الرئيسية » مقالات » انا ضابط جبان؟

انا ضابط جبان؟

اتصل بي صديق من بيت لحم مستفسرا فيما إذا كنت من مجموعة الضباط الارانب، فوجئت بالسؤال الى ان عرفت ان المقصود مقالا بهذا الصدد كتبه عيسى قراقع حول ضباط الامن الفلسطيني في المدن الفلسطينية. وقد صعب علي الجواب، لأنني بخبرتي اعلم ان الحديث لمن يجلس على مكتب مريح في غرفة مكيفة يختلف كليا عمن يتكلم وهو في ساحة المعركة، وبصفتي قد حملت شرف الانتماء الى المرحلتين، مرحلة الخنادق ومرحلة الغرف المكيفة، يمكنني القول ان المرحلة الاولى لا غبار عليها سوى الخشية من الاتهام بالكذب والادعاء، تساوقا مع المثل القائل ” ألأكثر كذبا من الشاب الذي تغرب هو الشايب الذي ماتت اجياله”. اما المرحلة الثانية فهي مرحلة مثقلة بالاعباء الضميرية والشكوك لأنها تمثل مرحلة الانتقال من الثورة الى السلطة، هذه المرحلة محفوفة عادة بأمرين، خيبة الامل، وهو ما أشار اليه ريجيس دوبريه، فأولئك الذين خاضوا غمار الثورة يجدون في النهاية اقل بكثير من توقعاتهم التي قاتلو وقتلوا من أجلها، حتى لو حققوا النصر المبين، فكيف اذا وصلنا لمرحلة الشك في جدوى النضال الذي صوحب بمئات الاف الشهداء ومئات الآلاف من الجرحى والمصابين والمشوهين، ناهيك عن عشرات ملايين سنوات الاعتقال للثوار الفلسطينيين خلف قضبان الاعداء والاصدقاء على حد سواء. اما الامر الثاني فهو النمو المفرط للانتهازيين والمتسلقين، وهنا ايضا نستذكر مقولة جيفارا بأن الثورة يفجرها حالم ويقودها مجنون ويرثها الانتهازيون.

اذا هل انا من الضباط الارانب؟

لم اتمكن من الرد الفوري لأن السؤال فاجأني كقذائف الطائرات الاسرائيلية، ولؤلئك الذين لم يجربوا قذائف الطائرات الاسرائيلية اخبرهم بأنها كالقدر تأتيهم بغير سابق انذار، حظك من النجاة مرتبط بموقعك من انفجارها، وفي كل الاحوال تتركك مذهولا لفترة طويلة (لم يكن لدينا في قوات العاصفة اطباء نفسيون).

الآن بعد مرور بضعة ايام على هذه القذيفة وبعد تأمل طويل قررت الاجابة بالأصالة عن نفسي وعن العديد من الضباط الذين عرفتهم جيدا في العديد من مراحل الثورة، بما في ذلك مرحلة المعتقلات الاسرائيلية.

اولا اقر بأن الوضع الحالي غير سوي ومربك الى ابعد الحدود، ان الاقتحامات الاسرائيلية للمدن الفلسطينية حالة غير سوية وتترك اثرا مدمرا على نفسية الجنود والضباط الذين تأتيهم الاوامر المسبقة والمعززة بالمواعيد الدقيقة عن نية الجيش الاسرائيلي اقتحام المدن الفلسطينية واعتقال مطلوبين، والأوامر الصادرة واضحة تماما وينطبق عليها الاتفاق السياسي الموقع بين اسرائيل ومنظمة التحرير في المناطق المصنفة (ب)، والذي سحبته اسرائيل منفردة بحكم التفوق في القوة ونتائج الانتفاضة لتطبقه ايضا على مناطق (أ).

السلطة الوطنية – ليس بجنودها وضباطها- بل بقيادتها السياسية هي المسؤولة عن هذا الوضع. هي التي تصدر الاوامر للضباط بالانكفاء خلف الابواب حالما يقرر الجيش الاسرائيلي اقتحام المدن، السلطة الوطنية الفلسطينية بقيادتها السياسية هي التي قررت وضعنا في هذا الوضع المحرج، وهنا اشير الى ان السلطة التشريعية هي جزء من السلطة السياسية (للتفريق عن السلطة التنفيذية)، السلطة التشريعية التي يمثلها عيسى قراقع هي نتاج لاتفاقية اوسلوا تماما كما ان انكفاء ضباط وافراد الاجهزة الامنية خلف ابوابهم كلما طل عليهم جندي اسرائيلي هي نتاج لهذه الاتفاقية.

