية كما التفرقة القومية بين أبناء الوطن الواحد ، و تعيش البلاد في الوقت الراهن و اثر هذه السياسات حالة من الانقسام الطائفي والعرقي لم تشدها من قبل .

6 – حق تأسيس الجمعيات والأحزاب

إن لتأسيس الجمعيات والأحزاب بكل إشكالها وأنواعها واختصاصاتها ، هي حق أساسي وعلى الدولة أن تفسح المجال أمام تشكيلها وحتى منحها الهبات الواسعة لدعمها .
ولإلقاء نظرة سريعة على واقع الحال في البلاد من هذه الناحية نجد أن :
• ليس هناك قانونا للأحزاب يشرع نشاطها و تحركها وبالتالي فان كل الأحزاب العاملة على الساحة السورية هي أحزاب غير مرخصة ، و هي وفق اللا القانون الذي يعمل به النظام أحزاب وجمعيات محظورة غير قانونية يستوجب محاسبتها ومحاربتها .
• إن عشرات الأحزاب السورية والتي تمثل كل الطيف السياسي والاجتماعي والقومي محرومة من كل الحقوق الموجبة لها على الدولة من رعاية ودعم مالي والى ما هنالك من حقوق أساسية وشرعية كالإعلام بمختلف أنواعه من صورة وصوت وكلمة .
• نتيجة حرمانها من الترخيص اللازم لممارسة نشاطها ومحاربة النظام لها تبقى هذه الأحزاب في حالة من الضعف والعجز السياسي و التنظيمي لما تسببه حالتها هذه من تهديد دائم لنشطاء هذه الأحزاب
• على اعتباران الأحزاب تنشط بشكل سري مما يمكن النظام من تأليب الشارع عليها في كثير من الأحيان مستعملة في سبيل ذلك كافة الأساليب والدعايات المغرضة واتهام هذه الأحزاب تارة بالعمالة وأخرى بالارتهان الى الدول المعادية مما يزيد من تخوف الناس إضافة الى حملات التنكيل التي تطال هذه الأحزاب كل يوم وتبرير التصفيات داخل صفوفها .

أضف الى ذلك قائمة طويلة من الحقوق كحق الفرد في تكوين العائلة والمساواة أمام القانون والى ما هنالك من حقوق التي لاشك أنها تتأثر مباشرة بالواقع السلبي الذي تعيشه جموع المواطنين في سورية في ظل القهر والاستبداد الاجتماعي والسياسي والاضطهاد القومي بحق الشعب الكوردي والأقليات الأخرى ، والنظام بدل أن يعمل على حفظ الأمن العام للمجتمع ككل وان يفسح المجال أمام الناس كي يطوروا حياتهم وفق المستجدات وحسب قابليتهم يعمل ويسعى نحو عدم إيجاد هذا التوافق بين سلطة الدولة قانونا والحرية الكاملة للشعب وتامين حقوقه ، وتجنب مخاطر التطرف وإذا كانت السيادة التي يدعيها النظام الحاكم في البلاد قد وصلت الى هذا الحد من التطرف فتكون السيادة هذه ومعها النظام قد تجاوزا عتبة الدكتاتورية و الطغيان الذي يعصف بالحرية ابدآ ……!