الرئيسية » مقالات » تغييرات في القاعدة الاجتماعية للحكم في إيران

تغييرات في القاعدة الاجتماعية للحكم في إيران

شهدت أكبر المدن الإيرانية في الأيام الأخيرة أوسع الإضرابات في بازار العاصمة الإيرانية ومدينة أصفهان وتبريز وبعض المدن الرئيسية الأخرى. إن هذا الاحتجاج “البازاري” يعد الأول من نوعه في ظل الحكم الديني في إيران منذ سقوط الشاه في عام 1979. فقد كان البازار في كل العهود التي سبقت انهيار الشاه مركزاً هاماً داعماً للمعارضة الدينية الإيرانية، ولعب دوراً سياسياً بارزاً في كل الأحداث التي شهدتها إيران في القرن العشرين لصالح التيارات الدينية المتشددة.
لقد شهدت الفترة التي سبقت سقوط الشاه ولعقود مديدة تحالفاً ثابتاً بين البازار كمركز اقتصادي مؤثر في المجتمع الإيراني وبين المؤسسة الدينية في إيران. فقد تطابقت مصالح الفئتين الاجتماعيتين وعارضت حكم الشاه لأسباب اقتصادية واجتماعية بالدرجة الأولى. فالبازار بما يمثله من مصالح الرأسمال التجاري ومصالح الانتاج السلعي الصغير قد عارض حكم الشاه بسبب توجه الشاه خاصة بعد “ثورته البيضاء” نحو دعم الرأسمال الكبير كي يحد تدريجياً من النفوذ الاقتصادي للبازار وإضعاف تأثيره السياسي وتأثير المؤسسة الدينية. وما كان للبازار والبازاريين الإيرانيين من طريق إلاّ طريق التحالف مع المؤسسة الدينية التي كانت تحتاج هي الأخرى لمصادر مالية ودعم سياسي كي تحمي المؤسسة الدينية ومكانتها خشية أن يتراجع دور المسجد السياسي والروحي، إضافة إلى دوافع أخرى. وهكذا شهدت البلاد عشية الثورة الإيرانية تحالفاً واسعاً ضمّ تيارات اجتماعية وسياسية وفكرية متناقضة، كما لها تناقضاتها المتباينة مع نظام الشاه. ولكن كل هذه القوى المتناقضة جمعها هدف واحد هو إسقاط ذلك النظام الاستبدادي. وأصبح محور هذا التحالف غير المعلن بين التيارات المتناقضة هو التحالف الوثيق بين المؤسسة الدينية التي تزعمها الراحل آية الله الخميني وبين المؤسسة البازارية، والذي تحول إلى أنشط قوة منظمة وتتمتع بقدرة مالية ومعنوية وسياسية لا تتمتع بها أية تيارات أخرى عشية الثورة الإيرانية. وأستطاع هذا التحالف من خلال رفع شعارات العداء للاستبداد والتصدي للنفوذ الغربي أن يتصدر موجة التغيير التي عصفت بالبلاد. إن هاتين القوتين المتحالفتين كانتا تعارضان السياسة الآمرية للشاه في المجال الاقتصادي والاجتماعي والثقافي واحتكاره ومن حوله للأنشطة الاقتصادية الكبيرة التي تنذر بإزاحة الإنتاج التقليدي.ولكنها كانتا تسعيان إلى إعادة عقرب البناء الاقتصادي إلى الوراء، أي إلى هيمنة الرأسمال التجاري والرأسمال السلعي الصغير التقليدي الذي بدأ دوره يتقلص كعملية موضوعية.
لقد تمكن هذا التحالف بعد الثورة من فرض سيطرته بالترغيب والترهيب على الحياة السياسية والاقتصادية والاجتماعية عبر التنكيل بكل القوى الاجتماعية والسياسية التي لا تذعن لإرادة هذه القوة الدينية ونهجها الاقتصادي والاجتماعي. واستطاع هذا التحالف الهيمنة على كل مرافق النشاط السياسي والاقتصادي والاجتماعي في البلاد. واستحوذ هذا التحالف، بفعل تشريعات صادق عليها مجلس الشورى الإسلامي، على كبريات المؤسسات الاقتصادية والمالية للشاه وعائلته والبطانة المحيطة به بعد تأميمها، وأصبحت تحمل عناوين جديدة مثل “بنياد مستضعفان” و “بنياد شهيد” وغيرهما. ووجهت هذه الإجراءات ضربة جديّة للإنتاج الكبير والمؤسسات الصناعية الكبيرة وعرقلت نموها وأزالت بعضها، خاصة تلك التي لها صلة بالدول التي توترت علاقاتها مع إيران بعد الثورة. كما شُرّعت الكثير من القوانين التي تصب في صالح البازار، الرأسمال التجاري والسلعي الصغير، مما أنعش هذين القطاعين على حساب الإنتاج الكبير الحديث. هذه السياسة الاقتصادية ألحقت ضرراً كبيراً بالتقدم الاقتصادي ودائرة الإنتاج الحديث في إيران من ناحية، ومن ناحية أخرى أدت إلى تعاظم جيش العاطلين عن العمل بسبب عدم قدرة القطاع التقليدي، البازار الذي استند إليه الحكم، على تأمين فرص العمل لجيش العاطلين الذي تعاظم مع الزيادة الكبيرة في سكان إيران من 17 مليون نسمة بعيد الثورة إلى 70 مليون في الوقت الحاضر.
