الرئيسية » مقالات » الكساد الكبير The Great Depression

الكساد الكبير The Great Depression

15/10/2008

 






منذ بداية إزدياد الأسعار في الفترة الأخيرة , سعت السياسة العالمية للمحافظة على سعر الذهب بعيدا قليلا عن شطط الإرتفاع والإنخفاض المفاجيء , ليتم إستعمال قيمته المتوازنة كمعيار لتعديل ما قد يرتفع سعره بصورة غير معقولة من مواد قابلة للإستهلاك كالغذاء والمحروقات التي يؤدي نفاذها أو شحتها الى هلاك أو صعوبات جسيمة على البشرية . ولهذا لاحظ المستثمرون عن طريق تجارة الذهب أن قيمته إنخفضت عند بداية إرتفاع الأسعار , ثم حافظت على نسبة إرتفاع بسيطة بدت في البداية غير مفهومة السبب , ثم إرتفعت قليلا وظلت باقية في مكانها , رغم تحليق أسعار البترول والغذاء حول العالم .
إلا أن ما لم يكن بالحسبان هو تحليق سعر الذهب هذا الأسبوع , الى أعلى قيمة وصل لها في كل تاريخ البشرية حيث زاد سعره خلال السنتين الأخيرتين بمعدل 10 آلاف دولار أمريكي للكيلو الواحد من عيار 999,9 .
سبيكة الكيلو الواحد وهي قطعة لا يزيد حجمها عن حجم الهاتف النقال الصغير سعرها اليوم 34320 $ دولار أمريكي , أي : أربعة وثلاثون ألفا وثلاثمائة وعشرين دولارا أمريكيا . ترى إلى أين يمضي عالم اليوم ؟؟؟




تداعيات أزمة إرتفاع الأسعار تقود دائما للحديث عن فترة الكساد الكبير , وقد حصلت من المكتبة على كتاب ( التحطم العظيم 1929 ) للمؤلف الأمريكي جون كينيث جلبرث , يتحدث عن تلك الفترة من التاريخ الإقتصادي للعالم , حيث تحطمت رؤوس الأموال وأدت الى ما يعرف بالكساد الكبير , أجد من الضروري الإطلاع على بعض حقائقها , ولذلك سأعرض لكم هذه السطور :






جون كينيث جلبرت
إنتهت الحرب العالمية الأولى في نوفمبر 1918 , لكن تأثيرها على الإقتصاد العالمي إستمر سنوات طويلة بعد ذلك , فأكثر أمم أوربا عانت بفظاظة من تدهور إقتصاد ما بعد الحرب مضافا الى ما لديها من مشاكل خاصة .






لندن في العشرينيات
# في بريطانيا شتاء 21 _ 1920 , فرضت الضرائب العالية وخفِّض الإنفاق الحكومي , مما تسبب في شح المال بيد المستهلكين , عندها لم تجد المصالح من يشتري بضاعتها أو خدماتها فتوقفت الكثير من هذه المصالح وإستغنت عن مستخدميها , عندها تضاعفت كمية البطالة .
في آذار 1921 إنخفضت الأجور وأصبح التذبذب الإقتصادي أكثر وضوحا , ولم تعد بريطانيا ( بلدا صالحا للأبطال ) كما كانت تَعِد بذلك دعاية الحرب , على الرغم من أن الضمان الإجتماعي إمتد ليشمل أغلب العاملين من ضعيفي الأجور إضافة الى العاطلين .






باريس في العشرينيات
# فرنسا كانت قد عانت بقسوة أثناء الحرب , قتل الكثير من رجالها , وتدمرت مقاطعاتها الشمالية بالمعارك . ومثل بريطانيا حاولت فرنسا موازنة وضعها الإقتصادي , ولكن من الصعب رفع الضرائب في فرنسا , الأثرياء والطبقة المتوسطة مانعوا فرض ( ضرائب مباشرة ) قد تؤذيهم بقسوة , أما الطبقة العاملة فقد مانعت أسلوب ( الضرائب غير المباشرة ) التي قد تلحق إرتفاعا في أسعار كل شيء تضر بهم أكثر . ولهذا فقد أكدت الحكومة الفرنسية على تعويضات الحرب التي تقرر أن تدفعها لها ألمانيا , لتدراك أزمة فرنسا الإقتصادية .