دعونا نرسم لأنفسنا سيناريو مختلف، لنفترض ان السلطة الوطنية اتخذت قرارا بالتمرد ومنع الجيش الاسرائيلي من دخول المدن بالقوة، ما هو موقف الضباط من شرطة وامن وغير ذلك؟ استنادا الى تجربة بيروت وتجربة ثورة النفق اعتقد بأن الضباط جميعا، القديم منهم والمستحدث سوف يقفون بقوتهم المتواضعة مع هذا القرار المميت، الفارق الوحيد انهم لا يملكون في هذه الحالة سوى اجسادهم لانه لا خنادق لديهم ولا تحصينات ولا آربي جي ولا مدافع ولا هاونات، ومن يعرف حجم القوة الفعلية لاجهزة الامن الفلسطينية يدرك ان الشرطة في محافظة بيت لحم لا تملك اكثر من 400 طلقة حسب تقدير مديرها السابق في حينه العقيد محمد عياش، ولمن ليست لديه فكرة عن زمن لبنان وبيروت فهذا العدد من الطلقات كان يكفي مقاتلا عاديا مونة اسبوع واحد في زمن السلم وربما ساعات في زمن الاشتباكات (زمن السلم في لبنان تعني الفترة بين اشتباكين).

في انتفاضة النفق التي سبقت انتفاضة الاقصى قتل 37 جنديا اسرائيليا خلال ساعات. من الذي قتلهم يا ترى؟ انهم ضباط وافراد القوى الامنية، لأنه حتى هذا التاريخ كانت مناطق (أ) تشكل مناطق مرور بريء للجيش الاسرائيلي حسب اتفاقية اوسلو، انتفاضة الاقصى كسرت هذا الوضع وألغت مناطق (أ) كليا وحولتها الى مناطق (ب) والتي اشير اليها بوضوح انها مناطق امنية اسرائيلية تلزم القوى الامنية الفلسطينية بالانكفاء خلف ابواب المغافر زمن عمليات الجيش الاسرائيلي، المسؤول عن هذا القرار ليس الضباط الارانب بل القيادة السياسية لمنظمة التحرير والتي وقعت على اتفاقية اوسلو، ويشارك في تحمل هذه المسؤولية من جاؤوا كنتاج لاتفاقية اوسلو من وزراء واعضاء تشريعي وغير ذلك، إضافة الى انتفاضة الاقصى التي منحت اسرائيل الاعذار لاقتحام المدن بحجة ملاحقة المفجرين والانتحاريين والاستشهاديين.

دعونا نأخذ بعض العينات – وهنا نحن نتكلم عن الضباط التاريخيين لقوات العاصفة ممن جنى عليهم الاتفاق وحولهم الى ضباط امن في مغافر السلطة، وفي الواقع فإن القائمة طويلة فمن اعنيهم هم قادة قطاعات عسكرية ووحدات قتالية مختارة ككتيبة نسور العرقوب والمحمولة والكتيبة الطلابية والجرمق والجليل والجولان، وقبل ذلك قطاع الاوسط والجنوبي والشمالي في غور الاردن. اذا أسعفتكم الذاكرة فلا شك انكم سوف تتذكرون ان الثورة الفلسطيينة بكافة فصائلها وعلى الاخص حركة فتح التي شكلت العمود الفقري للقوة الفلسطينية المسلحة خاضت عددا كبيرا من الحروب الطاحنة والمعارك، وهي حروب وفق المقايسس الاسرائيلية لكي لا نتهم بالمبالغة، ابتداء من معركة الكرامة ومرورا بأيلول 1970 ومعارك ايار 1973 في لبنان حيث تم تجريب طائرات الميراج 5 لاول مرة لكنها اثمرت عن اتفاقية مكوث منظمة التحرير في لبنان، ثم المشاركة الفعالة لكتائب الثورة في حرب تشرين 1973 على الجبهة السورية وخصوصا كتيبة جيش التحرير الفلسطيني في جبل الشيخ، ثم الحرب الاهلية عام 1976 ومعارك الليطاني 1978 وحرب لبنان 1982 بما فيها حصار ومعارك بيروت التي صمدت 89 يوما في وجه قوة اكثر عنفا وشراسة من الجيش الامريكي في حرب احتلال بغداد عاصمة العرب والتي لم تستمر اكثر من خمسة ايام، وبالطبع معركة طرابلس 1983 والتي هدفت الى اكمال ما لم يستطع الجيش الاسرائيلي ان يكمله بتصفية الوجود الفلسطيين في لبنان.