لقد تعرضت الجمهورية الإسلامية، التي حُكمت من قبل المؤسسة الدينية والبازار، إلى أزمات في العلاقة بين التيارين المتحالفين. ولكن كانت تتم معالجة هذه الأزمات الطارئة من خلال تدخل المؤسسة الدينية التقليدية، وتعود العلاقات إلى مجاريها على أساس الالتزام بحفظ مكانة رجال الدين في الحكم وتأمين مصالح البازار.
إلاّ أنه خلال العقود الثلاث من عمر العهد الجديد، شهد المجتمع الإيراني ظاهرتين تتعارضان كلياً مع نهج المؤسسة الدينية والبازار الذين يحكمان البلد. فإن الحاجة إلى البناء الاقتصادي الكبير والحديث، والحاجة إلى إقامة علاقات طبيعية مع الدول المتقدمة، إضافة إلى التغيرات التي طرأت حتى على البنية الاجتماعية لقاعدة الحكم، تؤشر على نهاية شهر العسل بين المؤسسة الدينية والبازار والنخب الحاكمة في إيران. إن بناء اقتصاد حديث يفترض بنية حديثة وتشريعات تنسجم مع هذا الاقتصاد الحديث. فلا يمكن حتى بناء قاعدة صناعة عسكرية، كما يطمح إليه حكام إيران، ولا بناء مؤسسات صناعية كبيرة متطورة عبر أساليب الإنتاج التقليدية ولا بالموارد التي يحصل عليها رجال الدين من المؤسسات التي هيمنوا عليها أو من مصادر أخرى والتي لا تخضع إلى الحسابات القانونية للدولة ورقابتها. إن ما تحتاج إليه إيران كي تستجيب لحاجات التطور الاقتصادي هو إصدار تشريعات حديثة تخدم الفئات الصاعدة المرتبطة بالإنتاج الحديث وليس التقليدي، إضافة إلى توفير الأجواء السياسية الاقئمة على الديمقراطية. ويضاف إلى كل ذلك ما أفرزه نفس النظام الحالي من جيل جديد ومصالح جديدة لا تتطابق مع مصالح الفئات التقليدية التي هيمنت على الحكم. فقد انفصل وسط من جيل “الثورة” طبقياً عن الفئات الاجتماعية التي ترعرع في وسطها. وهذا بالتالي أدى إلى تفاوت في الرؤى عن نظرات الجيل الذي حكم البلاد خلال الفترة المنصرمة. فهذا الجيل الجديد تبلور أثناء الحرب العراقية الإيرانية وتأهل وتسلق المراكز العسكرية والإدارية واحتل مواقع هامة فيها. كما شكل هذا الجيل تياراً جديداً لم يكن له وجود أثناء الثورة. وعلى الرغم من أن هذا التيار هو وليد التشكيلة التي كانت تحكم إيران خلال العقود الثلاثة الماضية، إلاّ أنه أصيب بالغرور والسعي لتأمين مصالحه، وراح يسعى إلى الاستقلال عن “أربابه” القدامى وإلى احتكار السلطة والاقتصاد بدون أية مشاركة أو دعم من البازار ورجال الدين، وهما الآباء الروحيون لهذا التيار. أنه تيار غير قابل للانضباط ونشط ونهم ويسعى إلى اكتساح كل منافس له وبنفس الأساليب الاستبدادية التي تربى عليها في العقود السابقة. فقد شرع هذا التيار، المدعوم من القوة العسكرية لحرس الثورة (الپاسداران) بالتحول إلى قوة اقتصادية فعالة تأخذ على عاتقها بناء منشآت نفطية ضخمة وصناعة عسكرية متطورة برساميل ضخمة، والدخول في المناقصات الكبرى التي تطرحها الدولة، وتتنافس مع كل القوى الاقتصادية في البلاد.