نورنبرغ في العشرينيات
# ألمانيا كانت قد رُكِّع إقتصادها في الفترة التي أعقبت الحرب , فقد أُجبرت على دفع تعويضات ضخمة الى الحلفاء المنتصرين . الدفعة الأولى كانت 2 مليار دولار دفعت على شكل : ذهب , حديد , فحم , وشحنات من الخشب . ولكن حين إستحقت الدفعة الثانية لم تتمكن ألمانيا من السداد , والفرنسيون رفضوا فكرة أن ألمانيا غير قادرة على الدفع , فقامت القوات الفرنسية عام 1923 بإحتلال المنطقة الصناعية الألمانية الثرية في وادي الرور , ساعية الى الإستحواذ على ما فيه , وكان رد الألمان هو رفض العمل والتعاون مع المحتلين الفرنسيين .






الفرنسيون في العشرينيات
أغضب ذلك فرنسا , لكنه أوجد حالة إندحار كلي في ألمانيا , وما عادت منطقة الرور تنتج شيئا , والكثير من عمالها صاروا عاطلين يتطلعون الى دعم الحكومة لهم . فحاولت الحكومة معالجة الأزمة بطبع عملة لا مخزون ذهب يقابلها فدفعت أوضاعها الى خارج حدود السيطرة . رغيف الخبز الذي كان سعره ثلثي المارك عام 1918 , صار سعره 250 مارك عام 1923 . والعملة الألمانية صارت بلا قيمة .
كل ذلك لم يكن يهم أحدا غير الأمريكان .. فإذا كانت ألمانيا غير قادرة على دفع التعويضات الى دول أوربا , فهي في نفس الوقت غير قادرة على سداد دينها الى الولايات المتحدة الأمريكية نتيجة شراء السلاح منها طيلة فترة الحرب … مثلما لن تتمكن بريطانيا وفرنسا من سداد ديونهما عن السلاح الذي إشترتاه من الولايات المتحدة الأمريكية نفسها التي كانت تبيعه لكل من يريد .
لحل هذه المشكلة تمت مباحثات إقتصادية قامت بموجبها الولايات المتحدة بإقراض ألمانيا المال الكافي لإعادة بناء إقتصادها وإعادة دفع التعويضات الى فرنسا وبريطانيا , ليتمكن هذين البلدين من دفع ديون الولايات المتحدة .
في البداية كانت الإتفاقية ناجحة , فأوربا بين عامي 1925 _ 1929 صارت منتعشة إقتصاديا وإعتدلت سياسيا وقد كان واضحا أن كل ذلك يعتمد على الإقتصاد الأمريكي . ذات يوم قال وزير الخارجية الألماني : (( بالحقيقة , ألمانيا ترقص على حافة بركان لأن الأمريكان إذا طالبوا بسداد ديونهم فإن قطاعات واسعة من الإقتصاد الألماني ستنهار )) .






