الرئيسية » شخصيات كوردية » سليفــان (مَيَّـافَارقِِـين) .. لمحــات مـن التاريـخ والجغرافيـة والتراجـــم

سليفــان (مَيَّـافَارقِِـين) .. لمحــات مـن التاريـخ والجغرافيـة والتراجـــم

هو أحمد بن يوسف بن علي بن الأزرق الفارقي: مؤرخ رحالة. ولد بمدينة ميّافارقين سنة (510 هـ/1117م) وتعلم بها، ينتمي إلى أسرة كردية رفيعة المكانة في تلك المدينة، فقد تولّى جده الرئيس أبو الحسن علي بن الأزرق منصب ناظر مدينة (حِصن كَيْفا= حَسَنْكَيف) خلال حكم الوزير محمد بن جَهِير، في أواخر أيام الدولة المروانية، وكان من أعضاء الوفد الذي ذهب إلى السلطان السلجوقي حينما احتل السلاجقة أجزاء من جنوب شرقي تركيا .

لينقلوا إليه رغبة أهل ميّافارقين في أن يكون الحاكم عليهم ابن جَهِير لحسن معاملته لهم. وكان الوفد يضم الأمراء وكبار أهل ميّافارقين، مثل الأمير أبو الهيجاء، والرئيس عبد الله بن مُوسَك، والقاضي أبو بكر بن صَدَقة، والقاضي أبو القاسم بن نُباتة.
عاش طفولته وصباه في مسقط رأسه، وتلقى المبادئ الأولية في التربية والتعليم، وفق معايير ذلك العصر، لكننا نجده شاباً مغرماً بالرحلات، ساعياً بقوة وراء العلم، وإنما أُعدّ إعداداً علمياً صائباً، جعله ينطلق بعدئذ تلك الإنطلاقة المعرفية الكبيرة.
وتوجه في البداية إلى بغداد، عاصمة الخلافة العباسية، وهناك قرأ القرآن، ودرس الحديث، والفقه، والفرائض، واللغة، والنحو، والأدب، والجغرافيا، وسمع من كبار الشيوخ وجهابذة العلماء، فقرأ القرآن على الشيخ أبي منصور الرزّاز، والفرائض على الشيخ أبي المظفَّر بن الشَّهْرَزُوري، وأخذ النحو واللغة على أبي منصور الجَواليقي صاحب كتاب (المعرَّب والدَّخيل)، وأخذ الحديث عن ابن السَّمَرْقَنْدي، والقاضي أبي بكر الباقِلاّني؛ الأصولي والمعتزلي الشهير.
لكنه شغف بعلم التاريخ، فاجتهد في طلبه، وقرأ كثيراً من المؤلفات التاريخية المشهورة في عصره، مثل: تاريخ بغداد لابن أبي طاهر طَيْفُور، وتاريخ الموصل لمحمد بن علي الشِّمْشاطي [نسبة إلى شِمْشاط قرب ملطية]، والأوراق للصُّولي، والأغاني لأبي الفرج الأصفهاني، والتاريخ لأبي الحسن بن هلال الصابي، والأخبار الطِّوال لأبي حنيفة الدِّينَوَري، والمعارف لابن قُتَيْبة الدِّينَوَري، وغير ذلك من كتب الجغرافيا والأدب التي لها علاقة بالتاريخ.
وكان الفارقي كثير التنقل، محباً للرحلات، فقد زار من المدن بغداد، والرّي (قرب طهران)، وتبريز، وآمِد (ديار بكر)، والموصل، وحرّان، وماردين، وحلب، وحماة، وحمص، ودمشق، وبذلك زار أبرز مراكز الحضارة الإسلامية في ذلك العصر، وكان في رحلاته دقيق الملاحظة، حريصاً على ذكر أسماء الخلفاء والوزراء والقضاة والعلماء والأولياء والمساجد والمشاهد، وما جرى فيها من الأحداث الكبرى، كالحروب والزلازل وغيرها؛ ومن الأحداث التي ذكرها زلزال هائل ضرب شرقي المتوسط عامة سنة (566 هـ)، وشمل العراق ومناطق ديار بكر، لكنه ألحق أضراراً فادحة ببلاد الشام خاصة، وهدّم كثيراً من القلاع والمدن فيها، مثل حلب، وحماه، وحمص، وشَيْزَر، وطرابلس، وبعلبك، وأنطاكيا.