اذا، ما هو الجواب؟

ومرة اخرى يصعب على الجواب، وبالنيابة عن الاخرين اجيب بأن الامر مختلف الآن عما كان عليه سابقا، مثال ذلك في السنوات القتالية كنت لائقا جسديا، اتمتع بمواصفات جسدية ممتازة بحيث كان بمقدوري التجول وخمس وعشرون كيلو غراما من العتاد على اكتافي ولمسافة تصل الى عشرات الكيلومترات، لم اكن اتأثر بالبرد ولا بالحر، وكان بمقدوري السير حافيا وتحمل الجوع لايام، كان بمقدوري اجتياز الجبال والوديان وقد حدث هذا فعلا لا قولا، كل الاحمال حملتها الا حمل واحد، لم يكن لدي ابناء او عائلة تعيق تحركي (انا اتحدث بالاصالة عن جميع رفاقي). فكيف هو الآن عليه الحال؟ عمري 54 عاما، لدي اصابات في الساقين، وقد ترك الزمن اثره بوضوح على شعري وغضون وجهي وعمودي الفقري وسمعي، ومن غرائب الامور انني ما زلت لا اتوكأ على عصا او عصوين، وفوق ذلك ظهري مثقل بسبعة ابناء ينطبق عليهم قول الحطيئة “ألقي كاسيهم في قعر مظلمة”، بعد كل ذلك هل استطيع الادعاء انني ما زلت انا ذاتي السابقة؟

بعض التجارب قد تعطي الاجابة، دعونا نستعيد الذكرى حول احد ضباط الامن الوطني في جنين، ابو جندل الذي استشهد اغتيالا بعد معركة المخيم والذي قاتل دون هوادة هو والعديد من الضباط والجنود والمقاتلين في مخيم البطولة – ستاليننغراد فلسطين مخيم جنين. والعقيد ابو حميد الذي استشهد في نابلس مع احد اكبر قيادات الجبهة الشعبية، والمقدم فؤاد العديلي أبو فادي الذي تمكن من الحصول على قاذف اربي جي لم يكن في رام الله جميعها غيره، فلم يتردد للحظة من القتال به اثناء الاجتياح الكبير الى ان استشهد، اضافة الى مئات منتسبي الاجهزة الامنية ممن استشهدوا اثناء الانتفاضة او أسروا – القائمة طويلة ولا يمكن التفصيل.

لنستذكر ايضا العديد من ضباط الاجهزة الامنية الحاليين وهم كثر ممن قضوا سنوات طويلة في سجون الاحتلال وخاضوا معارك متواصلة مع السجانين سلاحهم الوحيد هو شجاعتهم وامعاءهم وجلودهم العارية، عيسى يعرف الكثير منهم بحكم تجربته الاعتقالية ويعرف تماما قدرتهم على المواجهة غير المتكافئة، ومع ذلك كانوا يواجهون ويتحدون ويقاتلون ويمتصون الغازات الخانقة ويتلقون الضرب المبرح ويردون بما امتلكت ايديهم من وسائل متواضعة، لم يهنوا ولم يستسلموا وخرجوا كما دخلوا كبارا مرفوعي الرأس.

الاشارة الى الاسماء مربكة لكنني اعتقد ان بعض الاسماء لن تضير، اما لأن حامليها انتقلوا الى رحمته تعالى او كونهم انتقلوا الى عالم التقاعد، كضابط الامن الوقائي المرحوم ابو السعيد يوسف سعيد عبد الحق، والذي اسر وحيدا بعد معركة شرسة قرب عقربا في المكان الذي انشئت به لاحقا مستوطنة معالي افرايم، وللتذكير بهذا التاريخ المنسي نشير الى ان داورية يوسف عبد الحق كانت واحدة من عدة دوريات ارسلتها حركة فتح ثأرا لمقتل المشير عبد المنعم رياض قائد الجيوش العربية على قناة السويس، الاشتباك الذي خاضته هذه الداورية كلفت الجيش الاسرائيلي 15 قتيلا بينهم 3 ضباط كبار، واستشهد فيها افراد الداورية العشرة باستثناء ابو السعيد الذي اسر جريحا وقائد الداورية الذي تمكن من الانسحاب ونجا بفضل بعض الرعيان.

دعونا نستذكر العميد المتقاعد موسى الشيخ والذي اسر بعد معركة شرسة شرق طوباس استشهد فيها اربعة من رجال الفتح وقتل فيها جنديين اسرائيليين واشتركت فيها كتيبة عسكرية وستة طائرات هليوكبتر. ويمكن الحديث عن معركة وادي القلت والتي كان من ابطالها عطية عدنان وشهيد الحركة الاسيرة على الجعفري وعبد الكريم حمودة وهي المعركة التي استمرت 24 ساعة متواصلة وكلفت الجيش الاسرائيل قائد القوات الخاصة في المنطقة الوسطى العميد تسفي عوفر.

