الرئيسية » شخصيات كوردية » سليفــان (مَيَّـافَارقِِـين) لمحــات مـن التاريـخ والجغرافيـة والتراجـــم

سليفــان (مَيَّـافَارقِِـين) لمحــات مـن التاريـخ والجغرافيـة والتراجـــم

جهاده ضد بيزنطة

إن جهاد سيف الدولة ضد البيزنطيين يُعد من أهم الصفحات المشرقة في تاريخه، فقد تولى منفرداً مسألة حماية الثغور (الحدود)، بعد أن ثبت فشل كل القوى الإسلامية المعاصرة له في النهوض بهذه المهمة. وتؤكد المصادر على أنه اشتبك مع البيزنطيين أكثر من أربعين غزوة له وعليه، ومع غيرهم ما لا يحصى.
وعندما تصدى سيف الدولة للبيزنطيين كانت إمبراطوريتهم تمر في عصرها الذهبي في ظل الأسرة المقدونية (867 -1081 م)، فقد عاصر أعظم أباطرتها وهم: قسطنطين السابع، ورومانوس الثاني، ونقفور فوكاس، كما خاض أشد المعارك مع أشهر قادتها أمثال: برداس فوكاس، ونقفور فوكاسن والشمشقيق.

وقد ذاع صيت سيف الدولة في أرجاء الإمبراطورية البيزنطية، بحيث لا يخلو مصدر بيزنطي، من المصادر التي دونت في القرن العاشر الميلادي (الرابع للهجرة)، من ذكر سيف الدولة باعتباره أقوى بطل واجهته بيزنطة في ذلك العصر.
ولا يسع المجال لذكر تفاصيل المعارك التي دارت بين سيف الدولة والبيزنطيين، ولذا سنكتفي بالإشارة إلى بعضها. فمن المعروف أن سيف الدولة كان قد انتصر في الكثير من المعارك، كما أنه هزم في أكثر من معركة. فمن المعارك التي انتصر فيها نذكر معركة (مرعش) التي وقعت عام 342هـ /953 م، وكان يقود الجيش البيزنطي القائد العام للقوات البيزنطية في الشرق برداس فوكاس. وكانت نتيجتها أن فر الأخير من المعركة ونجا بنفسه بصعوبة بالغة، بعد أن أصيب بجرح بالغ في وجهه تاركاً ابنه قسطنطين أسيراً في أيدي الحمدانيين.
ومن المعارك التي انتصر فيها سيف الدولة أيضاً كانت معركة (الحدث)، التي وقعت عام 343 هـ/954 م، وهي المعركة التي كان يقود الجيش البيزنطي فيها برداس نفسه، وكانت معركة مشرفة للعرب والمسلمين، وأسر فيها صهر القائد البيزنطي وابن ابنته.
إن الهزائم التي لحقت بالقادة البيزنطيين على يد سيف الدولة دفعت بعضهم إلى التخلي عن الحياة العسكرية والدخول في سلك الرهبنة أمثال القائد برداس، الذي تخلى عن أرفع منصب عسكري في الإمبراطورية البيزنطية ولجأ إلى الدير ليقضي بقية حياته راهباً.
لم يتخل سيف الدولة، سواء وهو في ذروة انتصاراته أو انكساراته، عن تقاليد الفروسية وآدابها، وقد تجلت هذه الفروسية، على سبيل المثال، في موقفه من الأسرى العرب والمسلمين والبيزنطيين جميعاً، فبالنسبة إلى الأسرى العرب والمسلمين فقد انفق سيف الدولة جزءاً كبيراً من ثروته من أجل افتدائهم من أسر البيزنطيين. بل نجده يرفض افتداء ابن عمه، الشاعر أبي فراس، من الأسر دون الآخرين على الرغم من القصائد التي كان يبعث بها من أسره يسأله فيها المفادة، وعلى الرغم من تضرع والدة أبي فراس له بأن يفدي ابنها. والواقع لم يستجب سيف الدولة إلى ذلك لأنه وجد من غير اللائق أن يستثني ابن عمه دون الأسرى الآخرين، وإنما كان يرغب في افتدائهم جميعاً دفعة واحدة، وهذا ما حدث عام 355/966م، حيث أشرف سيف الدولة بنفسه على عملية تبادل الأسرى.
أما بالنسبة إلى البيزنطيين الذين كانوا في أسر سيف الدولة، فقد عاملهم سيف الدولة معاملة طيبة، فمثلاً عندما وقع الأمير البيزنطي قسطنطين أسيراً بيده عامله بنبالة وفروسية وهو في سجنه في حلب، فعندما مرض في سجنه بعث له سيف الدولة من يسهر على تمريضه، وعندما مات في سجنه حزن عليه سيف الدولة حزناً شديداً، وسلم جثمانه إلى مسيحيي حلب الذين قاموا بدفنه في إحدى كنائسهم باحتفال مهيب، كما أرسل إلى والده رسالة تعزية رقيقة.
والواقع لم تكن حروب سيف الدولة ضد البيزنطيين كلها انتصارات، وإنما تعرض للهزيمة أكثر من مرة، وهذا أمر له ما يبرره، إذ يجب ألا ننسى أن سيف الدولة كان يواجه إمبراطورية مترامية الأطراف، وذات إمكانات عسكرية وبشرية واقتصادية كبيرة. هذا فضلاً عن أن سيف الدولة كان ينشغل في كثير من الأحيان بالمعارك الداخلية التي يضطر إلى خوضها مثل معاركه مع القبائل العربية، التي كانت تستغل حروبه مع الروم فتعيث في أطراف دولته فساداً، هذا بالإضافة إلى معاركه ضد القرامطة أحياناً. ولكن كان أكثر ما يحز بنفس سيف الدولة هو أنه بدلاً من أن تقف القوى الإسلامية في الشام والعراق معه في صراعه مع البيزنطيين كان بعض الأمراء المسلمين في العراق يحرضون البيزنطيين على غزو سيف الدولة حتى يشغلونه عن التدخل في شؤون العراق وانتزاع السلطة منهم.
ولا شك في أن دخول البيزنطيين، بقيادة نقفورفوكاس، حلب عام 351 هـ/961م. كان أكبر صدمة تعرض لها سيف الدولة طوال حروبه مع البيزنطيين، وبالرغم من أنه أُخذ على حين غرة، فقد تصدى بشجاعة نادرة للقوات الغازية خارج حلب، ولكن عدم التوازن في قوات الطرفين كان هو السبب الرئيس الذي مكن البيزنطيين من الانتصار وجعل سيف الدولة يتقهقر لتجميع قواته. فقوات سيف الدولة كانت نحو أربعة آلاف مقاتل في حين كانت قوات البيزنطيين – كما يقول ابن الأثير – نحو مائتي ألف مقاتل. وبعد أن قام البيزنطيون بنهب قصر سيف الدولة وتخريبه اقتحموا مدينة حلب واستباحوها أياماً يقتلون ويسلبون ويحرقون. وعندما علم نقفور باقتراب الجيوش العربية لإنقاذ المدينة انسحب بقواته على عجل حاملاً المنهوبات ومصطحباً آلاف الأسرى ومخلفاً وراءه آلاف القتلى.

