الرئيسية » مقالات » شاعرية الضجر في «صباح لا يعني أحدا» للشاعر محمد حجي محمد*

شاعرية الضجر في «صباح لا يعني أحدا» للشاعر محمد حجي محمد*

ينحاز الشاعر محمد حجي محمد في مجموعته الشعرية الثانية «صباح لا يعني أحدا» لنوع من الشعر أصبح يحتل مساحة كبيرة من المشهد الشعري ليس في المغرب أو العالم العربي فحسب بل في العالم. هذا النوع هو شعر التفاصيل الصغيرة التي ترتبط باليومي، ذلك اليومي الذي وإن بدا شخصيا وغاية في الخصوصية، فهو ليس كذلك بأي حال، لأن تلك التفاصيل هي تفاصيل المشترك الإنساني. تفاصيل الحياة التي تتشابه بين الكثير من الأمكنة والكائنات، وهذه التفاصيل لا تثير في العادة أي رد فعل الناس بفعل الاعتياد عليها، لكن الشاعر الذي يحوز ملَكة أخرى وعينا غير العيون، «الشاعر صاحب القصيدة اليومية المرثية المتأنية القادرة على التقاط تفاصيل دالة على جوهر إنساني» كما كتب محمود درويش في «ذاكرة للنسيان»، يظل أكثر قدرة على الانتباه إليها، وتسجيلها بما يليق بها من التأمل واللغة الجميلة، ومن السخرية أيضا.

وإذا كان الشعر يختزل بشكل ما تجربة ذاتية – ويمكن أن نقرأ العنوان «صباح لا يعني أحدا» من هذه الزاوية- قبل أن يعممها الشاعر من خلال نشرها لتصبح تجربة كل قارئ يجد فيها ما يضيء أعماقه، فإننا نلفي محمد حجي محمد في هذه المجموعة يكتب سيرتين بينهما أكثر من وشيجة وعلاقة، سيرة المكان، وسيرة الكائن الذي يعيش في هذا المكان دون أن يتمكن من التعايش معه ومع كائناته. هذا المكان حتى وإن كان معروفا ومحددا، فإن طقوس العيش فيه تتشابه وطقوس العيش في أمكنة أخرى ليست قليلة وليست محدودة.

وبالرغم من أن الشاعر تخلى عن الكثير من النهم إلى تلك اللغة التي تغترف من شهوات الجسد مفرداتها وطاقتها الشعرية، بالشكل الذي كان عليه في مجموعته الأولى «ذئب الفلوات» الصادرة سنة 1995، فإنه من الممكن التقاط العديد من الإشارات التي بدأها، منذ تلك المجموعة لكتابة سيرة هذا المكان الهامشي، الذي لا يريد أو لم يستطع الشاعر أن يتعايش معه.

ففي «ذئب الفلوات» ما يوحي بالمنفى، أو بالسجن. ثمة الشوق إلى تلك المرأة التي يمجدها الخيال، وتأتي بها الاستيهامات دون أن تصلها اليدان، تماما كما هي عادة السجناء. تلك المرأة الوحيدة المتعددة التي «تتلألأ في كبرياء الملوك»، كما وصفها في «ذئب الفلوات».

وفي «صباح لا يعني أحدا» يتسنى العثور على تجليات ذلك السجن أو ذلك المنفى على بعد مسافة زمنية عن «ذئب الفلوات»، ليست بالقصيرة.

كما تخلى محمد حجي محمد أيضا في المجموعة الثانية عن الكتابة عن الحيوانات التي احتلت مسامَّه في تلك المدينة المقيمة في الهامش المنسي، ليكتب بوضوح عن نفسه، عن ذقنه، وعن شيخ الحكمة قرينه في تلك المدينة التي ليست قرينة ل«بلدة اليونان»، وعن الطفلة التي تلعب الحجلة مع زميلاتها، وعن الشارع والمقهى والسابلة وبذلة المناسبات.

