الرئيسية » مقالات » كوتة وكتكوت وكاكا! حلوين من أجل الديمقراطية

كوتة وكتكوت وكاكا! حلوين من أجل الديمقراطية

الزوبعة الاعلامية والسياسية التي اثيرت مؤخرا حول الغاء المادة الخمسين من قانون انتخابات المحافظات العراقية للاسف الشديد لم تكن الا “يافطة” كبيرة ولافتة عريضة اخفت ورائها معالم الحقيقة كأي جريمة اخرى تحدث هذه الايام في عراق مابعد التاسع من نيسان. فالدستور العراقي الجديد الذي خطته الايادي المعارضة للحكم الشمولي البائد يبدو انها لم تختلف كثيرا عمن سبقها في حكم العراق فبعد ان رسّخت حضورها السياسي والامني واحاطت نفسها بهالة الامر الواقع على الارض صارت تتفنن في كسب ماتريد عبر الطرق المشروعة لفرض الغير مشروع!

منذ ان تعايشت الاقوام على ارض العراق لم يكن اي تمييز بينها ولم يسجّل التاريخ اي بادرة غير صحية حتى في احلك الظروف واسوء الاحداث، فقد كان المسلمون اخوة وفي تعايش سلمي وتناغم وطني مع المسيحيين والايزيدين والشبك والصابئة وسواهم. بل على العكس فان من محاسن الحكم الشمولي الديكتاتوري السابق -لو عدت محاسنه- انه كان ينظر الى هذه الاقوام نظرة احترام وتمييز نحو الافضل اكثر من نظرته الى العرب الشيعة مثلا او الكرد! فلماذا يُسن قانون الكوتة من الاصل ليُسقط ثم يُعاد؟! أليست لعبة “شيطانية” المراد منها ترسيخ امر اخر غاية في الخطورة؟! الغريب ان ابطال اسقاطها هم دعاة استعادتها ودموع التماسيح تتلاطم امام الكاميرات. فالجميع يعلم ان تباكي بعض أعضاء مجلس النواب ليس حقيقة على الدستور او تطبيقاته او تهميش فرقة او مكوّن ما بقدر ما للقضية من مكاسب انتخابية المُراد منها كسب اصوات اتباع الاقليات وذلك من خلال اللعب على عواطفهم واستدراجهم نحو سراب مصلحة “الكوتة”! بيد ان هذه الطريقة لاتقل “شيطنة” عما سبقها لأنها في النهاية تصب اصلا في شق وحدة هذه الطوائف وتماسكها وتشتت اصواتها الانتخابية ولاتقدّم لها اي مكسب وطني فضلا عن العرقي او المذهبي. من هنا يتبين للمتدبر ان ألد أعداء الاقليات هم دعاة “الكوتة” وليس العكس! بدليل ان دعاة رفع كوتة الاقليات هم دعاة اعادتها وهم في ذات الوقت أبطال تهجير المسيحيين من الموصل اليوم فهل بقي عهر يقال بعد هذا العهر القومي والسياسي والاجتماعي والانساني؟! لذلك برأيي ان الكوتة كانت لقمة لالتهام الاقليات بالكامل !

شخصيا لم أكن اتوقع اصلا ان تطالب هذه الاقليات بنظام الكوتة ليس لانها غير جديرة بالمشاركة في الحياة السياسية بل لان الفرصة كانت مؤاتية لها لكي تثبت انها وطنية كما كانت وستظل والا فما الفارق الان وبعد المطالبة بينها وبين من يتقاسمون السلطة وفقا للمحاصصة المذهبية والعرقية بكل تفاصيلها وجزئياتها؟ أين حقوق المواطن الذي لاينتمي الى الاقليات المعترف بها ولا من الاكثرية المسيطرة؟! من يضمن حق المواطن الذي لايؤمن بمحاصصات وكوتات اختزلت الوطن في عبوات دستورية مسلفنة وجاهزة للتصدير الى حيث المنافي البعيدة كأي علبة غذائية مخصصة للكائنات الغير بشرية وكُتب عليها “غير صالحة للاستهلاك الادمي”!

بنظرة دقيقة الى تاريخ الشعوب التي ناظلت من أجل الحرية وساهمت في البناء الحقيقي للوطن ليس ثمة “كوتة” انما تعبر في النهاية عن حفظ لمصالح فئوية الاجدر بالمواطن الحقيقي الترفع عنها ايا كانت مسمياتها او اساليب الحصول عليها مشروعة كانت او لا. هنا تجدر الاشارة الى ان الاسلوب السياسي الذي اتبع مؤخرا كان اخبث بدرجة كبيرة من كل مامر على العراق من مؤامرات ودسائس راح ضحيتها الوطن والمواطن. فأذا ماكان الدستور حافظا لحقوق الجميع والجميع امامه سواسية كأسنان المشط فهل نحن بحاجة الى “كوتة” سواء أكانت رجالية او نسائية قومية او مذهبية أكثرية او أقلية؟!

المؤسف حقا اننا اذا ما استثنينا السياسيين اصحاب المنافع الشخصية والخبثاء والمتصيدين من القضية فأن طابور طويل من المثقفين قد ساهموا من دون اقل تفكير في التطبيل الاعلامي والتهريج السياسي وهم يولولون ويندبون ويبكون على حقوق الأقليات التي ستضيع وكأن الاكثرية قد ضمنت حقوقها! بيد انهم يجمعون ان الحقوق الوحيدة المضمونة هي للاحزاب التي لاتمثل الاكثرية فضلا عن الاقلية!

شخصيا لن استغرب بعد دعوات كوتة الاقليات وبعد الدعوات القادمة من البصرة لحفظ ماسمي “حقوق الاقلية السوداء في العراق” في عبوة مسلفنة مستوردة هي الاخرى كتب عليها عنوان عريض يقول “حركة العراقيين الحرة”، اقول لن استغرب ان يُعلن قريبا عن تشكيل جديد يدعو لحفظ حقوق “الحلوين” شخصيا اقترح عليهم لافتة “حلوين من أجل الديمقراطية”، خصوصا وانهم اقلية ايضا وفي زمن الديمقراطية و “الأنشلاخ” عفوا أقصد الأنفتاح!

من ذلك يبدو ان الاصوات الوطنية الواعية الداعية للمواطنة بلا كوتات ولا محاصصة أيا كانت عناوينها باتت هي الاقلية التي يجب ان تحفظ حقوقها من الانقراض خصوصا ونحن نشهد حكم الكوتة والكتكوت والكاكا! هنيئا لعراق التوافقات السياسية الانجازات المتتالية وهنيئا لمنظمات المجتمع المدني الصامتة صمت سكنة وادي السلام . “وانَّ مِنَ الحِجارَةِ لَما يَتَفَجَّرُ مِنهُ الأنهارُ” (البقرة-74)

رياض الحسيني: كاتب وناشط سياسي عراقي مستقل