مجلس سيف الدولة

وشهدت الحياة الفكرية والثقافية نهضة كبيرة ونشاطا ملحوظا في ظل الحمدانيين؛ فظهر الكثير من العلماء والأطباء والفقهاء والفلاسفة والأدباء والشعراء.
فمن المعروف أن سيف الدولة كان قد ورث عن أجداده شغفهم بالأدب والشعر. وقد أكد هذه الحقيقة الثعالبي بقوله: (كان بنو حمدان.. ألسنتهم للفصاحة وأيديهم للسماحة وعقولهم للرجاحة، وسيف الدولة مشهور بسيادتهم وواسطة قلادتهم وحضرته مقصد الوفود ومطلع الجود وقبلة الآمال ومحط الرحال وموسم الأدباء وحلبة الشعراء). وقد تجسد ذلك في المجلس الأدبي والعلمي الذي كان يعقد في قصره بحلب، والذي ضم فئات كثيرة من رجال العلم والأدب الذين وفدوا إليه من أرجاء العالم العربي والإسلامي. وقال الثعالبي في هذا الصدد: (ويقال إنه لم يجتمع قط بباب أحد من الملوك، بعد الخلفاء، ما اجتمع ببابه (أي باب سيف الدولة) من شيوخ الشعر ونجوم الدهر، وإنما السلطان سوق يجلب إليها ما ينفق لديها، وكان أديباً شاعراً محباً لجيد الشعر شديد الاهتزاز لما يمدح به).
فقد لمع عدد من الشعراء المعروفين، مثل “المتنبي”، و”أبو فراس الحمداني”، و”الخالديان: أبو بكر، وأبو عثمان”، و”السرى الرفاء ت 398هـ” و”الصنوبري ت 390هـ”، و”الوأواء الدمشقي”، و”السلامي” و”النامي ت 399هـ”، و” أبو الفرج البغاء ت398هـ”.
وكان في مقدمة الشعراء الذين ضمهم مجلس سيف الدولة الشاعر أبو الطيب المتنبي (ت 354 /965). الذي أستقر في حلب لا يمدح إلا سيف الدولة على امتداد تسع سنوات تقريباً (337 -345 هـ). وقد رافقه في معظم حروبه مع البيزنطيين، وكتب فيها أروع قصائده، وقد ارتبط اسم المتنبي بسيف الدولة ارتباطاً وثيقاً لما بينهما من سمات مشتركة، لا سيما اعتزازهما بالعروبة في عصر طغت فيه العناصر الأعجمية على بلاد العرب.
كما كان أبو فراس الحمداني (ت 357 هـ/968 م) من ألمع الشخصيات وأبرز الشعراء في مجلس سيف الدولة. وقد وصف الثعالبي أبا فراس بقوله إنه ( فرد دهره وشمس عصره أدباً وفضلاً وكرماً ونبلاً ومجداً وبلاغة وفروسية وشجاعة)، وقد خاض أبو فراس معارك كثيرة ضد البيزنطيين، تحت قيادة سيف الدولة حيناً وقائداً مستقلاً حيناً آخر. ووقع أبو فراس في أسر البيزنطيين وكتب فيه قصائد رائعة عرفت (بالروميات)، ومن رومياته مناجاته للحمامة الطليقة التي وقفت تنوح على غصن بالقرب منه حين كان في الأسر، والتي جاء فيها:
أقول وقد ناحت بقربي حمامة
أيا جارتا لو تشعرين بحالي
أيا جارتا ما انصف الدهر بيننا
تعالي أقاسمك الهموم تعالي
وكان من شعراء سيف الدولة أيضاً: السري الرفاء (ت 362 هـ) والصنوبري (ت 390هـ) والنامي (ت 399 هـ) وأبو الفرج الببغاء (ت 398 هـ) وغيرهم مما لا يتسع المجال لذكرهم..