كما أن الفارقي زار مملكة جورجيا التي تسمى (بلاد الكُرْج) في كتب التراث الإسلامي، وأقام مدةً في عاصمتها تفليس سنة (548 هـ)، وعمل في خدمة ملكها ديمتري بن داود، وزار بعض ولايات المملكة، ومنها الأبخاز والدربند، وسجّل في تاريخه ما شاهده من عادات تلك البلاد ونُظمها، وسجل أحداث المعركة التي دارت بين جيش الملك ديمتري وجيش للسلاجقة سنة (548 هـ)، وكان الجيش السلجوقي بقيادة شمس الدولة طغان أرسلان، صاحب أَرْزَن وبَدْليس، وقد حاقت هزيمة ساحقة في تلك المعركة بالجيش السلجوقي.
وتولّى الفارقي عدداً من المناصب، وقد بدأ حياته الوظيفية في مدينته ميّافارقين، فأشرف على الأوقاف بظاهر ميّافارقين سنة (543 هـ)، ثم تولّى نظارة حِصن كَيْفا سنة (562 هـ)، وتولّى الإشراف على الوقف في دمشق سنة (565 هـ)، كما تولّى مناصب هامة في مملكة جورجيا حينما زارها. ولا تعرف السنة التي توفي فيها الفارقي، لكن الأرجح أنه توفي بعد سنة ( 577 هـ / 1181م).
وصنف كتاب (تاريخ ميّافارقين) تارة، و(تاريخ ميّافارقين وآمِد) تارة أخرى، لكنه اشتهر باسم (تاريخ الفارقي)، وألفه في أواخر حياته، وقد يوهم اسم الكتاب أنه خاص لتاريخ فارقين فقط، والحقيقة أنه مصدر هام لكثير من الأحداث السياسية والثقافية التي ازدحم بها العصر الذي عاش فيه الفارقي، وهو القرن السادس الهجري/ الثاني عشر الميلادي، فنجد فيه سير الخلفاء والسلاطين والأمراء والوزراء، والعلماء، وغيرهم من المشاهير.
وتحدث في تاريخه عن الأمم والأقاليم والبلدان، وأورد كثيراً من الأخبار التي تتعلق بالدول والإمارات التي قامت في فارس، والعراق والجزيرة، وكردستان، وأرمينيا، وأذربيجان، وجورجيا، وبلاد الروم، والشام، ومصر، مثل السلاجقة، والمروانيين، والفضلويين، والحمدانيين، والعقيليين، والأراتقة، والبيزنطيين، والفاطميين. وذكر العلاقات السلمية والعدائية التي كانت تقوم بين بعض تلك الدول، وعلاقة تلك الدول والإمارات بعاصمة الخلافة العباسية بغداد. لكن الفارقي يبدو كثير الاهتمام بأخبار مدينة ميّافارقين على نحو خاص.
ولم يؤلف الفارقي تاريخه هذا بطلب من خليفة أو أمير أو وزير، وإنما ألّفه حباً في علم التاريخ، وشغفاً منه بمسقط رأسه ميّافارقين، واستعان في كتابه هذا بمعلومات من مصادر تاريخية وجغرافية مهمة، ألفها علماء ومؤرخون وجغرافيون بارزون، مثل أبي حنيفة الدينوري، وابن قتيبة، والشِّمشاطي، والأصفهاني، وابن خُرْداذبّة، والصُّولي، والبلاذري.
وكان يقتصد في نقل النصوص المهمة، ويبدي رأيه فيها، وينقدها، فيضعّف هذه المعلومة ويرجّح تلك. وكان المورد الأهم لمعلوماته هو مذكّراته الشخصية، فقد أودعها مشاهداته وتجاربه خلال أسفاره الكثيرة، وهو مؤرخ جمع بين المعرفة التاريخية الواسعة والخبرة الشخصية، وهذه ميزة علمية، تمنح كتابه قدراً مرموقاً من الأهمية على الصعيد التاريخي(1).