وحين يكتب حجي هذه التفاصيل، فهو يفعل ذلك بلغة، بقدر بساطتها بقدر الشفافية التي تتيح التجول بعينين مغمضتين في المكان الذي استولى على الشاعر وأسره، قسرا. حيث تتحول الصور الشعرية إلى نوافذ يطل من خلالها القارئ، ليس إلى الخارج، كما ألف أن يفعل، بل إلى أعماق الشاعر، ليرى تلك التفاعلات المتأججة التي تحول واقعا بسيطا ورتيبا إلى واقع مركب في قالب جمالي تمتزج فيه المرارة والأمل:

«هكذا

كلما استيقظ من نعاسه عوائي

فتحت الشباك

عل هواء نظيفا

يكنس فناء الروح» ص 24

يبدو الشاعر مستوحشا منفاه، أو سجنه، ويلوذ بأحلام اليقظة لعل يدا خفية تمتد إليه لتمسك به، وتلقي به بعيدا، إنه إذ يحلم يمتطي مركب لغة شعرية فيها من الاقتصاد في المفردات ما يوحي بأنه سئم كثرة الكلام، أو أن لسانه انعقد فلم يعد يجدي أن يقول شيئا.

هذه اللغة القريبة المتمنعة بالرغم من ذلك، مليئة بالاستعارات، وفي ذلك انزياحات جعلت القصيدة نفسها مكانا لحياة أخرى. حياة يختلق لها الشاعر أسبابا شتى كي يوجدها، ويلوذ بها من رتابة المدينة التي حولت حياته الحقيقية إلى مجرد «لا حياة»، يشعر فيها الشاعر ليس بالحزن والرتابة فحسب، بل باللاجدوى أيضا.

ولعل سؤالا ملحا يلقي بنفسه هنا، هل يكتب حجي واقعا محددا، أي هل يكتفي بوصف هذا الواقع أم أنه يكتب لأجل واقع آخر؟

يمارس حجي في مجموعته نوعا من الهجاء المر للواقع وللمدينة تحديدا من أجل أن يتخلص منها:

«كفاك

شتاؤها القروسطوي

لياليها

الأشد

فتكا

من غرف التعذيب في العصور الغابرة» ص 10

بهذا الوضوح، وبهذه الكلمات القليلة يستدرج حجي قارئ مجموعته إلى فضاء يصبغه بصبغة درامية وساخرة في نفس الوقت. حتى وهو يخاطب ذاته بعد أن انفصل عنها ليتأملها فهو يوجه الخطاب إلى قارئ ما في مكان غير المكان، أي أنه يمعن في كتابة المشترك الإنساني كما سبق، وبذلك يصبح الصباح الذي لا يعني أحدا، صباحا للكثيرين. لأولئك الذين ينهضون من سباتهم بضلوع محطمة كما لو أنهم خاضوا حربا سريعة في جبهة غير معلومة:

«برأس مليء بالعواصف

تنهض عادة

من رميم سباتك

الضلوع محطمة تماما

كأنها خارجة للتو من غارات غادرة». ص 27-28

الحديث عن المشترك الإنساني وعن تفاصيل الحياة اليومية التي أضحت سمة الكثير من الشعر في الوقت الراهن، يوحي بشكل آلي ربما إلى أن هذا النوع من الكتابة صعب جدا لأن محاذير السقوط في التكرار وإعادة إنتاج كتابات أخرى سواء على مستوى التشكيل اللغوي أو تركيب الصور، وارد جدا، لذلك يحتاج هذا النوع من الكتابة إلى مهارة شعرية وربما إلى حرفية وخبرة تمكن جميعها الشاعر من تخطي تلك العلاقة الجاهزة بين الألفاظ ومعانيها المطروحة في الطريق، إلى نسج علاقات جديدة مبتدعة تولد معاني جديدة.

