الرئيسية » مقالات » ما الدور والمكانة التي تسعى إليهما إيران في المعادلة الإقليمية والدولية الراهنة ؟1-2

ما الدور والمكانة التي تسعى إليهما إيران في المعادلة الإقليمية والدولية الراهنة ؟1-2

الصراع حول قيادة منطقة الشرق الأوسط
منذ أكثر من خمسة عقود لم يتوقف التنافس والصراع بين أبرز دول منطقة الشرق الأوسط لاحتلال الموقع الأول وامتلاك القدرة في التأثير المباشر على سياسات بلدان المنطقة ومشاركة الدول الكبرى في تقرير السياسة العامة وتحقيق المصالح الخاصة. وقد كانت هذه المنافسة تجري في ظل وجود معسكرين متصارعين وتحت وطأة الحرب الباردة , التي كانت تتفاقم سنة بعد أخرى ويشتد معها سباق التسلح على الصعيدين العالمي والإقليمي ويستنزف موارد مالية كبيرة من خزائن هذه البلدان وتأجيل أو إضعاف عملية التنمية المادية والبشرية فيها. وكان ميزان القوى على الصعيد العالمي يلعب دوره المباشر في التأثير السلبي أو الإيجابي على ميزان القوى السياسية والعسكرية في المنطقة بعد أن توزعت بلدان المنطقة بهذا القدر أو ذاك , ورغم التداخل القائم بينهما , على المعسكرين بين مؤيد لهذا المعسكر ومعارض لذاك. وكان المتتبع للأوضاع السياسية في المنطقة يلاحظ وجود ثلاثة مستويات من المنافسة والصراع لاحتلال الموقع الأول بين دول المنطقة , وهي:
1 . صراع في ما بين بعض الدول العربية حول من يحتل الموقع الأول في التأثير على السياسة الخارجية لدول المنطقة وفي علاقته مع الدول الكبرى. وكانت الدول المتنافسة بشكل خاص هي مصر والسعودية والعراق. وكان العرب يعترفون من حيث المبدأ بالمكانة والدور البارزين والرئيسين لمصر في فترة عهد عبد الناصر. ولكن لا حكام الرياض ولا حكام بغداد كانوا يقبلون في أن تكون مكانة عاصمتيهما هي الثالثة أو الثانية بعد القاهرة , رغم واقعية ذلك.
2 . كما برزت منافسة ثانية بين تركيا وإيران ومصر وإسرائيل حول هذا الموقع على صعيد منطقة الشرق الأوسط, أمكن تخفيفة من خلال ربط العديد من دول المنطقة بحلف بغداد , إذ كانت تركيا وإيران وباكستان والعراق أعضاء في هذا الحلف , إذ تقلص بذلك التنافس مع إسرائيل بسبب العلاقات الجيدة بين تركيا وإيران من جهة وإسرائيل من جهة أخرى. ولكن استمر وتفاقم الصراع مع مصر وحليفتها سوريا حينذاك.
3. وكان الصراع والتنافس الثالث يدور بين الدول العربية وإسرائيل. إلا أن دولة إسرائيل , رغم قوتها العسكرية ودعم الغرب لها , لم تكن قادرة على احتلال موقع خاص في هذا التنافس لأسباب ترتبط بالصراع الفلسطيني الإسرائيلي والعربي الإسرائيلي والإسلامي الإسرائيلي حول الدولة الفلسطينية ومدينة القدس. وتمكنت تركيا من تعزيز مواقعها بسبب وجودها عضواً في الحلف الأطلسي , في حين عززت إيران الشاه مواقعها عبر تحالفها الرئيسي مع الولايات المتحدة الأمريكية , ووجود الدولتين في حلف بغداد (السنتو).