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) كتب هذا النص احمد الخليل: الفارقي المؤرخ على الموقع الكتروني : سماكرد-(12/1/2007( الحلقة الثالثة عشرة ) في 3 – 4 – 2006 بتصرف، ومن مراجع المقال:ابن الأثير (عز الدين): الكامل في التاريخ، أحمد عدوان: الدولة الحمدانية، المنشأة العربية، ابن الجوزي (أبو الفرج عبد الرحمن بن علي): المنتظم في تاريخ الملوك والأمم، تاريخ ابن خلدون، الزركلي: الأعلام، ابن طباطبا: الفخري في الآداب السلطانية والدول الإسلامية، عبد الرقيب يوسف: الدولة الدوستكية في كردستان الوسطى، الفارقي (أحمد بن يوسف): تاريخ الفارقي1974.ابن كثير (إسماعيل بن عمر): البداية والنهاية،ياقوت الحموي: معجم البلدان،
ابن دينار
ابن دينار: أحد حكماء الإسلام ، طبيب ذكره ابن أبي أصيبعة، وقال: “ كان في ميّافارقين أيام نصر الدولة أحمد بن مروان (401-453هـ). ويغلب على الظن أنه من بلدة ( ميافارقين)، وكان فاضلاً في صناعة الطب، جيّد المداواة، خبيراً بتأليف الأدوية. ووجدتُ له أفراباذيناً بديع التأليف، بديع التصنيف، حسن الاختيار، مرضيّ الأخبار”.
ويُنسب لابن دينار شراب متداول الاستعمال، مشهور بين الأطباء وحكماء عهده، حتى ومن ابن أبي اصيبعة، يُعرف باسم ( الشراب الديناري)(1) .
ـــــــــــ
(1) مشاهير الكرد:1/70
الملك أبو علي بن مروان
(000-401هـ =000- 1009م)
الملك أبو علي بن مروان، وابن أخت (أبي الشجاع): الحاكم الثاني للحكومة المروانية. ويعده بعض المؤرخين مؤسس الحكومة المروانية .
بعد وفاة (أبي الشجاع) جمع (أبو علي) كلمة الجيش المتفرق وسار به إلى (حصن كيف)، واستطاع في مدة قليلة أن يضم جميع الولايات التي كانت تابعة (لأبي الشجاع ) إلى ملكه وبعض الولايات الأخرى كذلك .
وفي هذا الوقت حشد أبو طاهر الحمداني جيشاً إلتقى بجيش الملك (أبي علي) في (ميافارقين)، فانحدر أمامه ووقع (أبو الطاهر) أسيراً في يد عدوه، ولكن (أبو علي) احترم أسيره وقدره ثم أخلى سبيله خلافاً لما يفعله الغالب مع المغلوب، توجه أبو علي بعد هذا الانتصار إلى (ديار بكر) فاشتبك في معركة حامية مع أبي عبد الله الحمداني قاتل خاله فانتصر عليه وأسره ثم عفا عنه، فبعد أن قوى أبو علي مركزه في كردستان وجعلها مركز إمارته، اخذ في توسيع حدود مملكته شيئا فشيئا فوصلت حتى شمال بحيرة (وان).
ثم أحرز بعض الانتصارات في جهة الغرب واحتل (أورفه ـ الرها)، وبقيت في يده زمنا ثم وقعت قي يد الروم .
وفي (سنة 381 هـ) وصل إلى سورية، وعند رجوعه احتل ( اورفة ــ الرها) مرة ثانية من قيصر الروم (واسيل الثاني).
كان الملك أبو علي يعامل شعبه بكل رحمة ولطف، لا يشذ عن العدل لذلك أحبته الرعية، وكان يذكر بلقبه (فخر الدولة) مقرونا باسم الخليفة العباسي في الخطب، وفي (سنة 401 هـ) خانه بعض الإشراف فإغتالوه في ديار بكر(1).
ــــــــــــــ
(1) مشاهير الكرد:1/48-50
الملك أبي منصور
(000-402هـ =000- 1010م)
الملك أبو منصور، وهو أخو الملك أبو علي بن مروان، ولقبه (ممهد الدولة)، تقلد زمام الحكم بعد وفات أخيه، وسك النقود باسمه. ومما يؤسف له أن ما وصل إلينا عن حكومته قليل جدا أوفي حكم المعدوم. ويتعرض كتاب (الكامل في التاريخ) له بإختصار ويذكر انه كأخيه (أبي علي) ذهب ضحية لمؤامرة دنيئة دبرها أحد قواده إذ دعاه ضيفاً إلى قلعة (ايتاخ ــ هتاخ ــ أتاق) فقتله (حسب قول أبي الفداء سنة 402هـ .)(1).
