الرئيسية » الآداب » دور الفكر في نهوض الأمم زرادشت و فلسفة النور

دور الفكر في نهوض الأمم زرادشت و فلسفة النور






“عالماً أنك الحق و أنك مع العقل النير . هكذا أراك و أرى أيضاً أن الرب الحكيم بالغ العظمة له العرش و القصاص ، بهذا القول من أفواهنا ، سنحول البشر من فرائس للشر إلى كائنات عظيمة.” ترنيمة 25 الأفستا زرادشت






زرادشت (avesta.org)
عانى الأكراد من الجهل و التفكك الاجتماعي قبل ظهور الزرادشتية لاعتمادهم على مفهوم ” الحق مع القوة ” وساد مجتمعاتهم أنصاف الآلهة الحاكمين باسم الديوات ( الآلهة ) مخلفين الظلم و الدمار إلى أن ظهر زرادشت الميدي بثورته الثقافية لعقلنة القوة لتكون مع الحق ناقلاً العقل البشري من المحسوس إلى المجرد جاعلاً القوة وسيلة لأجل غاية الحق ، منطلقاً من الحقيقة النسبية بحثاً عن الحق المطلق . ولا بد من الوقوف عند الفلسفة الزرادشتية لنرى التحولات الاجتماعية و الأخلاقية و الاقتصادية التي تمت خلالها .
اعتمدت الزرادشتية على ثلاث أسس أساسية :
  1. الرب الحكيم أو العقل الأب و هو المطلق و اسمه أهورا مزدا .
2. الناموس الكوني أو القانون الإلهي منظم الكون و هو الحق.
3. العقل الخير : العقل الابن وهو الإنسان الكامل.
فعلى البشرية أن تتعامل بجدلية الحقائق بحثاً عن “الناموس الكوني” لإيجاد العقل الخير ( الإنسان الكامل) الذي أراده أهورا مزدا خليفة له.

1. الرب الحكيم ، أهورا مزدا:

وهو إله نقاء يقول وليم ديورنت في قصة الحضارة . كان زرادشت أول الموحدين و هو الذي ارتأى المطلق برؤيته للإله الواحد ، وبتجسيده للنهاية ، الصراط المستقيم ، الجنة ، جهنم  ،البرزخ ،وقد أخذ عنه اليهود مفهوم الإله الواحد ، ومن خلال هذا التوحيد انطلق العقل البشري من المحسوس إلى المجرد فكان الارتقاء الباحث عن الكامل بسعيه نحو المطلق . ومن خلال التجريد و الإله أهورا في الزرادشتية يقوم على مبدأ أحادية الوجود باعتباره متمثلاً في اللانهائي المنظور عبر الزمن و بوصفه رمز القداسة  ومصدر الحياة الإنسانية القائمة على الحب و الخير و هو متجرد مترفع يسمو في دائرة السموات دون رؤيته إلا من خلال أفعاله . وهو خالق العالم يمتلك الكمال المطلق و يسمو على كل شيء و العالم في كليته من أهورا مزدا كعلاقة المحمول بالموضوع . فالعالم خير بوجود أهورا و جدلية الخلق لديه مرموزة ، إذ بالعقل يخلق أهورا العالم أي أن معرفة العالم تتم من خلال العقل للوصول إلى رؤية الواحدية في الإله و صفات أهورا لدى زرادشت : العقل ، النور، الطيب،الحق، السلطان، الخير، وهي صفات مطلقة وخيرة . ويقول زرادشت في إحدى ابتهالاته ” وعرفناك طاهراً يا مزدا أهورا في ذلك الوقت الذي توجه نحوي بهمن بسؤاله.. بأي شيء سوف تعرف نفسك أيضاً قلت مجيباً مع هبة الصلاة عند نارك حتى ذلك الوقت سوف أستطيع التفكير بالحق ”
ملاحظة : بهمن هو رئيس الملائكة ” الصدق” لأن الملائكة في الزرادشتية هي الفضائل و الشياطين هي الرذائل . الصدق هو رئيس الفضائل وبهمن هنا صدق الذكر ” الوحي ” .

