الرئيسية » مقالات » كيف ظهر الإمام أبو حنيفة في مسلسل أبو جعفر المنصور

كيف ظهر الإمام أبو حنيفة في مسلسل أبو جعفر المنصور

أولا أريد أن أؤكد أنني أرفض إدعاء نسبة العصمة لأي كان أو لأي فكر , و بالتالي فهنا القضية ليست دفاعا عن أبي حنيفة كإنسان يعبر عن مقدس لا يخطئ , بل في الموقف التاريخي الفعلي خاصة في إطار رسم العلاقة التاريخية بين المثقف و السلطان لصالح السلطة كما فعل المسلسل..قد يبدو هنا الإمام أبو حنيفة هدفا سهلا و مغريا , فهو أصلا متهم من قبل أصحاب التعليم الديني النصي , أصحاب الكلمة العليا في المؤسسة الدينية منذ العهد العباسي المتأخر و في التيارات الإسلامية المعاصرة , لأنه اعتمد على العقل و القياس حتى قبل الحديث في كثير من الأحيان , و بالتالي فلن يثير استخدامه كممثل للمثقف و حتى رجل الدين في مواجهة السلطة تلك الردة العنيفة التي ربما نشاهدها ما لو استخدم أحد رجال الدين المتأخرين أو حتى المعاصرين الذين استمدوا “قدسيتهم” من تكفير الآخر و الإصرار على قدسية النص في مواجهة الفقهاء و المثقفين الذين قدموا العقل على النص من نوعية أبي حنيفة..و من الضروري هنا التفريق بين معارضة أبي حنيفة للسلطة العباسية و بين معارضة الإمام ابن حنبل مثلا للمأمون و خلفائه المعتصم و الواثق , فمن المؤكد أن أبا حنيفة قد رفض تولي القضاء لوالي العراق الأموي ابن هبيرة و حبس و ضرب في ذلك , و رفض من جديد تولي القضاء لأبي جعفر المنصور و حبس في ذلك و مات في الحبس و تذكر كتب التاريخ أنه قال للمنصور عندما أصر عليه تولي القضاء ” لو هددتني أن تغرقني في الفرات أو أن ألي الحكم لاخترت أن أغرق فلك حاشية يحتاجون إلى من يكرمهم لك , فلا أصلح لذلك ” , ( الخطيب البغدادي , 13 328 – 329 )..و من المؤكد أن أبا حنيفة كان يفضل تولي محمد ذو النفس الزكية الذي ثار على المنصور و قتل و كان قد دعم من قبل ثورة زيد بن علي و من المؤكد أن أبا حنيفة كان يجاهر بنقده لحكم المنصور حتى أن أحد تلاميذه زفر بن الهذيل قال ” و الله ما أنت بمنته حتى توضع الحبال في أعناقنا ” حتى قال الإمام الأوزاعي ” احتملنا أبا حنيفة على كل شيء حتى جاءنا بالسيف – يعني قتال الظلمة – فلم نحتمل ” , لقد عارض أبو حنيفة السلطة لأنه اعتبرها غير شرعية و هذا ينسجم مع مذهبه في أن السلطة لا تورث , كان هذا في وقت ما تزال فيه المؤسسة الدينية لا ترفض بعد جملة , استنادا إلى النص كما تقول , الخروج على السلطان الجائر ” و لا نرى الخروج على أئمتنا و ولاة أمورنا و إن جاروا و لا ندعو عليهم و لا ننزع يدا من طاعتهم و نرى طاعتهم من طاعة الله عز و جل فريضة” , يجب هنا الاستدراك أن أبا حنيفة كان يعارض السلطة لكنه لم يكفرها مثلا كما فعل الخوارج رغم أنه قرر الخروج على السلطان الجائر بل و شجع و دعم مثل هذا الخروج , أما ابن حنبل فقد واجه السلطة لأنها ألزمت رجال الدين على الإقرار بفكرة خلق القرآن التي اعتبرها بدعة لم ترد صراحة في أي من النصوص “الثابتة” و هو لم ير أبدا الخروج على الحاكم الجائر بالسيف , و فيم تحرج أبو حنيفة عن تكفير أي كان و اتهم لذلك بالإرجاء فقد شن ابن حنبل حملة شعواء على المعتزلة و الجهمية انتهت بحظر الجدال الكلامي في وقت متأخر , رغم أنه هو نفسه و تلاميذه في حكم الكفار من قبل أغلب الخوارج الذين كفروا من قعد عن إظهار الحق و هادن السلطان و ربما استحلوا في ذلك دماءهم و نساءهم و أولادهم , أما قضية الحيل الفقهية التي استخدمت في المسلسل لتظهر أبا حنيفة و هو يحكم لصالح المنصور – السلطان – فقد استخدمها أبو حنيفة في العديد من الحالات الأخرى المثبتة لأشخاص مغمورين خارج السلطة و كانت جزءا من نشاطه الفقهي الذي لقي الاستهجان من المؤسسة الدينية في وقت متأخر , فقد كان أهل العراق يتفننون في الأيمان و الطلاق و كانوا يستفتون الأئمة في أيمانهم هذه , كأن يحلف أحدهم ليقربن امرأته نهارا في رمضان فأفتاه أبو حنيفة أن يسافر بها فيقربها نهارا في رمضان و ما إلى ذلك , أي أن القضية ليست في خدمة خاصة بالخليفة على حساب النص أو الحكم الشرعي الذي يفترض بأبي حنيفة أن يقرره..إنني لا أرى القضية هنا في تبرير أو إطراء التكفير حتى في مواجهة السلطة , فهذا موقف ديني يستثني الإنسان أو ضحايا هذه السلطة و يضع مصيره من جديد بيد قوى تدعي العصمة و الحق في توجيه الإنسان و قيادته كالأعمى تماما أي بالسيف و السوط و العصا إلى جانب حقيقتها المطلقة , و لا في تفضيل أولاد علي على العباسيين أو الأمويين مثلا , هذه قضية تاريخية غرضها الأساسي إثبات تبعية الحاضر للماضي , تبعيتنا المطلقة لرجال في الماضي , و ضرب عرض الحائط بأول مفهوم للحرية الإنسانية : المساواة بين كل البشر و استمرارها الوحيد يتمثل في شكل طائفي منغلق يقوم على تكفير الآخر استنادا إلى موقف يسلم بتبعية الحاضر المطلقة للماضي و أولوية أحداثه غير ذات العلاقة أبعد من تكريس سطوة هذا الفرع أو ذاك من المؤسسة الدينية في مواجهة الآخر و مواجهة الإنسان أخيرا…إن القضية هنا أولا في رصد المؤسسة الدينية قبل أن تتحول إلى تكريس موقف جامد من النص و قبل أن تتحول إلى السكوت عن وضعية السلطة كملك مطلق عضوض بغض النظر عن قبيلة السلطان عن اسمه أو اسم أبيه , و ثانيا الدفاع عن إنسان واجه السلطان و استخدم عقله ضمن الظروف التاريخية التي عاشها فاستحق منا نحن الطامحون إلى الحرية أن ننصفه في مواجهة السلطان الذي أعاد إحياءه إعلام سلاطيننا المعاصر.