وظهر في عصره عدد من الأطباء المشهورين، مثل “عيسى الرَّقي” المعروف بالتفليسي، و”أبو الحسين بن كشكرايا”، كما ظهر “أبو بكر محمد بن زكريا الرازي” الذي كان أعظم أطباء الإسلام وأكثرهم شهرة وإنتاجا.
ومن أبرز الفلكيين والرياضيين الذين ظهروا في عصر الحمدانيين في بلاد الشام “أبو القاسم الرَّقي”، و”المجتبى الإنطاكي” و”ديونيسيوس” و”قيس الماروني”، كما عُني الحمدانيون بالعلوم العقلية كالفلسفة والمنطق، فلَمع نجمع عدد كبير من الفلاسفة والمفكرين الإسلاميين في بلاط الحمدانيين، مثل: “الفارابي”، و”ابن سينا”.
وكان أن ضم مجلس سيف الدولة عدداً من علماء اللغة والنحو أمثال ابن خالويه (ت 370 هـ)،و” أبو الفتوح بن جني (ت 392 هـ)”، وأبو بكر الخوارزمي، وأبو علي الحسين بن احمد الفارسي و”عبد الواحد بن علي الحلبي” المعروف بأبي الطيب اللغوي، وغيرهم.
وظهر كذلك عدد كبير من الأدباء المشهورين، وفي طليعتهم “أبو الفرج الأصفهاني” صاحب كتاب “الأغاني” الذي أهداه إلى سيف الدولة؛ فكافأه بألف دينار، و”ابن نباتة”، وظهر أيضا بعض الجغرافيين، مثل: “ابن حوقل الموصلي” صاحب كتاب “المسالك والممالك”.
أما في ميدان الفلسفة فقد تزين هذا المجلس بفيلسوف الإسلام الفارابي (ت 339) الذي عرف بالمعلم الثاني، أي ثاني أرسطو. وكان الفارابي أيضاً عالماً بالموسيقى، وهو واضع آلة القانون، ويقال إنه حضر مرة مجلس سيف الدولة، فأخرج عيداناً لعب فيها فضحك كل من كان في المجلس، ثم ضرب بها لحناً آخر فبكى كل منهم، ثم غير ترتيبها وضرب ضرباً ثالثاُ فنام كل منهم حتى البواب. وضم مجلس سيف الدولة أيضاً عدداً من الأدباء والخطباء، ومنهم على سبيل المثال، مؤرخ الأدب العربي اللامع: أبو الفرج الأصفهاني (ت 356 هـ/967م)، الذي أهدى إلى سيف الدولة كتابه الشهير (الأغاني) الذي أمضى خمسين عاماً في تأليفه والذي أطلق عليه ابن خلدون اسم ( ديوان العرب)، وقد أعطاه سيف الدولة ألف دينار واعتذر إليه. كما ضم هذا المجلس نحو أربعة وعشرين طبيباً، فضلاً عن عدد من علماء الفلك والمنجمين والجغرافيين.
وقد كان هؤلاء الأدباء والشعراء والعلماء جميعاً موضع احترام وتقدير سيف الدولة، ولم يكن هذا التكريم يقتصر على الجانب المعنوي فحسب وإنما شمل الجانب المادي أيضاً، فالمتنبي، مثلاً، كان يتسلم من سيف الدولة ثلاثة آلاف دينار سنوياً مقابل ثلاث قصائد، عدا ما كان يمنحه له في المناسبات، فقد أقطعه، مثلاً، ضيعة قرب حلب مقابل قصيدة أعجب بها. كما منح سيف الدولة أبا فراس ضيعة في منبج مقابل بيت من الشعر. كما سك سيف الدولة دنانير خاصة بالصلات عليها اسمه وصورته في كل دينار منها عشرة مثاقيل.
وقد ظلت آثار تلك النهضة الثقافية والحضارية ذات أثر كبير في الفكر العربي والثقافة الإسلامية على مدى قرون عديدة وأجيال متعاقبة.