2. الناموس الكوني :

وهو القانون الإلهي الذي وضعه أهورا لتنظيم الكون و ميزانه و هو “الحق” و دعوة زرادشت هي السعي لتفهم هذا القانون انطلاقاً من القانون الوضعي وتطويره و الارتقاء به من النسبية إلى الكمال و صولاً ل ” الحق” معتمداً أن كل ما خلقه أهورا خير فحركه الألوان تنوس إلى الأبيض و كل ما هو مخلوق خير حتى الأفعى حيث يستخرج من سمها الدواء و كذلك السالب خير و الموجب خير أيضاً و تعامل السالب مع الموجب يولد الطاقة وهي خيرة و على الإنسان أن يتفهم هذه الطاقة وأن يتعامل معها لامتلاكه العقل ، فالشر و الخير يكمنان عند تفهم هذه الطاقة أو عدم تفهمها. وما نراه شراً هو محرض للخير أن يتطور إلى كماله فالشر يحمل الخير ،و الخير يحمل الشر ، ولا ينتهي الشر إلا بكمال الخير وذلك بتفهم الإنسان للناموس الكوني ، فالحركة مستمرة تبحث عن كمال بين الثابت و المتحرك وكل الثوابت هي متحركة إلى ثوابت أخرى بحركة كونية بانجذاب الأطراف إلى المحور . فالإنسان الباحث عن الكمال يخطئ ويستفيد من أخطائه لإيجاد حقيقة جديدة تقرب هذا الكائن من ” الحق” وهو مطلق وإذا لم تتطور ثوابتنا ولم نرتقي بالحقائق و وضعنا الخطيئة نهجاً لنا و استسلمنا لها ولم نستفيد منها لإيجاد حقيقة جديدة فهذا هو الشر و هذا هو الوثن وأسبابه الجهل ، فالناموس الكوني المتحرك يتجاوز الساكنين.
فالفوضى العبثية تسفر عن نظام لأن الناموس الكوني خيّر، أما الفوضى المنظمة فهي تأتي من العقل الذي يدعي الإدراك لاغياً الحركة إلا من خلال ذاته مجسداً للوثنية بتسقيفة العقل وبهذا يخرج عن الناموس الكوني ، لذا نرى الأكراد يطلقون اسم(بيناموس) على الإنسان السيئ الخارج عن القانون فدعوة زرادشت كانت ضد البيناموسية التي جمدت الناموس الوضعي لصالحها ومنعتها من الارتقاء إلى الناموس الكوني وذلك بتجاوزها للنخبة التي تكوّن الحركة بين الناموس الوضعي الباحث عن الناموس الكوني” الحق”وتدعى هذه القوة المشكلة من الفوضى المنظمة الخارجة عن الناموس الكوني في الزرادشتية” إدرج” أي قوى الشر المجتمعة “النخبة المزيفة”
يقول زرادشت في الأفستا عندما نلت رؤيتك بمنظار القلب يا هورا مزدا فأنت البداية والنهاية وأنت الواحد الجدير بالعبادة و أنت الروح الخيرة وأنت الخالق الحقيقي ل” الحق” والاستقامة وأنت المدبر العاقل لأمور الكون لذا أعطيتك المكان في ناظري .

3-العقل الخير :