ومن هنا يمكن أن نفهم مبادرة الحكومة الحالية، التي تدعم هذا التيار وتلقى الدعم منه، وتحت ضغط الحاجة والواقع وثقل الأزمة الاقتصادية الاجتماعية ومن أجل الخروج منها، علاوة على المنافسة الجارية بين الأطراف المتصارعة، إلى اتخاذ سلسلة تدابير ضريبية للحد من الامتيازات الطفيلية للقطاع التقليدي، أي البازار الذي كان محور النشاط الاقتصادي والسياسي منذ الإطاحة بالنظام الشاهنشاهي في عام 1979. فقد أصدرت الحكومة قراراً بفرض “ضريبة القيمة المضافة value added tax ” وقدرها 3% على البضائع المتداولة في الأسواق الإيرانية، بما يعني الحد من الأرباح التي يحصدها البازاريون والرأسمالية التجارية التي تحول جزء من واردها إلى رجال الدين، مما حدا بالتجار في المدن الرئيسية إلى إغلاق البازار في طهران ومدن إيران الرئيسية احتجاجاً على قرار الحكومة لأول مرة منذ إعلان الجمهورية الإسلامية في إيران. هذه الضريبة تفرض في غالبية دول العالم، وهذه النسبة لا تشكل رقماً كبيراً في بلد مثل إيران بلغ حجم التضخم فيه نسبة 27% بحيث تثير مثل هذه الاحتجاجات. ولكن هذا الإجراء هو مؤشر على تخلي الجمهورية الإسلامية الإيرانية عن أحد أركانها أي البازار، وهذا ما يثير حفيظة البازاريين ورجال الدين المتعصبين الذين يعيشون على الموارد التي تأتيهم من البازار.
كما إن لموقف رجال الدين المعارض هذا خلفية تعود إلى الفترة التي تلت تولي أحمدي نژاد رئاسة الجمهورية ضمن خيمة ولي الفقيه، ولكن بدعم أحد الأطراف المتصارعة ضمن هذه الخيمة وهو التجمع الذي يقوده مصباح يزدي. فهذا التيار رغم تعلقه الشكلي بولاية الفقيه، إلاّ أنه كان يشعر بردود فعل الشارع الإيراني السلبي إزاء تهافت رجال الدين نحو السياسة، وأضرار الدمج القسري للدين بالسياسة وخطر ذلك على مكانة المؤسسة الدينية في المجتمع، هذه المكانة التي بدأت بالانحسار بشكل واضح نتيجة لانغمارها في دروب السياسة. لقد أخذ هذا التيار بالنمو وبدأ يتحول إلى قوة سياسية اجتماعية واقتصادية مؤثرة. وليس من قبيل الصدفة أن يعلن أحمدي نژاد وبتحدي وبصراحة وبشكل غير متوقع، حيث قال أن من واجب رجال الدين أن يوكلوا أمر الحكم إلى رجال الحكومة وعدم التدخل في شؤونها ويتفرغوا لمهامهم الدينية. هذا التصريح غريب للغاية فهو صادر من شخص لم يتول رئاسة الجمهورية إلا على أكتاف رجال الدين. ولا يمكن أن يصدر مثل هذا التصريح بدون موافقة ولي الفقيه أيضاً، مما يعبر عن وجود صراع عنيف داخل المؤسسة الدينية. إن أكثرية من رجال الدين البارزين في قم ومنذ مدة يتابعون محاولات تهميشهم تدريجياً، وإن نفوذهم بدأ يتداعى ولم تعد امتيازاتهم مؤمنة وكلماتهم وطلباتهم مسموعة كسابق عهدها. ويخشى هؤلاء من رواج المقولة التي كان يطرحها المفكر الإسلامي الإيراني المرحوم علي شريعتي قبل الثورة والداعي إلى “إسلام بدون رجال دين”، ويتحول الآن إلى “جمهورية إسلامية بدون رجال الدين”.
إن هذا التحول يعد مؤشراً على أن الورقة الدينية لم تعد الورقة المفضلة والمؤثرة ولا الفاعلة بيد حكام إيران لفرض استبدادهم، فخدعة التلويح والتستر بالدين لم تعد تنطلي على المواطن الإيراني. ولذا فهم يسعون إلى نمط جديد “حديث” و”متحضر” من الاستبداد كي يطيلوا عمر حكمهم المعادي للديمقراطية، نمط يروض المؤسسة الدينية ويخضعها له وليس العكس، مع الحفاظ على المؤسسة الدينية كورقة من الأوراق التي بستغلها أي من الأنظمة الاستبدادية. ولابد إننا قد نشهد تفاعلات غير متوقعة على هذه المتغيرات في قمة المؤسسة الدينية وتأثيرات ذلك على الوضع الداخلي الإيراني وعلى علاقات إيران الإقليمية والدولية.

17 تشرين الأول 2008