الرئيسية » مقالات » العالم بعد الأزمة المالية والركود الاقتصادي: ديون وحمير

العالم بعد الأزمة المالية والركود الاقتصادي: ديون وحمير

أعلنت رئيسة الاحتياطي الفدرالي في سان فرانسيسكو، جانيت يلين، يوم الأربعاء 15/10 أن الولايات المتحدة دخلت في حالة ركود اقتصادي. إن هذا الإعلان أتى ليضع حدا للتفاؤل الضئيل بقدرة الولايات المتحدة وحلفائها في أوربا واليابان على الحد من تداعيات أزمة النظام المالي العالمي، وفي ذات الوقت الذي تتوالى فيه الإحصاءات الهلعة بالخسائر المالية الفادحة المؤكدة لحصيلة واحدة ؛ ضياع تريلونات وتريونات من الدولارات الأمريكية، كما أن كل تفاصيلها تنوء تحت صرخة استغاثة نجدة من كارثة مالية عالمية وشيكة تعيد مرارات سنوات الكساد العظيم الذي طحن العالم في أعوامه الأربعة 1929- 1933. كساد كان جذوة قعر التنور للحرب العالمية الثانية 1939- 1945. الاقتصاديون الذين رصدوا تداعيات هذه الأزمة أكدوا أن تباشير وقوعها ظهرت جلية في الولايات المتحدة والتي يشكل اقتصادها ربع اقتصاديات بلدان العام مجتمعة، في الأشهر الاخيرة من عام 2000 والأشهر الأولى من عام 2001، وان أزمة النظام المالي العالمي هي إحدى تجليات الأزمات الدورية الملازمة للنظام الرأسمالي التي يحددون دورتها بمراحل أربع، تبدأ بمرحلة الانتعاش ثم الازدهار ثم الركود فالكساد.

لقد اجمع حتى المدافعون عن الليبرالية الجديدة أن الجشع والنهم وحمى التسابق لتحقيق اكبر قدر من الأرباح بدون أية ضوابط وبكل الأساليب من قبل مؤسسات الرهون العقارية و كارتلات البنوك الأمريكية وارتباطاتها العالمية، كان أمرا حاسماً في اندلاع الأزمة المسببة لهذا القدر من الخراب الاقتصادي وإعلان إفلاس اكبر مؤسستين للرهون العقارية في الولايات المتحدة. كما أن خيرة المحللين الاقتصاديين يجدون صعوبة ومعهم أساطين الاقتصاد الرأسمالي في التوصل لحل يدرأ فداحة الخسارة الكارثية، ولم يكن لديهم إلا الاتجاه إلى ميزانيات الحكومات لنهبها بدعوى المساعدة. إن الليبرالية الجديدة أو الأحدث في طرازها هي التي نادت في عهد الرئيس الأمريكي رونالد ريكان ورئيسة وزراء بريطانيا ماركريت تاتشر أثناء عقد ثمانينات القرن الماضي إلى شن الحرب على قطاع الدولة وخصخصة كل منشآته، وقامت السيدة الحديدية بتصفية هذا القطاع وبيعه في بريطانيا، ورفض أي شكل من أشكال الإسهام أو المراقبة الحكومية على اقتصاد السوق في الولايات المتحدة أو بريطانيا رغم المعارضة الشعبية الواسعة.

إن خطر ركود اقتصاد الولايات المتحدة الأمريكية وفق تأكيد الاقتصاديين الرأسماليين لابد له أن يمتد ليشمل بلدان العالم الأخرى الغنية منها و الفقيرة على السواء، وبدون اجتهاد كبير فان وقع وتداعيات الأزمة المالية الأمريكية العالمية سيكون أشد وطأة على البلدان الأشد فقرا في إفريقيا واسيا وأمريكا اللاتينية والتي يتجاوز عدد فقرائها ثلثي سكان العالم . وبات العالم كله مهددا بخراب اقتصادي شامل إذا ما انحدر إلى مرحلة الكساد. فمن هو المسؤول عن هذه الجريمة المرتكبة بوعي وإصرار من قبل مبتكري ومنفذي الليبرالية بأحدث طراز لها. وهل هناك من محكمة دولية على غرار محاكم مجرمي الإبادة الجماعية للجنس البشرى، تتولى تقديم مسببي الركود الاقتصادي العالمي إلى محكمة دولية عادلة جراء جشعهم واستهتارهم بمصير عيش مليارات وليس ملايين من البشر. ربما السخرية السوداء والمرة تعكس جانبا من تعالي و عنجهية وغطرسة هؤلاء تجاه فقراء العالم “الحمير”، الذين “يستحقون” مصير تصديقهم وعود هؤلاء اللبراليين.. السخرية وكما انتشرت في الأيام الاخيرة منسوبة إلى خبير مالي ُطلب منه أن يُبَسّط للناس العاديين أسباب الكارثة التي حصلت في أسواق ‏الأسهم، ‏ فقال: ذهب رجل إلى قرية ‏نائية، عارضاً على سكانها شراء كل حمار لديهم بعشرة ‏دولارات.‏ ‏فباع قسم كبير منهم ‏حميرهم، بعدها رفع السعر إلى 15 ‏دولاراً فباع آخرون، ‏فرفع سعره إلى ‏ثلاثين، حتى نفدت الحمير من لدى أهل القرية.. عندها قال لهم: أدفع 50 ‏دولاراً لقاء الحمار الواحد.‏ ‏وذهب لتمضية عطلة نهاية ‏الأسبوع في المدينة. ثم جاء مساعده ‏عارضاً على أهل ‏القرية أن يبيعهم حميرهم السابقة بأربعين دولاراً للحمار الواحد، على أن يبيعوها ‏مجدّداً لسيده بخمسين دولارا يوم الاثنين، ‏فدفعوا كل مدّخراتهم ثمناً لشراء حميرهم، ومن لا يملك مالا اقترض ‏واستدان علي أمل تحقيق مكسب سريع.. و بعدها لم يروا ‏الشاري ولا مساعده أبدا، جاء الأسبوع التالي وفي ‏القرية ‏أمران فقط؛ ديون، ‏وحمير..‏!