الولايات المتحدة في العشرينيات
أثناء الحرب العالمية الأولى نشط الإقتصاد الأمريكي ليسد الثغرة الحاصلة بسبب الحرب في الدول الأوربية , بمد الأمريكان لأوربا بما تحتاج من السلاح والبضائع , وحالما إنتهت الحرب توقف الأوربيون عن الشراء , فبدأ الإقتصاد الأمريكي بالتراجع . وكانت ذلك سببا لعدم إرتياح إجتماعي في أمريكا أعقب الحرب , وموجات إحتجاج بين العاملين ظهرت على الأخص بين الشرطة وعمال الفحم والفولاذ , إضافة الى قلق الحكومة من إنتشار الشيوعية في الولايات المتحدة , وأدى كل ذلك الى إعتقال آلاف من المواطنين .
الرؤساء الأمريكيون : وارن هاردنج 1921 _ 1923 , الرئيس كالفن كوليدج 23 _ 1929 , والرئيس هربرت هوفر 29 _ 1933 , قاموا بإتباع سياسة خاصة مع المال . تم تخفيض الضرائب المباشرة على الدخل والعمل , مقابل رفع الضرائب غير المباشرة التي تشمل المجتمع كله . فصار من الأسهل على أرباب العمل إقتراض المال من البنوك , كما ضوعفت الضريبة على المواد المستوردة لحماية الصناعة الأمريكية من المنافسة في داخل الولايات المتحدة .
هذه الإجراآت ساعدت السوق على الطفرة الإقتصادية , مما أدى الى نشوء صناعات جديدة تعتمد على التقدم التكنولوجي الحاصل . صناعة السيارات كانت مهمة جدا , لأنها كانت تستخدم إنتاج مصانع أخرى مثل إنتاج الفولاذ والمطاط والزجاج , في صناعة السيارات .
كما كان هناك نمو سريع لصناعة الأدوات المنزلية كالثلاجات والراديوات والمكانس الكهربائية . كانت تلك بحق فترة إزدهار إقتصادي أمريكي , وكان العمال يقبضون ضعف الأجور , في ذلك العقد من السنين .
بالطبع ليس جميع الأمريكان يتشاركون في هذا الرخاء , فالفلاحين الذين ساعدتهم التكنولوجيا الحديثة , كانوا ينتجون الكثير وبسبب إرتفاع العرض عن الطلب كانت أسعار محاصيلهم تهبط فيخسرون . ولهذا فقد تعمقت الفجوة بين الأغنياء والفقراء , وفقراء أمريكا أغلبهم من السود الذين أسسوا التجمعات للمطالبة بتصحيح أوضاعهم العامة , كما طالبوا بقانون ضد ( الإعدامات الكيفية ) بحقهم , وأن يشملهم حق الإنتخاب , لكن تلك المطالب أهملت , لتتكون منها فيما بعد مشاكل أكبر .
غالبية الأمريكان , كانت عشرينات القرن الماضي بالنسبة لهم وقتا للتفاؤل العظيم . وسموا تلك الفترة ب : ( العشرينات الخارقة ) و ( عصر الفيضان ) و ( عصرموسيقى الجاز ) .
كانت هناك إنجازات في كل شيء , وصلت الى الأفلام السينمائية الناطقة والموسيقى الجديدة الإيقاع .
تغير العالم بسرعة .. والى الأحسن , ولم يكن يبدو هناك سبب يدعو هذا الرخاء الى الإنتهاء , أو يحدد ما يمكن أن يحققه الأمريكان , أو يملكونه , أو يفعلونه .
هذا الإحساس بالتفاؤل والقوة قاد الى تصورين بمنتهى الخطورة :
# الأول هو الإحساس أن لا شيء من الممكن أن يمضي في طريق الخطأ وعليه فليست هناك حاجة للتنبه ضد المخاطر .
# الثاني هو الحصول على كل ما كان يعد في زمن آخر نوعا من الحماقة , وأحسن مثال على هذا هو التدافع المجنون لتكوين الثروات من خلال المقامرة في أسواق البورصة .
كيف بدأ الكساد الكبير , وإلى أين وصل ؟
أرض فلوريدا كانت رخيصة جدا , ومرغوبة لبناء بيوت لتمضية الأجازات والمتعة , ومن هنا سيبدأ التحطم العظيم وإرتفاع الأسعار .
مشترو العقارات والأرض في ( فلوريدا وحدها ) كان عليهم دفع 10 % من قيمة الأرض المشتراة في فلوريدا الى الحكومة للحصول علة وثيقة التملك التي تعطيهم حقا خاصا في بناء عقار عليها , من حقهم بيعه بعد البناء والتحصل على ثروة من دون أن يكون عليهم إعادة 90% من ثمن الأرض الذي تبقى للدولة . والمالك الجديد الذي يشتري منهم , سيكون مالكا للبناء كاملا + قيمة 10% فقط من قيمة الأرض , وتبقى الدولة تملك 90% من قيمة الأرض .
قام هؤلاء بالبناء والبيع الى أشخاص آخرين بمبالغ خيالية وحققوا الثروات . ما دامت الأسعار مستمرة بالصعود .
بحلول عام 1926 .. عاصفة ( هوريكان ) ضربت فلوريدا ودمرت الممتلكات .. فلم يعد المُلاّك الجُدد الذين دفعوا مبالغ ضخمة للحصول على ممتلكات في فلوريدا يملكون غير 10% من قيمة الأرض التي عليها أبنيتهم المدمرة .
لتعويض هذه الخسارة بدأ الناس بالمضاربة في أسواق الأسهم بشكل جنوني , وكانت أسعار الأسهم تخضع لجاذبية الشركة التي تطرحها للتداول , لذلك سارع الناس للشراء من كبريات الشركات , فتجمعت جميع الإستثمارات في مصارف محددة , عندما إنهارت , سحبت معها الجميع .