دعا زرادشت الإنسان أن يخرج من انفصامه بتوحد ( فكره وقوله وفعله) لكي يمتلك الإرادة والبصيرة وليكون صادقاً مع نفسه و الآخرين ، وأن يسعى إلى معرفة نفسه من خلال نفخة أهورا مزدا بجومرت، و وهبه الذكر ، فالإنسان يتذكر لحمله المخزون المعرفي في اللاشعور ويتم إخراج المعرفة بالعقل المتواصل مع المحسوس الباحث في المجرد لجعله محسوساً إلى أن يتم إلغاء الشعور لصالح وبمساعدة من الشعور الجمعي المتكون من ضعف الفرد أمام وصوله للكمال بمفرده فهو يسعى إلى تعاون إنساني لتشكيل العقل الجمعي لإيجاد العقل الخير و هو الإنسان الكامل ويتم بناء العقل الجمعي من خلال احترام كفاءات العقول المتفوقة ويتم ارتقاء العقل المتفوق من خلال العقول المتباينة التي تبحث عن الحقيقة بالنسبة وصولاً ل”الحق” بجدلية مسؤولة تسعى للارتقاء باحترام القدرات مستفيدة من الفكر الخالد للأسلاف الذين استمروا بعقولنا فهم خالدين بخلود فكرهم ، فالإنسان محدود بالزمان من خلال جسده ولكنه غير محدود من خلال فكره ، فما زال زرادشت وسقراط معنا لأنهم أحبوا الحكة فأورثونا إياها ولم يمتلكوا لذاتهم ولو امتلكت لذاتهم دوننا لانتهت بموتهم،لقد دعا زرادشت الإنسان أن يسعى بعقله للنهوض بذاته وبالمجتمع الذي ساعده على تكوين عقله ، فعقل الفرد يتكون من الآخرين وعلى الفرد أن يوجد ذاته ومن خلال فكره ليكون هو الآخر في عقول من بعده لينقذ نفسه من العدمية وليتم الارتقاء ، فالعقل المتفوق تشكل نتيجة لجهود عقول كثيرة وعبر الزمن وهو يتمثل من قبله موجداً ذاته ليكون في من بعده وصولاً للإنسان الكامل بتعاون الأجيال،فالتكوين لم ينته في الزرادشتية لان غاية الخليقة هو الإنسان الكامل صاحب العقل (الخيّر) الذي تسعى البشرية لإيجاده وكل هذا الوجود مشيمة لهذا المخلوق الذي ارتآه أهورا خليفة له ونحن جزء من هذا الإنسان فالكل في واحد والواحد في الكل لأن هذا الإنسان يتكون من ميراثنا الفكري ونحن أحياء به من خلال أفكارنا وأعمالنا . وإلى الآن لم يستخدم الإنسان من دماغه إلا ملايين من الخلايا من ضمن المليارات الكامنة المنتظرة ولادتها بالفكر على يد النخبة المبدعة فكل يوم يموت في دماغ الإنسان من 700800 خلية تلك الخلايا النبيلة لا يتلقح منها بالفكر إلا العشرات والباقي تذهب إلى العدمية لعدم الاستهلاك.

التكوين :في البدء كانت الفكرة:

أطلق أهورا مزدا فكرة التكوين تلك الفكرة وهي الطاقة التي أوجدت النار التي جلبت الهواء وبدوره جلب الماء الذي جلب التراب فتكونت النباتات والحيوانات والإنسان من تفاعل هذه المواد والغاية من هذا التكوين الوصول للإنسان حامل( العقل الخير) غاية الوجود وغاية الفكرة التي أطلقها الإله أهورا مزدا فلم ينته التكوين في الزرادشتية لعدم وصول الإنسان ل “العقل الخير”. فكل هذا الكون مشيمة لهذا الإنسان الذي يتمثل الوجود وأحاديته ليكون خليفة أهورا مزدا الغير محدد بالزمان و المكان ، ولأن التكوين لم ينتهي في الإنسان فهو يخضع للزمان لأنه دون النقاء ولعدم كماله ، ولأنه دون الكمال فقد حل في نقصه أهرمان الذي يمثل العتمة والجهل.
فالقضاء على الشر وبالعقل عند الإنسان إنهاء لأهريمان رمز الجهل ولا يكون الإنسان خليفة لأهورا مزدا إله النقاء إلا إذا تحرر من الزمان بكماله لينتهي التكوين قيه بعد تخلصه من الجهل اعتماداً على نفخة أهورا مزدا بجزمرت الذي وهبه المعرفة الكامنة و وهبه أيضاً العقل مخرج المعرفة وباكتشاف الإنسان لقدراته ولطاقته ينته أهرمان ويعم الخير العالم.