مع سقوط حلف بغداد بعد ثورة تموز 1958 في العراق برزت مواقع قوة جديدة تسعى لفرض نفسها على دول المنطقة , وخاصة بين إيران وتركيا , إضافة إلى مصر والسعودية. إلا أن هذه الصراعات بقيت أحياناً في المؤخرة في مقابل الصراع مع إسرائيل والدول العربية , في حين كانت لإيران وتركيا علاقات متقدمة مع إسرائيل. وكانت إسرائيل تشكل القوة الاقتصادية والعسكرية الأولى , رغم كل التسلح العربي وأموال النفط العربية , إضافة إلى الدعم المالي والعسكري والمساندة المستمرة من جانب الولايات المتحدة الأمريكية وبقية الدول الغربية لإسرائيل. ولم يستطع وجود الاتحاد السوفييتي ولا الحرب الباردة تغيير ذلك التوازن لصالح الدول العربية أو لصالح أي دولة عربية في صراعها لقيادة العالم العربي.
وبعد سقوط الشاه برز الصراع الشديد على احتلال موقع خاص في منطقة الشرق الأوسط بين مصر والعراق والسعودية , إضافة إلى محاولات إيرانية جنينية جديدة وكثيفة بالارتباط مع سيادة حكم المؤسسة الدينية في إيران لتحقق لها هذا الدور. وكان العراق بقيادة صادام حسين يتطلع إلى أن يحتل موقعاً خاصاً في تقرير سياسة منطقة الشرق الأوسط من خلال عدة إجراءات مهمة:
1. تعزيز علاقاته السياسية والاقتصادية والعسكرية مع الغرب والشرق وكسب ثقتهما وتنشيط دوره في التدخل لحل مشكلات المنطقة.
2. كسب ود وصداقة الولايات المتحدة الأمريكية في رفض التغيير الذي حصل في إيران والاقتراب منها لتحقيق التعاون المتعدد الجوانب بينهما.
3. تطوير إمكانياته العسكرية التقليدية وغير التقليدية وزيادة ترسانته من الأسلحة الهجومية المستوردة والمنتجة محلياً , إضافة إلى عقد اتفاقية التعاون مع فرنسا لإقامة المفاعل النووي في بغداد , والبدء ببحوث لإنتاج الأسلحة المحرمة دولياً , يضاف إلى ذلك اتفاقية الصداقة العراقية السوفيتية الموقعة في العام 1972.
4. الاستفادة من العزلة العربية التي تطوقت بها مصر السادات بعد زيارته المنفردة إلى إسرائيل في العام 1979 وعقد اتفاقية الصلح وفك الاشتباك وإنهاء حالة الحرب معها وإقمة العلاقات الدبلوماسية والسياحية والاقتصادية والتجارية بين البلدين.
5. تطوير علاقات واسعه مع الدول العربية ودول عدم الانحياز وعقد مؤتمر القمة العربية في بغداد ثم البدء بالتحضير لعقد مؤتمر قمة دول عدم الانحياز في بغداد والاتفاق على انتخاب صدام حسين رئيساً له لدورته الجديدة بعد فيدل كاسترو.
6. إغراء الكثير من دول العالم بالكثير من العطايا والمنح المالية والنفطية السخية في مقابل للحصول على تأييدها , مع تنشيط الدبلوماسية العراقية على صعيد جميع دول العالم وتوسيع علاقاته الاقتصادية والتجارية بها والاستفادة من موارد النفط المالية لهذا الغرض.
إلا أن حرب الخليج الأولى التي أشعلها النظام العراقي ضد إيران ودامت قرابة 8 سنوات أحبطت هذه المهمة ودفعت به إلى الوراء في الصراع على لعب الدور المميز في الساحة الشرق أوسطية , كما لم تعد إيران قادرة حينذاك على لعب هذا الدور. وقضت على الرغبة الصدامية إلى الأبد قيام الدكتاتور بغزو دولة الكويت واحتلالها وبدء حرب الخليج الثانية. كما أنها أوقفت اندفاع إيران الخميني إلى تصدير الثورة الإسلامية الشيعية إلى الدول العربية والدول الإسلامية الأخرى , إذ كان كل من العراق وإيران ما زالا يلحسان جراح الحرب المديدة التي استنزفت البشر والموارد المالية والمنشآت الحضارية.
