الرئيسية » مقالات » يحيى قاف يقول الكلمة وما يخاف

يحيى قاف يقول الكلمة وما يخاف

رجل ذكره طيبُ وعطرُ كأريج أزاهر أم الربيعين ، أما شجاعته فلولا سنوات الظلام والتعتيم الهمجي وتحكم الجهلة فينا ، لطارت قصته في الافاق ولصارت مضرباً للامثال عن شجاعة الانسان المتنور والمحب للناس حد الشهادة.
قصتنا اليوم عن رجل يسموه في مدينته المعلم الاول ولكن المجرمون جعلوه المعذب الاول رغم كبر سنه ورغم حبه للناس وتفانيه لتعليمهم حروف الكلمات كي يستطيعوا فك طلاسمها وليروا نور المعرفة ، انتصر للفقراء ووقف بوجه الظلم ، حكايته تثير الاعجاب وتستحق التأمل وحياته تستحق منا كل الاحترام والاجلال ، البشر كثيرون أما هذا الرجل فقليلُ مثله ، وربما نادر الوجود في زمن اصر فيه الحمقى الظالمون أن يطفئوا انواره وان يقتلوا حملة القناديل ، فهم واثقون بان بلطاتهم ستكسر الرؤس الحالمة بحياة أفضل للناس ، مثل هؤلاء الزعران هم من قتل ثورة تموز وقتلوا أفضل الرجال واوصلونا إلى حالة الاحتراب والخراب .
ما اكثر خلقك يالله ، كان هذا ماينادي به بائع متجول يبيع بضاعته في احد الاسواق المزدحمة ، ويمر من أمامه سيل جاري من البشر ، والناس مختلفون في معادنهم فهناك النفيس الثمين وكلما مرت السنون زاد تألقاً وهناك من تهزمه الشدة فيرمي رايته عندما تشتبك الخطوب وترتفع الغبرة ، وهناك من يثبت كما ثبت مالك الاشتر ، ويستمر في رفع الرايه كما رفع عمار بن ياسر رايته وهو في السبعين .
وهذا الرجل الموصلي يذكرنا بهذا النوع من الرجال انه المناضل الشجاع يحيى قاف ، انتصر للفقراء وكان مربياً فاضلاً ، دافع عن ثورة تموز وحذر زعيمها من الرياح والامواج المتلاطمة التي تريد أن تغرق السفينة .
يحيى قاف وهو الذي وقف إمام الزعيم عبد الكريم قاسم اثناء احداث الموصل يبين للزعيم خطورة الموقف في الموصل يتحدث الأستاذ حامد الحمداني عن تلك الايام فيقول :
أنتهز أعضاء المؤتمر الأول لنقابة المعلمين في الموصل ـ وكنت احدهم وكان الشهيد يحيى قاف ابو سعد مديراً للمدرسة القحطانية ، وكنت انا مديراً لمدرسة الفلاح بالموصل ـ انتهز وجوده في بغداد ، لحضور المؤتمر ،المنعقد في أواسط شباط 1959 ، الفرصة وطلب مقابلة الزعيم عبد الكريم قاسم لأمرٍ يخص الثورة والجمهورية وأمنها وكان ذلك قبل حركة الشواف بسبعة أيام .
وافق عبد الكريم قاسم على استقبال الوفد في مقره بوزارة الدفاع ، وحضر الوفد في الوقت المحدد ولم تمضِ سوى دقائق معدودة حتى حضر عبد الكريم قاسم ، ودخل القاعة وسط التصفيق والهتاف باسم الثورة وقيادتها . بدأ الزعيم الحديث موجهاً كلامه للوفد مرحباً به وقائلاً { إنني كنت واحداً منكم ، أنتم مربي الأجيال ، نعم لقد كنت معلماً ، في إحدى قرى الشامية بعد تخرجي من الإعدادية ، وقبل أن أدخل الكلية العسكرية ،وأنا فخورٌ بذلك.
وتحدث الزعيم طويلاً عن دور المعلم في المجتمع ، وبعد نهاية حديثه ، طلب من الوفد الحديث .
بدأ أكبر أعضاء الوفد سناً ، الشهيد المناضل [ يحيى الشيخ عبد الواحد ] المعروف[ يحيى ق] الذي كان مشهوداً له بالمواقف الوطنية أيام الحكم الملكي ، والمواقف الجريئة ضد حكم الطاغية نوري السعيد ، وناله بسبب مواقفه تلك صنوفٌ من الاضطهاد ، والاعتقال ، وأستحق محبة الشعب العراقي وقواه الوطنية .
بدأ يحيى بالحديث عن أوضاع الموصل المتدهورة ، والنشاط التآمري الذي يجري على قدم وساق موضحاً للزعيم ، أن العراق في خطر ، وإن الثورة في خطر كذلك ، إذا لم تسارع حكومة الثورة في معالجة الأمور بأسرع وقت ممكن ، من أجل نزع الفتيل قبل حدوث الانفجار ، مشيراً إلى العناصر التي تقود ذلك النشاط ، وعلى رأسها العقيد الشواف ، وزمرة من الضباط القوميين والعفلقيين المتعاونين معه ، بالإضافة إلى القوى الرجعية والإقطاعية .