ت رنيمة 317 ( هو الذي ملأ بواسطة العقل في البدء السموات المباركة بالنور،هو الذي خلق ب”مشيئة ” الحق الذي أبدع (العقل الخير) هذا الذي زدته أيها “الرب الحكيم” بروحك التي صارت منذ الآن واحدة أيها الرب ) .

أهرمان :

هو رمز الجهل وليس إله . ماني جعله إلهاً لأن إله ماني مثنوي فهو يفعل الخير و الشر فأهرمان في الزرادشتية هو الجهل القابع فينا وعلينا التخلص منه بالمعرفة و العرفان لنصل إلى النقاء وذلك بالاستفادة من الخطيئة ومسببات وجود أهرمن داخل النفس البشرية هو نقص المعرفة لعدم وصول الإنسان إلى الكمال ، فما زال الدماغ البشري تعمل فيه ملايين الخلايا للمليارات الكامنة الباحثة عن ولادتها لإنهاء أهرمان ، فما دام الإنسان دون الكمال ، يبقى أهرمان ذلك الجهل الذي يسعى إلى خلوده يدفع الإنسان لاستغلال أخيه الإنسان مخلفاً خلفه النقص بالحاجة هذا النقص الذي يسيطر بدوره على العقل لإفراز الفكر الحاقد ، دافعاً العقل البشري إلى استبدال الخطيئة بالخطيئة فتكون دائرة الوثن بين الظالم و المظلوم ، ولمن يملك القوة أو يفقدها . وليتوقف الزمن في هذا العقل. ويخلف استغلال الإنسان لأخيه الإنسان أيضاً الزيادة في الحاجة التي تدفع العقل البشري إلى الأنانية مخلفة خلفها الفكر العنصري دافعاً الإنسان إلى الفردية تلك الفردية التي تدفع بدورها إلى عزل النخبة عن العامة ( قاعدتها) ، فتفقد النخبة دورها وتصبح نخبة مزيفة ، فالنخبة الحقيقية هي التي تتحمل مسؤولية العقل للنهوض بالعامة لإنهاء أهرمان و خلاص الإنسان من عذابه المتكون من عدم كماله ، وإنهاء محدودية الزمن بالإنسان الكامل غاية ونهاية التكوين .

الشيطان:

ليس الشيطان كمفهومنا اليوم في الزرادشتية ، فالعقل يتحمل مسؤولية الحياة ، وعندما عجز الإنسان عن تحمل هذه المسؤولية بعقله ، أوجد فكرة الشيطان لينسب الشر إلى الإله فيكون مثنوياً وبأحادية الشر في أنفسنا وذلك لعدم اكتمال العقل لدينا ، فالشر هو نقص المعرفة وهذا النقص يخرج الإنسان عن كيفية التعامل مع الناموس الكوني ،ذلك الميزان الحركي الذي يمثل ( الحق) فناكر الحق هو الشيطان و أهل الحق هم الذين قتلوا الشياطين بأنفسهم وبالعقل فالشياطين هي الرذائل المتكونة من الطاقة الغير مدركة .

يقول زرادشت في الونديداد إحدى أسفار الأفستا : حينما ينمو الشعير تنزعج الشياطين و حينما يحصد القمح يغشى على الشياطين فالبيت الذي يدخله القمح تخرج منه الشياطين مذمومة مدحورة .
فالإنسان تركبه الشياطين إذا كان دون الحاجة وإذا كان فوقها أيضاً ، فالشيطان هنا هو الفقر .

