الرئيسية » الآداب » شئ عن دور الجمعيات الثقافية الكردية في دول المنافي في نشر الادب والثقافة الكوردية

شئ عن دور الجمعيات الثقافية الكردية في دول المنافي في نشر الادب والثقافة الكوردية

بدا اريد تذكير القارئ الكريم ان موضوعا شاملا عن الجمعيات الثقافية في الشتات ودورها الثقافي يحتاج دراسة بحثية طويلة ومحاولتي هذه تدخل من باب المقدمة اكثر منها بحثا شاملا وعاما ولا تشمل كل دول المنافي ولا كل ما نشر فيها. ولكني ساحاول اخذكم معي عزيزي القارئ في سياحة قد تطول او تقصر على مر ثلاث عقود من الزمن من التجربة الشخصية قد تكون لاحقا سببا لخوض الاخرين من الكتاب المحترمين وخاصة هؤلاء من جمهرة المشاركين فعليا في ترسيخ دعائم الادب الكردي بصورة عامة.
هنا لا بد لي ان اذكر دور الرواد الاوائل ممن تركوا كردستان اثناء الحرب العالمية الاولى ايام الامبراطورية العثمانية وبعد انهيارها ودورهم الجليل في ارساء دعائم الادب الكردي في المنفى ولا ريب ان الرافد الانساني لم ينقطع ومنذ تلك الايام وتوالى العديد من الكتاب يوفدون دول المنافي خاصة فرنسا وسويسرا ومصر ولا يمكنني ان لا اذكر دور البدرخانيين في جهودهم النيرة في نشر الثقافة الكردية واصدار الصحف والكتب والمجلات من القاهرة الى باريس والدور الكبير الذي قام المثقفين الاوائل في تاسيس فروع اللغة والتاريخ الكوردي في جامعات تلك الدول وروسيا لاحقا.

العقود الثلاث الاخيرة شاهد نوعا اخر من الاجئين الكرد فقد كان التواجد الكوردي في اوربا متواضعا في بداياته يقتصر على العمال وخاصة هؤلاء القادمون من ظياع كردستان الشمالية. وكان هناك اخرون من طلاب الدراسة او ممن حصلوا على منح دراسية عراقية ابان السنوات الاولى لثورة الرابع عشر من تموز عام 1958 وقد تمكنوا فعلا من ارساء علاقات قوية مع شخصيات رسمية في دول كثيرة من اوربا الشرقية مثل رومانيا وبلغاريا والمانيا الشرقية والمجر وجوكسلافاكيا ودول كثيرة اخرى وكان جل المطبوعات السياسية تطبع في تلك الدول لتنشر لاحقا في الدول الاخرى. لم تكن اذن هناك جمعيات ثقافية بالمعنى الصحيح بل اخذت المنظمات الطلابية التابعة لاحد الاحزاب دورها في نشر المنشور السياسي وبقى العديد من الكتاب الكرد يكتبون في مجلات ثقافية عراقية اخرى تنشر معظمها في الخارج.
اما سنوات ما بعد اتفاقية الجزائر عام 1975 فقد شاهد نشاطا من نوع اخر. فقد قام العديدين من المثقفين اللذين شاركوا في الثورة ترك ايران متوجهين الى الدول الاوربية منهم من بدا بالدراسة ومنهم من عمل في مهنة حرة وما الى ذلك يطلق عليهم” مجموعة المائة” وربما كان ذاك عددهم. هؤلاء المجموعة الطيبة تحولوا لاحقا الى نواة مثقفة للشباب الكردي في اوربا الغربية ووصل عدد منهم الى الولايات المتحدة وكندا ودول اخرى. كما انهم كانوا رافدا من المتعلمين المثقفين وذو الخبرة للبرلمان الكوردي بعد اعلان تاسيس البرلمان بعد حرب الخليج الثانية 1991 في اقليم كردستان العراق.