ــــــــــــ
(1) مشاهير الكرد:1/51
نصر الدولة ابن مروان الكردي
(367-453هـ =977-1061م)
أبو نصر احمد بن مروان بن دوستك الكردي الحميدي الملقب بـ “ نصر الدولة “: صاحب ديار بكر وميافارقين. والحاكم الرابع للدولة المروانية، تملك بعد موت أخيه ممهد الدولة أبو سعيد منصور بن مروان في قلعة الهتاخ سنة 401 هـ/1009م، ودامت دولتهإحدى وخمسين سنة. كان مسعود عالي الهمة حازما عادلا، محافظا على الطاعات، مع إقباله على اللهو. مات في ميافارقين.
قال الفارقي في تاريخه: إنه لم ينقل أن نصر الدولة صادر أحداً في أيامه، ولم تفته صلاة الصبح عن وقتها مع إنهماكه في اللذات، وكان له ثلاثمئة وستون جارية يخلد كل ليلة من ليالي السنة بواحدة، فلا تعود النوبة إليها إلا في مثل تلك الليلة من العام الثاني، وأنه قسم أوقاته فمنها ما ينظر فيه في مصالح دولته، ومنها ما يتوفر فيه على ملذاته والاجتماع بأهله ورجاله، وخلف أولاداً كثر، وقصده الشعراء ومدحوه، وخلدوا مدائحه في دواوينهم، وكان له وزيران، أحداهما أبو القاسم الحسن بن علي المغربي صاحب الديوان والشعر والرسائل والتصانيف المشهورة، استوزره مرتين، والآخر فخر الدولة أبو نصر بن جهير، ثم انتقل إلى الوزارة ببغداد.
وكان رئيسا حازما عادلا ، خلف عددا من الأولاد، مدحه الشعراء، وكان محتشما، كثير الأموال، نفذ إلى السلطان طغرلبك تقدمة سنية، وتحفا من جملتها الجبل الياقوت، الذي كان لبني بويه، أخذه بالثمن من ابن جلال الدولة، وكان من كرمه يبذر القمح من الأهراء للطيور.
فمن أخبار نصر الدولة أن مملكة الموصل ذهبت من أولاد ناصر الدولة ابن حمدان سنوات، وانضم ولداه إبراهيم وحسين إلى شرف الدولة ابن عضد الدولة، فكانا من أمرائه، فلما تملك أخوه بهاء الدولة استأذناه في المسير، لأخذ الموصل، فأذن لهما، فقاتلهما عاملها، فمالت المواصلة إلى الأخوين، فهرب العامل وجنده، ودخل الأخوان الموصل، فطمع فيهما الأمير باد، صاحب ديار بكر،فإلتقاهما، قيل: فبادر ابن أخته الأمير أبو علي بن مروان الكردي في سنة ثمانين وثلاث مئة إلى حصن كيفا وهناك زوجة باد ، فقال لها : قتل خالي، وأنا أتزوجك، فملكته الحصن وغيره، واستولى على بلاد خاله، وحارب ولدي ناصر الدولة مرات، وسارإلى مصر، وتقلد من العزيز حلب وأماكن، ورجع، فوثب عليه شطار آمد بالسكاكين، فقتلوه، وتملك بآمد ابن دمنة، وقام ممهد الدولة أخو أبي علي، فتملك ميافارقين، فعمل الأمير شروة له دعوة قتله فيها، واستولى على ممالك بني مروان سنة اثنتين وأربع مئة، وحبس ممهد الدولة أخاه، وهو أحمد بن مروان صاحب الترجمة لأجل رؤيا، فإنه رأى الشمس في حجره، وقد أخذها منه أحمد، فأخرجه شروة من السجن، وأعطاه أرْزَن. هذا كله وأبوهم مروان باق أعمى، مقيم بأرزن، فتمكن أحمد، وخرجت البلاد عن طاعة شروة، واستولى أحمد على مدائن ديار بكر، وامتدت أيامه، وأما الموصل فقصدها الأمير أبو الذواد محمد بن المسيب العقيلي، وحارب، وظفر بصاحبها أبي الطاهر إبراهيم بن ناصر الدولة، وبأولاده وبجماعة من قواده ، فقتلهم، وتملك زمانا.