ومنذ النصف الثاني للعقد الأخير من القرن العشرين تصاعدت الموجة القومية والدينية الإيرانية مجدداً وتفاقمت بشكل خاص مع مجيء محمود أحمدي نجاد على رأس السلطة السياسية في إيران , بعد فشل التيار الإصلاحي الإيراني بقيادة السيد محمد خاتمي في إطار القوى الإسلامية السياسية في تحقيق ما كانت تصبو له الجماهير الشعبية في إيران. ورئيس الجمهورية الحالي يمثل ثلاثة أطراف أساسية ومراكز قوة حاكمة في إيران , وهي :
1 . مرشد الثورة الإيرانية السيد علي خامنئي ومعه كل القوى الإسلامية السلفية والمتطرفة في المؤسسة الدينية الحاكمة.
2 . الحرس الثوري الإيراني الذي كان أحمدي نجاد عضواً بارزاً فيه ومرشحه للرئاسة الإيرانية.
3 . القوات المسلحة الإيرانية الأكثر تشدداً والمصابة بداء العسكرة والطائفية السياسية واعتماد القوة في تحقيق الأهداف وهيمنة الفكر القومي الشوفيني المتشابك مع الفكر الديني الشيعي الراديكالي والمتطلع نحو التوسع على الأرض.
إن مراكز القوة الإيرانية الثلاثة تسعى إلى تحقيق عدة أهداف جوهرية , رغم وجود تنافس وصراعات في ما بينها , وهي :
1. تعزيز القدرات الاقتصادية والعسكرية الإيرانية من خلال زيادة حجم صادرات النفط الخام ووزيادة إيراداتها المالية وتوجيه المزيد من تلك الموارد المالية لأغراض إنتاج واستيراد الأسلحة التقليدية الحديثة , الأسلحة الدفاعية منها والهجومية , والاستفادة من الصراع الروسي الصيني من جهة , والأمريكي من جهة أخرى , لتغزيز القدرات القتالية الإيرانية.
2. بناء وتطوير القدرة النووية وإنتاج جميع أشكال الأسلحة المحرمة دولياً والآستفادة من الضعف السياسي الدولي لإدارة بوش في الوصول إلى ما تريده في هذا الصدد , وخاصة من الصراع الروسي – الأمريكي الذي تفاقم في الفترة الأخيرة بسبب الحرب في جورجيا.
3. تطوير تحالفاتها السياسية والاقتصادية والعسكرية مع بعض القوى والدول العربية في المنطقة وفي المؤتمر الإسلامي العالمي لمواجهة النفوذ الأمريكي ووجوده العسكري في العراق والخليج وعموم المنطقة.
4. العودة إلى ممارسة مبدأ تصدير الثورة الإسلامية الشيعية الإيرانية الذي توقفت المؤسسة الدينية الحاكمة عن ممارسته مؤقتاً , بسبب حرب الخليج الأولى مع العراق والمصاعب التي واجهتها إيران حينذاك.
5. العمل من أجل أن تكون لإيران مكانة خاصة ودوراً خاصاً وجديداً في منطقة الشرق الأوسط وعلى الصعيد العالمي. فهي لا تكتفي الآن في الحصول على الموقع الأول في الشرق الأوسط بل وأن تكون لها كلمتها المسموعة على الصعيد العالمي ومع الدول الكبرى.
إن هذه الوجهة تذكرنا بما سعى إليه صدام حسين وما اتخذ من إجراءات لتحويل المجتمع إلى مؤسسة عسكرية وما انتهى إليه أيضاً , رغم الاختلاف في بعض جوانب المسألة.

17/10/2008 كاظم حبيب