اكرر القول اننا نعيش وضعا مربكا للغاية، انه وضع محرج وآثم. هذا الوضع ليس نتاجا للشجاعة او الجبن، انه نتاج لعملية مركبة في غاية التعقيد، وذات ابعاد تاريخية، نحن بتقبلنا لهذا الوضع انما نحاول البقاء في عالم يرفضنا كلية، عالم عدائي اعتبارا من اول متر بعد نهر الاردن وحدود العريش والجولان وجنوب لبنان، وانتهاء بأقصى اسقاع الارض، الفضيلة الاولى للشعب الفلسطيني هي البقاء على الارض، البقاء على الأرض الفلسطينية هي الفضيلة الأولى، وليس عقدة ماسادا، فنحن لسنا شعبا انتحاريا، كل الفضائل بعدها ثانوية. اما الفضيلة الثانية اذا وجدت فهي التماسك والتوحد، لاننا بالتماسك والوحدة نحقق فضيلتنا الاولى، نحن نريد الحياة أولا على ارضنا، وهو ما نفعله حاليا بتقبلنا لهذا الوضع غير السوي، ونريد الاستقلال وهو ما نقاتل من أجله، اما الشجاعة فهي امر مرتبط بالظرف والضرورة، عندما تضطرنا الحاجة سوف يكون لنا شأن آخر، لسنا كأفراد بل كسيرورة وشعب يلد الثوار والاحرار من تلقاء نفسه.

مرة اخرى الى ذات السؤال.

من الانصاف الاقرار بأننا كضباط نتجاوز حدودنا في بعض الاحيان، استحضر امرا هاما من وحي الذاكرة الاعتقالية.

نظريا المعتقلون الفلسطينيون في السجون الاسرائيلية رهن مطلق بإرادة سجانيهم، اول مبادئ الاعتقال هو استلاب ارادة الاسير كليا وإخضاعها لارادة السجان، وخصوصا كون اسرائيل تملصت من التزاماتها الدولية برفضها الاعتراف بالاسرى كأسرى حرب مطلقة عليهم اسم سجين امني. من جهة اخرى لا يوجد في يد السجناء عوامل قوة من اي نوع، ومع ذلك لكي يتغلب السجناء على هذا الوضع المأساوي، طوروا اساليب المقاومة الذاتية عبر التحدي والتحمل والعمل الجماعي، اول خطواتهم كانت بتوحيد المعتقلين تحت قيادة اعتقالية واحدة (اضافة الى القيادات الفصائلية)، ثم جاء التمرد على كافة الأوامر المهينة والتي استهدفتهم بشكل خاص كثوار فلسطينيين، وقد تمثل ذلك برفض العمل في المشاغل، ورفض التلفظ بكلمة سيدي، ورفض الالتزام بالطوابير المذلة اثناء التجول والعدد، ورفض الانصياع للضرب الفردي، وقد نجحت هذه الاستراتيجية، والتي كان اخرها القرار الاعتقالي في سجن بئر السبع في نهاية السبعينات، والذي نص بوضوح على ضرورة مقابلة العنف الاسرائيلي بالرد الفوري مهما كانت النتائج، والرد لا يشمل المعتدى عليه بل جميع الحضور بدون استثناء، اي منع تفرد السجانين بأي من السجناء كحالة فردية – والملخص ان هذه الاستراتيجية نجحت.

يجب تطوير استراتيجية مواجهة مماثلة لضباط وأفراد الامن، وهو قرار يجب ان تشارك به جميع المستويات، الرئاسة والحكومة والتشريعي والقوى الامنية والاحزاب والتنظيمات والجمهور. الجمهور عامل هام في تطوير استراتيجية مواجهة للعدوانية الاسرائيلية التي تستهدف مدننا وقرانا واجهزتنا الامنية.

في غياب افق سياسي واضح، ليس امامنا سوى تطوير اساليب نضالية جديدة – يشارك بها كل الشعب، من المستوى الاعلى للقيادة وحتى طلاب المدارس – لكي نجتاز عنق الزجاجة الخانق هذا

اعتقد بان عيسى مدين باعتذار، لانني كضابط جئت نتيجة لاتفاقات عقدها الكبار، كما اصبح عيسى عضو مجلس تشريعي نتيجة لهذه الاتفاقات .