وفي سنة 410 هـ/1018م أرسل سفراءه إلى استنبول ومصر وبغداد. وفي سنة 416هـ/1024م احتل (أورفه) من يد قيصر الروم، فلما لم ينفذ القيصر بنود هذه المعاهدة توجه الملك الناصر إلى ( أورفه ـ الرها ) فحاصرها ( سنة 426 هـ /1034م)، ثم قدم القيصر بعض الأعذار لما حدث فتصالحا وسارت الأمور في مجاريها .
وفي السنة التالية اتفق مع أميرين وزحفوا على القيصر فإحتلوا (اورفا)، وضيقوا الخناق على (السويدا = سويرك) .
تعرضت عشائر (الاوغوز) إلى بلاد نصر الدولة، وفتكوا في الناس في جهة (حكاري )، ولكن ولده ( أبا الحرب سليمان) الذي كان حاكم ( الجزيرة ) قبض على رئيس عشائر (الاوغوز) وعلى بعض أمرائه بحيلة، وقتل منهم عددا كبيرا، ورشا نصر الدولة الفريق الذي توجه الى (ديار بكر) بالهدايا والمال، وأقنعهم بمغادرة ولايته.
وكان نصر الدولة يلقب بالعادل، سعى كثيراً لتحسين بلاده علماً وعمراناً وأخرج إلى الوجود آثاراً خالدة. وله في ميافارقين آثار عديدة، وفي سنة 403هـ بنى قلعة محكمة ومستشفى واسعاً وحماما وجامعا، وجعل لهذا الجامع مأذنة ركب فوقها ساعة كبيرة وخصص لها أوقافاً، وبواسطة الشيخ أبي ناصر المناذري بنى مكتبة بديعة أيضاً، وأجرى الماء إلى بلده من منبع رأس العين وبقوة الدولاب على طريقة فيزيائية، فاستطاع أن يرفع المياه من الأماكن المنخفضة إلى الأماكن المرتفعة، ورسم خطة محكمة لتوزيع هذه المياه على البيوت. وفعل مثل ذلك في عدة ولايات أخرى. وبنى جسراً قوياً على نهر باطمان، وانشأ في جواره حديقة عامة، يرتادها الناس، وأمر ببناء حمام وجامع وخان للمسافرين قرب العاصمة ميافارقين.
يذكر الفقيه الحنبلي ابن الجوزى ( ت 597هـ/1200م) في كتابه (المنتظم في تاريخ الأمم والملوك) قصة ملك كردي توفى على فراشه آمنا مطمئنا وقت الاضطرابات والمحن سنة 453 هجرية. وهو “ أحمد بن مروان أبو نصر الكردي صاحب ديار بكر وميافارقين. ..استولـى علـى الأمـور بديـار بكـر وهـو ابـن اثنتيـن وعشرين سنة، وعمّر الثغور وضبطها”، والثغور هي مناطق التخوم العسكرية التي كانت تنطلق منها غزوات المسلمين مع الروم، وتتلقى ضرباتهم. ولم يكتف هذا الحاكم بتوطيد سلطانه في الداخل، وإنما قام بإحكام سلطانه على الثغور في مواجهة العدو الخارجي. ثم تبقى له وقت للمتعة، يقول ابن الجوزى: “ وتنعم تنعمًا لم يسمع به عن أحد من أهل زمانه، وملك مـن الجـواري والمغنيـات مـا اشتـرى بعضهـن بخمسـة آلاف دينـار واشتـرى منهـن بأربعة عشر ألفًا، وملك خمسمائة سرية سوى توابعهن، وخمسمئة خادم، وكان يكون في مجلسه من آلات الجواهر ما تزيد قيمته على مئتي ألف دينار، وتزوج من بنات الملوك جملة”. ولم يأته القلق إلا من جيرانه المسلمين، حيث كان السلاجقة الوافدون من أواسط أسيا إلى الشرق الأوسط يسيطرون على مقاليد الخلافة العباسية، ويطمعون في كل إمارة وسلطنة خارج نفوذهم. وكانت ديار بكر و ميافارقين أقرب إليهم، خصوصا وهى دولة مسالمة ازدادت بالأمن والسلام ثراءا وغنى في عهد سلطانها أحمد بن مروان الكردي.