ياتي اعوام ما بين 1975 الى 1980 عدد قليل من الاجئين الكورد يكون الطلاب القسم الاكثر والقسم الكبير الاخر يمثله مثقفي الكورد من كردستان الايرانية اللذين تركو ايران في سنوات الحرب بعد الثورة الاسلامية في ايران بينما يرتفع طالبي اللجوء السياسي شيئا فشيئا الى ان يصل الى ذروتها مع نهايات حرب الخليج الاولى التي رافقتها ماساة حلبجة والانفال.
تبقى الفترة ما بين عام 1991 والى يومنا هذا اعوام هجرة جماعية كردية الى المنافي ومن جميع اجزاء كردستان تقريبا.
كل ذلك ادى في النهاية الى تكوين جالية كبيرة من الكورد في دول اوربا ودول اخرى . هنا بدا التعارض بصورة عامة بين اهداف الحركات السياسية الكوردية ومطاليب المهاجرين واحتياجاتهم الثقافية وبدا العديد من النوادي الثقافية تنشا هنا وهناك وعلى ما اتذكر بدا التحظيرات في النمسا مثلا منذ اواسط الثمانينات لانشاء مركز او مجمع ثقافي كوردي. وقد كان للاستاذ “عزيز ميران” واخرون من اكراد تركيا وسوريا دورا كبيرا في تاسيس المركز الثقافي الكوردي لاحقا. وبد الاستاذ عزيز فورا بدراسة امكانية اصدار نشرة باسم المركز كنت قد صممت شعار المركز وانا جالس في نادي الطلبة الجامعين مع صديقي الموسيقار الدكتور رزكار خوشناو طيب, الله ذكرهم جميعا. وقد دعى المركز الشاعر الكوردي الكبير شيركو بيكس ليلقي بعض قصائدة عام 1987. اليوم توجد نوادي ومراكز ثقافية كردية في العديد من مدن اوربا ومن شتى الحلل والملل كباقة ورد كل يظيف لبنة الى اساس الثقافة الكوردية في المنافي.
اما الجالية الكوردية في السويد فقد كانت اكثر حظا من غيرها لان السويد وكما هو معروف ذو باع طويل وتقليد عريق في انشاء وتاسيس الجمعيات بكافة انواعها واشكالها واتجاهاتها. وقد كنت قد ذكرت في كتابتي السابقة عن توثيق الحركة المسرحية الكردية في المنافي والمنشورة على صفحات “اوراق كردية” في عددها السابق. كان في البدايات اتحاد جمعيات الكردية ومقرها في العاصمة استوكهولم ومن ثم تاسست العديد من الجمعيات الكردية التي تجمعت تحت مظلة الاتحاد وكان لاكراد تركيا دورا مهما في بدايات انشاء الاتحاد واليوم هناك تقريبا في كل مدينة سويدية فرعا للاتحاد يسمى على الاكثر “كومه له”. وقد بدا الاتحاد المركزي بنشر منشور متواظع عن اخبار الكورد وفعايات الفروع.

رغم التعارض الشديد بين اهداف الاحزاب السياسية الكردية وطرق نضالها مع الاتحادات و الجمعيات الثقافية والاجتماعية والصراع العقيم بين تلك الاحزاب للسيطرة والتفرد باكثر المقاعد اللجنة الادارية, يبقى هناك وميض امل وبصيص ظوء ينير فكر المثقف الحر والواعي والمستقل والبعيد كل البعد من عالم السياسة والسياسيين وقد يستمر ذلك الصراع الى امد طويل في المنظور البعيد.

يبقى الخاسر الوحيد هو الانسان العادي المقهور على امره , ذاك الذي ترك همومه في وطنه كي لا يعيش ومن جديد كل ذلك حتى في منفاه. فالهدف الاساسي من الاتحادات الثقافية والاجتماعية لا تتعدى الطابع الثقافي والاجتماعي, فهي من ناحية تجمع الناس ليتحاوروا بينهم ولقظاء الاوقات الطيبة في الاماسي والاحتفالات بالاعياد الوطنية, ومن ناحية اخرى تقديم خدمة لابناء الاجئين في بلاد الغربة كي يتعارفوا مع اقرانهم كي يزيد في انتمائهم لشعبهم ويزيد في شعور انتمائهم ويقوي لغتهم وشخصيتهم , يفرحون معا ويحزنون وقد يتفق مجموعة منهم في اصدار منشور و او مجلة ثقافية لتعريف القارئ بادب وعلوم الشعوب اللذين يعيشون في ظهرانيهم. وهناك العديد من المحاولات الجادة قام بها المثقفين من كردستان ايران وكان للسيد نعمت الكاكئي ومكتبته الكردية دورا مهما في نشر المجلات والنشرات الكردية وبعض الكتب المتواظعة, ولا يزال مستمرا في خدمته الجليله هذه اذ يدير مكتبة في العاصمة استوكهولم وله علاقات وثيقة بجميع المثقفين الكرد.
لقد اثر انعكاس الصراع السياسي للاحزاب السياسية دوما على مجرى العمل في تلك الجمعيات وقد ادى ذلك الى انعزال العديد من ابناء الجالية الكوردية المهاجرة. وقد يكون من المفيد ها هنا الاشارة الى ان تقاليد انشاء وادارة الجمعيات مهمة جدا في استمراريتها فاكراد تركيا اكثر معرفة بالشؤن التنظيمية كما نرى مثلا ابناء الشعب الكلدو اشوري ذو خبرة طويلة في مجال انشاء النوادي الثقافية, وقد نجحوا في المهجر في الاستمرار في تقاليدهم هذه. بينما نرى الاتجاة الثقافي للنشر والابداع الثقافي في اكراد سوريا وايران.
هنا علينا الاشارة بان الانتاج الفكري السياسي لبعض الاحزاب السياسية الكوردية تاخذ من الساحة الثقافية للنشر مساحة كبيرة جدا لا يدخل ضمن كتابتي هذا.
اكرر ندائي مع كل المثقفين الخيرين طالبا من مثقفي الكورد و الاكاديميين مواصلة النشر الواعي وتوثيق الحياة الثقافية للكورد في دول المنافي كي يورث الاجيال القادمة كنزا من الانتاج الادبي والمترجم من جميع لغات الدنيا التي انتشروا فيها.
المصدر:
اوراق كوردية العدد 7
15.01.2003
الدكتور توفيق آلتونجي (2000)