مفهوم ( الخير والشر ) في الزرادشتية :

مادام الإنسان دون الكمال فالحركة الكونية تستمر إلى أن يتجلى لهذا الإنسان ” الحق . باستيعابه للناموس الكوني و مادام الإنسان دون الكمال فستبقى النسبية القائمة بتلازم الخير و الشر في الحقائق التي يرتايها هذا الكائن الناقص الباحث عن كماله وكلما تطور العقل كانت النسبية لصالح الخير وقل الشر فالإحساس بالجهل يطور المعرفة والجبن ، يطور الشجاعة ، و الظلم يطور العدالة … إلخ … فالعقل هو أداة هذا التطور ومثال ذلك : إعدام غاليلو في زمانه خيراً لاعتقادهم بإلحاده و بعد أن تجلت الأرض بكرويتها كان إعدامه شراً ، فأين يكمن الخير من الشر ، العقل هو الذي يحدد الخير من الشر .ومثال الخير والشر في الزرادشتية : كالشمس عندما تكون مائلة يتكون الظل عند الإنسان لأن نور الشمس لم يتكن من كل الجسد وعندما تكون الشمس عمودية عليه ينعدم ظله ، فالشمس المعرفة ، والظل هو الشر ، وهو المؤشر لنا بأننا دون الكمال ، وإليك ترجمة لنص من نصوص سفر اليسنا وهي قسم الأدعية في الأفستا :

“إني أتصورك _ أيها المعطي الأكبر مزدا –جميلاً حينما أشاهد أنك القوة العليا ذات الأثر الفعال في تطوير الحياة وحينما أرى أنك تكافئ الناس على الأعمال و الأقوال . لقد كتبت الشر ” عقاباً” على الشر وجعلت السعادة جزاءاً وفاقاً لمن يعمل الخير ، وذلك بفضلك العظيم الذي يظهر أثره ، حينما تتبدل الخليقة التبدل النهائي.”

عقلانية الزرادشتية :
دعا زرادشت العقل البشري إلى تحمل المسؤولية في الحياة إلى الغنوسية ( الإيمان يلغي التشريع) وذلك يتم عند وصول الإنسان إلى “العقل الخير” فعلى الإنسان أن يتعامل مع الناموس الوضعي ويطوره إلى الناموس الكوني دافعاً العقل إلى الارتقاء بتحمله المسؤولية ، وقد شوهدت الزرادشتية من خلال ماني الذي دعا إلى الغنوسية قبل الارتقاء لاغياً الغريزة متمسكاً بالعاطفة وداعياً إلى التصوف للقضاء على الغريزة بالحرمان و من بعده مزدك الذي تخلى عن سيطرة العقل على الغريزة طارحاً الإباحية و المشاعية  للقضاء على الغريزة بالإشباع ، وهذا خلاف للزرادشتية التي دعت إلى تغامل العقل مع الغريزة و العاطفة والسيطرة عليها بفهم غاية وجودها و تنظيمها لتكون الدافع في تطوير العقل ، حتى يلتغي التشريع بالإيمان المعرفي , ودعت الزرادشتية أن يخرج عن استسلامه للقدر إلى التعامل مع هذا القدر الناتج عن عدم تفهم الإنسان للناموس الكوني لعدم كماله .
أحقاب التطور في العقل البشري :
يعتقد زرادشت أن هناك أربع حقب يمر بها العقل البشري :
الحقبة الأولى : وهي حقبة كانت الفطة الخيرة تقود العقل البشري ، إذ كان الشعور الجمعي يربط الإنسان بأخيه الإنسان وهي حقبة خيرة .
الحقبة الثانية : وهي حقبة ساد فيها الشر ، إذ كانت الغريزة فيها تقود العقل البشري ، وكان النهج فيها الحق مع القوة  “شريعة الغاب” .
الحقبة الثالثة : وهي حقبة تداخل الخير مع الشر ، وهي الحقبة التي نعيشها الآن ، وهي النسبية لصراع الخير مع الشر .
الحقبة الرابعة : ينتهي الصراع ما بين الخير و الشر بهذه الحقبة لصالح الخير ، ليخرج الإنسان من النسبية إلى الكمال ، بامتلاكه النقاء ، فتلغى التشريع بالإيمان المعرفي ، ليصبح الإنسان غاية الوجود ، خليفة أهورا مزدا ، فينتهي التكوين .
علم النفس في الزرادشتية :
تنقسم النفس البشرية إلى قسمين ما دام الإنسان دون الكمال فهو أيضاً دون النقاء :
1. سبتامينو ( القوة المقدسة ” الطاقة المدركة” “أنا العليا” بمفهوم فرويد .تدعم هذه القوة سبع فضائل عليا ” الحكمة  و الشجاعة و العفة و العمل و الإخلاص و الأمانة و الكرم هذه الفضائل بمثابة الملائكة . تدفع هذه الفضائل القوة المقدسة النفس البشرية إلى الخير و النور والحياة والحق .
2. أنكرة مينوا : “القوة الخبيثة ” ” الطاقة غير المدركة” الخافية بمفهوم يونغ . وتساند هذه القوة سبع رذائل هي النفاق و الخديعة و الخيانة والجبن والبخل والظلم وإزهاق الروح وهي بمثابة شياطين . وتدفع هذه القوة الخبيثة  المتكونة من النقص في النفس البشرية إلى الشر والظلام و الموت و الخداع ، ويبقى هذا الصراع قائماً بين هاتين القوتين داخل النفس البشرية إلى أن يصل الإنسان إلى النقاء ، يقول زرادشت في الأفستا ، ترنيمة 303 ” منذ البدء أعلن الروحان التوأم عن طبيعتهما –الطيب و الشرير –بالفكر والكلمة و الفعل –بينها يختار الرجل الحكيم جيداً و لا يفعل هكذا الأحمق ” .

