الرئيسية » مقالات » الإعصار المالي وقضيتنا الوطنية ! 1 من 2

الإعصار المالي وقضيتنا الوطنية ! 1 من 2

يتسبب الإعصار المالي الأميركي بموجة هائلة تجتاح العالم، وهي اضافة الى محتواها المالي فانها تثير مشاعر صاخبة يختلط فيها الفرح بالترقب . . فرح من ظهور علامة هامة على فشل ستراتيجية وتاكتيك القطب العالمي الأوحد وفشل مفهوم اقتصاد السوق الحر ( الليبرالي الجديد )، الداعي الى حرية السوق بلا حدود ولا ضوابط دولتية . . وترقّب وخوف نابعان من التساؤلات المشروعة عن الآفاق سواء كانت عالمية او اقليمية . . وماسيجري على الصعيد المحلي اليومي المعاش في البلدان النامية التي منها بلادنا المبتلاة .
ويرى اكثر المحللين والمتابعين لتطورات قضيتنا الوطنية و لعموم الشأن العراقي، ان الإعصار المالي الحاصل ليس مفاجئة . . وانما بدأت اعراضه تُلمس في القضية العراقية منذ اكثر من سنتين حين تصاعدت اصوات اعضاء كبار في ادارة الرئيس الأميركي بوش، طالبت بلا انقطاع بتحميل الجانب العراقي قسماً هاماً من نفقات قوات الأحتلال لـ ( تكاليفها اليومية الباهضة التي ترهق الخزانة الأميركية) آنذاك وبايجاز شديد، واسفرت عن تشكيل مجلس الشيوخ الأميركي لجنة بيكر ـ هاملتون (الديمقراطية /الجمهورية) التي زارت العراق و توصلت الى مشروعها في ايلول 2006 ، الذي جرى التركيز فيه اساساً على سبل تقليل نفقات الإدارة الأميركية على قواتها في العراق و على السعي للأستقرار بـ (التفاهم) مع دول المنطقة، لتخفيف موجود القوات الأميركية و بالتالي لتقليل الإنفاق الحكومي الأميركي الباهض عليها، على حد وصف المشروع .
و قد استمرت الضغوط المتنوعة للقطب النفطي الصناعي العسكري الأميركي الأكبر، لتحقيق مردودات مالية هائلة من العراق بدعوى سد ذلك العجز ابتداءً ـ رغم اجواء التعتيم ـ . . وفي مقدمة تلك الضغوط ، الضغوط في قضية عقود النفط على اساس (عقود المشاركة) بشكل مطلق، اضافة الى محاولات الأستحواذ على اموال العراق الكبيرة المودعة في البنوك الأميركية بعشرات المليارات بشتى الحجج و الدعوات، ثم في قضية الأتفاقية الأمنية الأميركية ـ العراقية المزمع عقدها ، وسط ردود افعال سياسية شعبية عراقية صاخبة طالبت وتطالب بالأعلان عن المسودات الأخيرة لها على الأقل للأطلاع العام عليها بدل حصرها في مناقشات غرف مغلقة . . . لمناقشتها و التهيؤ للتصويت عليها، ووفق الدستور و روحية العمل به .
من جانب آخر، وفيما ينشغل عديد من الباحثين والإقتصاديين و السياسيين والمحللين الدوليين و الوطنيين ـ نسبة الى الأوطان ـ بأسباب الإعصار و تفاصيله و مخاطر سريانه ومداه، وسبل مواجهته، لتقليل خساراته وتأثيرها العالمي على المراكز الإقتصادية، المالية، النفطية، الصناعية و العسكرية وغيرها . . وتثار جدالات و مناظرات جادة لا يتوقع لها ان تنتهي بسهولة . . تتراوح بين تقديرات كون ذلك الإعصار المالي هو سمة ثابتة من سمات الرأسمالية، و بين تساؤلات ان كان ذلك الإعصار يشكّل حتفاً للرأسمالية ؟! و بين كونه حداً صار يفرض بقوة مسألة أعادة بناء نظام مالي رأسمالي دولي جديد على اساس تعدد الأقطاب و وضع حدود وقيود و رقابة مالية من نوع جديد .
يرى عديد آخر بان ذلك الإعصار، يشكّل ضربة هائلة لمفهوم ( حرية السوق ) الذي نادى وينادي به الليبراليون الجدد من جهة و ضربة هائلة لمفاهيم : ( نهاية التأريخ)، ( الفوضى الخلاّقة )، ( الضربة العسكرية الوقائية ) و محاولات اعتمادها كنهج ثابت وغيرها، اضافة الى تشكيله ضربة كبيرة لمحاولات تسيّد و هيمنة صندوق النقد الدولي و البنك الدولي اداتي القطب الصناعي العسكري النفطي الأميركي . . من جهة اخرى .
و يرون انه يشكّل ازمة رأسمالية عالمية من نوع جديد بسبب العولمة و تشابك المصالح المتنوعة و بسبب الحركة غير المقيّدة لرؤوس الأموال و التداخل المذهل للشركات المتعددة الجنسية وللإحتكارات المتنوعة، سواءً فيما بينها او تداخلها و تسلطها و تفاعلها المتنوع مع الهياكل الإقتصادية القائمة للدول النامية . .
ازمة تسعى فيها الإحتكارات المالية و الإتحادات البنكية الرابحة فيها التي تضم اكثر المستثمرين نهماً والصاعدين الجدد بينهم، اضافة الى مضاربين ماليين وقانونيين و اداريين، مضاربين في سوق تحويل العملات وفي اسواق الأسهم و البورصات . . الساعين و بشكل محموم الى ترحيل اضرارها واعباء تكاليفها و سد عجزها ـ بتأميم دولها للبنوك الخاسرة والتي اشهرت خسارتها ـ . . الى كاهل مواطنيها من دافعي الضرائب، حيث سيقع العبء الأكبر على الفئات والطبقات الفقيرة و المتوسطة في دولها هي، من جهة . و يسعون من جهة اخرى الى ترحيلها الى البلدان النامية التي بدأ عدد منها يزداد انيناً مؤخراً بسبب التصاعد السريع و المريع لأسعار المواد الغذائية الأساسية و اسعار المحروقات .
في اطار يشكّل نهجاً دأبت عليه وجرى و يجري تجديده ليتلائم مع العصر . . نهج تصدير الأزمة المالية الى الدول النامية وتشديد الأستغلال هناك ( لجملة اسباب و مقارنات لايتسع لها المقال) لتحقيق ارباح اكبر . . خاصة وان الحديث يدور عن ان اوساطاً خبيرة بالمضاربات المالية في الشركات والإحتكارات المالية الأميركية المتعددة الجنسية . . وظفت خبرتها و علومها و اجهزة معلوماتها المتتابعة للنفوذ في الثغرات القانونية، و تحرّكت من مواقعها المصرفية والإدارية في استثمار و تعميق تلك الأزمة التي دارت و تدور و تتراكم منذ سنوات، لزج اوسع الأوساط المالية في الغرب الى نهجها المالي القانوني العسكري و لفرض و تحميلها ايّاها اعباء نهجها . . و الى تحقيق اعلى الأرباح بتصدير الأزمة الى الدول النامية تحت غطاء السعي لأيجاد حلول لتغطية عملاتها الهابطة . . بالذهب والنفط والماس و غيرها من البلدان النامية بالأخص، اضافة الى العملات الصعبة الفاعلة الآن كاليورو . . (يتبع)

17 / 10 / 2008 ، مهند البراك