ماذا فعل السلطان الكردي العبقري؟ يقول عنه ابن الجوزى: “ وكان إذا قصـده عـدو يقـول‏:‏ كـم يلزمنـي مـن النفقـة علـى قتال هذا ؟ فإذا قالوا‏:‏ خمسون ألفًا بعث بهذا القدر أو ما يقع عليه الاتفاق، وقال‏:‏ أدفع هذا إلى العدو وأكفه بذلك. وأمن على عسكره من المخاطرة”، أي كان يقدر حساب الربح والخسارة في المواجهة الحربية، فيحسب تكلفة حربه مع هذا العدو الطامع فيه، ثم يرسل إليه بالأموال التي كان سينفقها في الحرب معه ليؤكد الصداقة معه، وبذلك يحقن الدماء هنا وهناك. هذا بالطبع مع احتفاظه بجيش قوى رادع يجعل الاعتداء عليه مهمة صعبة وثقيلة على من يفكر فيها. وكان ما يدفعه للطامعين المعتدين على قدر قوتهم وتكلفته في حربهم إذا حاربوه. ولذلك أعطى أكبر مبلغ من المال لطغرلبك السلجوقى أقوى الحكام في عهده، أعطاه ما كان يعرف بجبل الياقوت، يقول ابن الجوزى عن السلطان الكردي أحمد بن مروان “ وأنفذ للسلطان طغرلبك هدايا عظمية ومنها‏:‏ الجبل الياقوت الذي كان لبني بويه، وابتاعه من ورثـة الملـك أبـي منصـور بن أبي طاهر، وأنفذ مع ذلك مئة ألف دينار عينًا”، أي أنه ابتاع (جبل الياقوت) من ذرية آخر ملوك بنى بويه الذين سيطروا على الخلافة العباسية قبل السلاجقة، واحتفظ به لأزمات الدهر، وبه استطاع أن ينقذ نفسه ومملكته من حرب شاقة مع أقوى سلطان سلجوقى في عصره.
ونتابع ما قاله عنه ابن الجوزى:” ووزر له أبو القاسم المغربي نوبتين” أي صار وزيرا له مرتين،” ووزر له أبو نصر محمد بن محمد بن جهير”، أي استوزر مشاهير الحكماء من خارج مملكته. وبالتالي أصلح أحوال الناس في عهده بالسلام والرخاء، يقول ابن الجوزى:” وراجت الأسعار في زمانه، وتظاهر الناس بالأموال، ووفد إليه الشعراء، وسكن عنده العلماء والزهاد”، أي لحق به وهاجر إليه الشعراء و الأدباء والزهاد وهم المثقفون في هذا العصر، وبالتالي راج العلم والأدب ونفقت سوق الثقافة مع الرخاء الاقتصادي والأمن. لم يتمتع البشر فقط في عهد هذا السلطان بل شمل الطيور الوافدة على بلده بالأمن و الغذاء، يقول ابن الجوزى عنه:” وبلغه أن الطيور في الشتاء تخرج من الجبال إلى القرى فتصاد” أي يصطادها الناس، فتقدم (أي أمر) بفتح الأهراء (أي مخازن الغلال والحبوب) وأن يطرح لها مـن الحـب مـا يشبعهـا، فكانت في ضيافته طول عمره.
وكانت إمارته اثنتين وخمسين سنة‏.‏ وعاش حوالي ثمانين عاما منها 52 عاما في الحكم تنعم فيها بالسعادة والمتعة، ودفن بجامع المحدثة بظاهر ميافارقين، وملك بعده ابنه نظام الدين أبو القاسم منصور(1).

إعداد: الدكتور محمد علي الصويركي
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) وفيات الأعيان:1/178، سير النبلاء، النجوم الزاهرة:5/69، الأعلام:1/256،257، مشاهير الكرد:1/51-52
http://www.alitthad.com/paper.php?name=News&file=article&sid=43881