الرئيسية » مقالات » خمسة سنوات من {النفاق السياسي}!!

خمسة سنوات من {النفاق السياسي}!!

منذ خمسة سنوات مضت أثبتت التجربة الواقعية العراقية بما لا يترك مجالا لشكاك أو مرتاب بأن تجربتنا السياسية محكوم عليها بالفشل في ظل أحزاب الكانتونات الطائفية و القومية، فكل حزب تحول إلى “عصابة” يقودها أفاق من الأفاقين منتشيا بمكاسبه القومية و الطائفية، هذا بدلا من أن يحصل العراقيون على فدرالية من النمط السويسري أو الأمريكي، لكن للأسف أصيب العراقيون بأكبر كارثة تصورها أي مثقف أو مفكر حينما صوتوا على دستور مشوه و ممسوخ خيب الآمال.

فالديمقراطية في عرفنا العراقي هي “الفوضى”، و الفدرالية تعني مجموعة زرائب لها أصحاب يتصارع كل واحد منهم لسرقة مزيد من القطعان، و القانون هو مجموعة أعراف تختلف من مجموعة إلى أخرى، و الحكومة المركزية تمثال شمعي لا يستطيع ضرا و لا نفعا لأحد، من هنا نجد أن ماكنة القتل و التفخيخ و الإرهاب – رغم إنجازات القوات الأمنية الوطنية – لا تتوقف، فموارد و دعم هذا الإرهاب يأتي نتيجة طبيعية لتنفذ أحزاب = عصابات لا تملك عقلية الدولة أو أي منجز حضاري.

إن البلدان التي تبتلى بأحزاب أيديولوجية من النمط البعثي، تعيش حالة مستمرة من المعاناة و الواقع المؤلم الذي يعيد و بشكل متكرر صناعة و صياغة المآسي و المشاكل، و كدليل على مدى سقوط و انحطاط المسؤولين الحاليين – مع استثناءات نادرة – و عدم اهتمامهم بمعاناة المواطنين هو أن كل الأحداث المأساوية و الإرهابية تنتهي ضد مجهول أو تربط مباشرة بتنظيم القاعدة “الوحش الكارتوني”، فصار اسم هذا التنظيم المنقرض شماعة يخبيء بها هؤلاء المتنفذون فسادهم و جرائمهم.

كان الأحرى بالعراقيين أن يترجموا الدستور السويسري أو الأمريكي ثم يقوموا بتطبيقه “عراقيا”، و التجربة التركية في هذا المضمار هو أحد أروع الأمثلة، فهذه الدولة فقيرة إذا ما قورنت بالعراق و ثرواته الضخمة و لكن الدخل السنوي للمواطن التركي و النظام و الترتيب الذي يعيشه هذا البلد يرجع إلى أن هذا البلد تبنى النمط الأوروبي العلماني الديمقراطي و تم فصل رجال الدين عن السياسة – و ليس عن الحياة – بينما في العراق تقوم أحزاب قومجية بمنع “الإسلاميين” من التجمعات السياسية في الجوامع و التكايا بينما يحل لهذه الأحزاب أن يمتطوا عمامة رجل الدين و الجامع لاستغلال الدين في “قضية قومية”!!

و المؤسف أن مواطننا العراقي لا يمتلك لحد الآن الوعي الكافي الذي يفصل بين الدولة ككائن خدمي دنيوي بحت و بين وظيفة الدين المحصورة في الأخلاق الاجتماعية و الفردية و بناء منظومة خلقية متكاملة بعيدا عن هيمنة الحكومة، فعلمانيتنا و إسلاميتنا كلاهما مسخران للنفاق السياسي، فكلنا يسأل عن الأخلاق الشخصية للرئيس و رئيس الوزراء – مثلا : هل هو يشرب الخمر..؟ هل يعجب بالراقصات و الفنانات..؟ هل يصلي و يصوم..؟ كم طول مســـــبحته..؟ بينما لا أحد يسأل عن نزاهته كشخص و هل هو متهم بالفساد أم لا؟

لا بد من الفصل الكامل بين الوظيفة الدينية و الحكومية، كخطوة أولى، و لا بد أيضا أن يكون العراق كله ديمقراطيا لا أن يصبح “مهزلة” فيكون طرف من البلد فوضى و الطرف الآخر “دكتاتورية جبرية أموية” و طرف ثالث تاه بين الدين و الحرية؟ إن التجربة العراقية تفتتت عبر دستور “المجاملات” و الذي جاء كنوع من الرفض لمحاولات الأمريكيين بناء دستور متكامل و راق.

للأسف فإن العراقيين كرهوا العلمانية حينما تجسدت أمام أعينهم في أحزاب قومية كريهة تؤمن بشيء واحد من الفلسفة الماركسية “القبيحة أصلا” هو “الدكتاتورية” و ترسيخ الدين كـ”مخدّر” للشعب لكي لا يهتم بمشاكله و يكتشف الكذبة الكبيرة التي يعيشها، لو فهم العراقيون العلمانية على أنها مجرد “حيادية السلطة” في التعامل مع المواطنين لربما تجاوزنا كثيرا من المحن و أن العلمانية لا تعني “عداء للدين” بقدر ما تحمي للمواطنين الحرية في الإيمان و الاعتقاد.