و حثت الزرادشتية الإنسان إلى معرفة نفسه ليصل إلى ذاته ودعته أن يتوحد فكره وقوله وفعله : مينش ، كونش ، كونيش ، فالفكر الصادق و القول الطيب و العمل الصالح هي أمهات الفضائل التي تخرج الإنسان عن انفصامه وتوصله لذاته .

نشر الدعوة في الزرادشتية :
يقول الزرادشتي :على الإنسان واجبات ثلاث أن يجعل العدو صديقاً والجاهل عالماً والخبيث طيباً ، فهي دعوة مسالمة إصلاحية ديمقراطية تعتمد الإقناع وسيلة للنشر وهي ديناميكية من خلال سعيها من المحسوس إلى المطلق وهي غير شمولية ، إذ تحمل الإنسان مسؤولية الارتقاء ، وقد نشر زرادشت دعوته في البدء عند النخبة ومن ثم تعممت .
مفهوم المنقذ ساأوشيانت :
 في الزرادشتية يحتج العقل البشري إلى منقذين يطورون هذا العقل ويجددون المفاهيم التي ترتقي بالإنسان أمثال الأنبياء و الفلاسفة والحكماء الذين يشكلون مفاصل التاريخ الفكري ، ومفاصل التجديد .

مفهوم المخلص في الزرادشتية :
أن غاية الخلق في الزرادشتية ليست جومرت ” آدم ” لأن التكوين لم ينته وإنما المخلص حامل العقل الخير الإنسان الكامل الذي أراده أهورا مزدا خليفة له وعلى ذرية جومرت أن تسعى لإيجاد المخلص لينتهي العذاب البشري المشكل من النقص الذي ألبس الإنسان خطيئة ، فأوجد الشعور الجمعي لديه ليكون بحثاً جماعياً عن هذا الإنسان الكامل الذي يمثل جهد العقل البشري و هو الوريث الفكري لجومرت وذريته فالكل في واحد والواحد في كل وهو مختصر الخليقة والكون دعاء كمنا مزدا –من غيرك يقدر على لطم الأعداء ويمدني بكلماتك الصادقة التي هي درعي والمحن الذي يحميني ؟ دلني مزدا –على قائد مخلص حكيم متلطف يقودني إليك .

يقول زرادشت في الأفستا 343 “أين أيها الحكيم سوف يكون المخلص مستحوذ ” العقل الخير ” هؤلاء الذين أحالوا العقائد و المورثات إلى معاناة وعذاب سوف يكون مصيرهم الجحيم ، ولكنني لا أعرف غيرك فأنقذنا بواسطة الحق.


للمقال تتمة في العدد القادم (أوراق كردية

المصدر اوراق كوردية
العدد 7 – 01.02.2003