الأعمال العمرانية

وبالرغم من الطابع العسكري والحربي لدولة الحمدانيين بصفة عامة، وإمارة سيف الدولة على بصفة خاصة، فإن ذلك لم يصرف الأمير “سيف الدولة” عن الاهتمام بالجوانب الحضارية والعمرانية. . فقد شيّد سيف الدولة قصره الشهير بـ” قصر الحلبة” على سفح جبل الجوشن، وتميز بروعة بنائه وفخامته، وجمال نقوشه وزخارفه، وكان آية من آيات الفن المعماري البديع، كما شيّد العديد من المساجد، واهتم ببناء الحصون المنيعة والقلاع القوية.
وشهدت الحياة الاقتصادية ازدهارا ملحوظا في العديد من المجالات؛ فمن ناحية الزراعة كثرت المزروعات، وتنوعت المحاصيل من الحبوب والفاكهة والثمار والأزهار، فظهر البُرّ والشعير والذرة والأرز وغيرها. كما ظهرت أنواع عديدة من الفاكهة كالتين والعنب والرمان والبرقوق والمشمش والخوخ والتوت والتفاح والجوز والبندق والحمضيات. ومن الرياحين والأزهار والورد والآس والنرجس والبنفسج والياسمين. كما جادت زراعة الأقطان والزيتون والنخيل. وظهرت صناعات عديدة على تلك المزروعات، مثل: الزيتون، والزبيب، كما ظهرت صناعات أخرى كالحديد والرخام والصابون والكبريت والزجاج والسيوف ،ونشطت التجارة، وظهر العديد من المراكز التجارية المهمة في حلب والموصل والرقة وحران وغيرها.
التسامح
كان الحمدانيون شيعة ولكن في غير غلو. وكان سيف الدولة نفسه يتشيع فغلب على أهل حلب التشيع.
يا سيف دولة ذي الجلال ومن له = خير الخلائف والأنـام سميُّ
أو ما ترى صفّين كيف أتيــتها = فأنجاب عنها العسكر الغربيُّ
فكأنه جيشُ ابن حـــربٍ رعته = حتى كأنـــك يا عليُّ عليُّ
هكذا خاطب المتنبي سيف الدولة (الذي كان اسمه علي بن أبي الهيجاء وشيعي المذهب ويطرب إذا ما شبه بأمير المؤمنين علي بن أبي طالب.
فقد كان عهده متميزاً من حيث التسامح المذهبي والديني.. فلم تقع أية خلافات أو مشاحنات مذهبية وفتن طائفية في بلاده، كما جرت في أمصار أخرى..
وكان المجتمع الحلبي من الناحية العقيدية مجتمعاً هادئاً بعيداً عن الغلو خالياً من التعصب المذهبي، فكانوا مابين المذهبين شيعة وسنة، كما عاش أهل الذمة من النصارى واليهود حياة آمنة مطمئنة في ظل دولة سيف الدولة.. بالرغم من الاتجاه العدواني الصليبي المتعصب .. وكان لهم مطلق الحرية في اختيار لون الحياة التي ينشدونهافي مزارعهم وتقاليدهم ولغتهمالآرامية والسريانية بل كانوا يلقون التسامح في قصر الأمير الذي لم يتردد في تقريب كثير منهم اليه، حتى ان ”ابن دنحا” اكثر خدامه صلة به و إخلاصا إليه كان نصرانياً، و كان كبير أطبائه “عيسىالرقي” نصرانياً، وكان الأمير يجزل له العطاء و يعطيه أربعة أرزاق أو اربعة مرتبات، كما لمع منهم تحت رعاية سيف الدولة مهندسون و رياضيون فلكيون و أشهرهم “ديونسيوس” بطريرك اليعاقبة و”المجتبي الأنطاكي” و “قيس الماروني”.

إعداد: الدكتور محمد علي الصويركي
http://www.alitthad.com/paper.php?name=News&file=article&sid=43339