وقد استمد حجي من تجربته الذاتية، وتجربة هذه الذات في مكان بعينه جزءا من خصوصية لغته في «صباح لا يعني أحدا»، واستعان بخبرته في كتابة الشعر اعتبارا لانتمائه لجيل الثمانينيات في الشعر المغربي، وبقراءاته وبتفاعله مع طوارئ الحداثة ومع المعيش القريب منه والبعيد، وبمشاهداته أيضا في استكمال هذه الخصوصية. فنجده يستحضر سقراط كما يستحضر المقهى وأسلحة الدمار واليانكي والكمبيوتر والفأرة والنيران الصديقة دون أن يغفل كلينيث إيستوود وفيلمه «من أجل بضعة دولارات إضافية» ونشرة الأخبار في المساء، كما يستعير القالب التعبيري لحديث نبوي حول تداعي أعضاء الجسد بالسهر والحمى للاعتلال أحد الأعضاء، ويوظف هذا القالب بطريقة مختلفة ليمعن في وصفه الساخر للمدينة الباعثة على الضجر:

«هذه المدينة

لا تضحك

وإن ضحك منها شارع

التفتت إليه البيوت

مذعورة

وعادت

إلى أحيائها

بسرعة طفلة غاضبة». ص 40

بهذا الزخم من العناصر يشكل الشاعر عالمه الآخر، الذي يرتقي إليه هروبا من العالم السفلي الذي لا يعدو أن يكون الواقع اليومي في بلدة غير «بلدة اليونان»، حيث لا يمكن لشيخ الحكمة إلا أن يشعر بالتعب والغربة والضجر، ولأجل أن يبني هذا العالم يبدو كما لو أنه يخوض حربا حقيقية فيتحدث عن السياف والجندي والجثث والأعداء وجبهة القتال، بل إنه عندما يريد حلق ذقنه يبتعد عن اللغة الجاهزة ويلوذ بلغة الحرب ومفرداتها:

«كأي صباح

أحرر ذقني

من فيالق أعشابها

أوبخ صنبور الماء

عن ضجيجه الذي أفسد نومة الكون». ص23

تبدو الحرية هنا ذات أبعاد تتجاوز الذقن، لتمتد إلى أبعد من ذلك، فالشاعر بطبعة ليس هو ذلك الكائن الذي لا يرى أبعد من أنفه، وهو لم يأت ب«الكون» إلى قصيدته عبثا، أو أن لاوعيه أقحمه هنا، بل جاءت به التجربة التي تشي المجموعة بأنها تشبه تجربة السجن، أو تجربة حرية مشروطة في أفضل الأحوال. لقد جاءت به تلك الرغبة في التخلص من أسر ذلك المكان الذي لا إغراء فيه، ولا جديد غير الضجر، الذي لا يملك الشاعر لمواجهته شيئا آخر غير القصيدة يأوي إليها.

يأوي الشاعر إلى القصيدة، ليس للاستماع بأحلام، بل ليتخلص من من واقع كابوسي لا يرحم، وهو الذي يشعر أنه مختلف، ذلك الاختلاف الذي يجعل الحياة في هذه المدينة جحيميا مليئا بمخلوقات عجائبية، ويتواطأ فيه كل شيء على الشاعر لدفعه إلى عزلة قسرية:

«ثمة

دائما

مخلوقات عجائبية يفسدن هواءك

نهارك

يداهمنه بلا موعد

يعبرن حيواتك

مسرفات في الغيوم». ص 53

لقد كتب محمد حجي محمد في «صباح لا يعني أحدا» سيرة الأمكنة التي حولتها تنميطات الحياة المعاصرة إلى مكان واحد، وسيرة الكائنات التي يبدو أن نفس التنميطات تسعى لجعله أيضا كائنا متكررا أي من عدة نسخ، يجلس أمام الكومبيوتر ولا يهم أن يكون صرافا، أو مدير شركة… في اليابان. وتمثل هذه المجموعة التي تحول فيها الضجر والرتابة إلى مصدر للقصيدة آلية لم يجد الشاعر غيرها لمقاومة السقوط واحتمال التحول إلى واحد من تلك الكائنات العجائبية التي أضحى الواقع يزخر بها.
………


* «صباح لا يعني أحدا»، محمد حجي محمد، منشورات أنفو برانت فاس 2007

جمال الموساوي
شاعر وصحفي مغربي