بحلول بداية سبتمبرعام 1929 , بدأت أسعار الأسهم في أسواق البورصة / ويل ستريت بالتراجع , بعد أن كانت قد حافظت على إرتفاع منتظم لمدة 7 سنوات . ليس تراجعا كبيرا , لكنه كان كافيا لإقلاق الناس . شيء يشبه سقوط حجر صغير في بحيرة ماء , حيث تبدأ الترددات برسم دوائر أكبر وأكبر حول نقطة السقوط . خصوصا والناس محملة أصلا بقلق ما حصل في فلوريدا .
بدأت الأخبار تنتقل بين الناس بسرعة كبيرة , وخوفا من تراجع أكبر في سعر الأسهم .. بدأ الكل بالبيع . في يوم الخميس 14 أكتوبر الذي يعرف ب (الخميس الأسود ) وحده تم بيع 13 مليون سهم , الذين باعوا كانوا يخافون الهبوط , والذين إشتروا على أمل توقف الهبوط أو الربح , واجههم نفس المصير في الأيام التالية .
خلال أسبوع قامت العديد من البنوك الكبيرة وهي تسعى لوقف الإنخفاض بشراء الأسهم المباعة بثقة , لكن ثقتها تبخرت بإشاعات عن الكارثة إنتشرت في كل مكان . الإندفاع الى البيع كان على أشده ولا شيء يمكن أن يوقفه . يوم الإثنين كان سيئا لكن الأربعاء 29 أكتوبر كان أسوا يوم لتدافع الناس من أجل البيع .
الإقتصادي الأمريكي جون كينيث جلبرث أطلق على ذلك اليوم تسمية ( اليوم الأعظم تدميرا في تاريخ البورصة ) ما يزيد على 16 مليون سهم بيعت فيه , أكثرها مقابل لا شيء في الواقع , آلاف من المستثمرين , ومئات من المصارف الإستثمارية .. أفلست تماما . وهذا التحطم في رؤوس الموال هو الذي سيفضي الى الكساد الكبير , حيث البطالة : فلا عمل .. ولا بيع ولا شراء .
رجال كانوا يقودون سيارات ليموزين فارهة ويأكلون في أفخم مطاعم نيويورك .. صاروا شحاذين خلال ليلة ويوم , وكانت هناك جملة من عمليات الإنتحار في نيويورك , ويقال أن موظفي الخدمة في الفنادق كانوا يسألون النزلاء الجدد فيما إذا كانوا يطلبون غرفة ليناموا فيها … أم ليقفزوا منها !!؟
تبين سريعا أن المستثمرين ليسوا وحدهم الذين خسروا حياتهم وممتلكاتهم بسبب المضاربات والكساد … فحين طالبت الولايات المتحدة الدول الأوربية بسداد ما بذمتهم من ديون , إتسع الإنهيار عن القارة الأمريكية ليصل الى دول أوربا الإستعمارية .. ومنها الى أبعد مستعمراتها على الأرض حيث دخل الى كل بيت حول المعمورة .
البنوك والشركات في الولايات المتحدة وخارجها إنتهت , وسحبت معها غيرها الى النهاية . الإقتصاد العالمي إنكمش على نفسه وأفلست المصالح , ومن لم يرد الإفلاس , فقد كان عليه إيقاف العمل مؤقتا لمدة قد تطول أو تقصر .
أهل العراق يذكرون تلك الفترة من ثلاثينات القرن الماضي , ويسمونها ( أيام التموين ) حيث كان يوزع عليهم الطعام بالبطاقة التموينية , ويذكرون منها السكر الأسمر , والرز الأحمر , والصابون الزيتي , وقماش الخاكي , الذي يوزع بالبطاقة التموينية أيضا ليستعمل في صناعة الملابس والفرش والأغطية .
وصارت الفترة تعرف عالميا ب ( الكساد الكبير ) وإستمرت في بعض الدول فترة أطول من غيرها لتعم الفاقة وفقدان الأمل بين الناس .
الكارثة الإقتصادية التي جلبت ( الكساد الكبير ) كانت السبب الرئيسي في صعود الحزب النازي في ألمانيا الى السلطة , والسبب المباشر للحرب العالمية الثانية ( 1939 _ 1945 ) .
كما ألقى ( الكساد الكبير) بضلاله على الطريقة التي يربط فيها الناس ما بين الإقتصاد والسياسة لما تبقى من القرن العشرين الذي قام ( عباقرة النظام العالمي الجديد ) في نهايته بإعلان حرب جديدة سموها ( الحرب على الإرهاب ) لفتح دوامات الهاوية الإقتصادية العالمية من جديد , والتي لن تضر العالم وحده لكنها ستلحق الضرر بالخزائن الأمريكية نفسها , وتلك هي منتهى ( العبقرية ) التي تثبت أن الإنسان لم يتخلص من دوافعه الحيوانية الأصلية رغم كل تبجحه بالتفوق العلمي والفكري والسياسي وغزو الفضاء ونظرية الإنفجار العظيم . فالحضارة ليست تقدما علميا وتكنولوجيا وتفوقا عسكريا يسحق الدول والشعوب تحت قبضة من حديد , لكنها نظام قيمي وأخلاقي ومعرفي , ومن دون هذا النظام , يكون تقدم الإنسان وسيلة لتحويله الى وحش كاسر .. ليس إلا .