وتحدث يحيى عن السلاح الذي كان المتآمرون ينقلونه عبر الحدود ، ويخزنوه في الموصل ، وكذلك عملية تسليح بعض القبائل ، التي تدين بالولاء لشيوخها الذين كانوا من كبار الاقطاعيين ونواباً دائميين في البرلمان الملكي ، وكانوا حاقدين على الثورة وعلى قانون الإصلاح الزراعي الذي جردهم من سلطانهم . كما تحدث يحيى عن نشاط عملاء شركات النفط في عين زالة ، في الموصل .
إلا أن الزعيم عبد الكريم قاسم ، كان رده بارداً جداً ، حيث أجاب الوفد بعباراته المشهورة : الصبر والتسامح والكتمان والمباغتة ، والتي كان يرددها دائماً . وقد رد عليه يحيى قائلاً :
يا سيادة الزعيم ، إن هناك حكمة تقول الوقاية خيرٌ من العلاج ، إن انتظار حدوث الكارثة ومعالجتها بعد ذلك ، أمرٌ خطيرٌ جداً ، إذ ربما تكون لها إمتدادات في مختلف أنحاء العراق ، ولربما تؤيدها غيرها من القطعات العسكرية في مناطق أخرى ، وربما تنجح تلك المحاولات في اغتيال الثورة وفي أحسن الأحوال ، حتى لو قامت المحاولة وفشلت ، فلا أحد يستطيع تقدير خسائرها وأضرارها لذلك فأن منع وقوعها ، أفضل بكثير من انتظار وقوعها ، والقضاء عليها .
كان جواب عبد الكريم قاسم غير متوقع إطلاقاً ، لقد غضب قاسم من حديث يحيى ، وأجاب قائلاً : { إننا ندرك الأمور إدراكاً جيداً ، وإن العقيد الشواف هو أحد الضباط الأحرار وأنتم تهولون الأمور ، وتضخمونها ، نحن أقوياء واثقون من أنفسنا } .
وعاد الأستاذ يحيى مخاطباً الزعيم قاسم قائلا :
سيادة الزعيم : إننا لا نطلب من سيادتكم سوى طلب بسيط ، فنحن لا نطلب أن تعاقب أحداً ، أو تسجن أحداً ، وكل ما نطلبه هو نقل زمرة الضباط المذكورة ، وتفريقها في مناطق أخرى ، منعاً لوقوع الواقعة ، لكن الزعيم قاسم رفض ذلك رفضاً قاطعاً ،وأجاب بحدة : { إن هذه الأمور تتعلق بنا وحدنا ، ونحن لا نسمح لأحد بالتدخل فيها } .
وحين حدث انقلاب شباط الاسود برعاية امريكية وبريطانية ، دشن المجرمون عهدهم بقتل زعيم ثورة تموز الذي تساهل معهم وسامحهم عن محاولة اغتياله ومؤامراتهم لاسقاطه ، ثم زجوا بأحرار العراق في سجونهم الدموية ، ومارسوا ابشع انواع التعذيب والتنكيل ، وكان نصيب الأستاذ يحيى قاف نصيب رفاقه الأحرار من انصار ثورة تموز المدافعين عن فقراء العراق وحقهم في حياة كريمة ، الذين ارادوا ازالة الظلم والاستغلال والحرمان من حياتهم ، زُجَ بهذا الأستاذ الفاضل وهو يقترب من الثمانين من عمره الحافل بالشجاعة والكرامة .
تحدث لي الأستاذ حامد الحمداني عن صداقتهما الحميمة وعن الايام الجميلة التي جمعته بالشهيد يحيى قاف ، والاستاذ الحمداني كاتب ومؤرخ سياسي يحمل قنديلاً كبيرا ً، سلط الاضواء على تلك الحقبة التي مضى عليها قرابة نصف قرن من الزمان .
وساترككم في السطور التالية مع ماكتبه الأستاذ جاسم المطير المناضل والاديب في ذكرياته عن سجن نقرة السلمان وفي رسالة جاءته تقول :
أود أعلامك ان يحي قاف قد وصل الى سجن الحلة وهو بصحة غير جيدة إذ أن طريق السفر اتعبه خاصة في المسافة بين سجن السلمان ومدينة السماوة حيث الطريق الوعرة واهتزازات السيارة غير المريحة أصلاً وكذلك العواصف الترابية المتواصلة في تلك المنطقة .
قال لي أن السفرة غير مريحة وقد صادفتهم عاصفة قوية جداً لم تنفع معها كل محاولة للتخلص من ترابها فصارت الاجسام والاغراض والافرشة وسيارة الشرطة جميعها مغطاة بالاتربة الكثيفة ولا يسعني سوى القول : يا لبؤس حال السجناء .. الى متى سيبقون على هذه الحال يا ترى ..؟
هنا أود أن أذكر لك حالة آلمتني كثيراً ..
وصل يحي قاف الى السجن صباحاً .. ظل حتى الظهيرة بلا مكان ..
مع الاسف الشديد ان بعض السجناء رفضوا قبول وجود هذا المناضل في قاعاتهم وذلك بسبب كبر سنه وشيخوخته وأمراضه التي تستلزم عناية متواصلة لمساعدته وخدمته من قبل السجين الذي يجاوره ..
كان السجناء يتقاعسون وبعضهم يتهرب من مساعدته لأنه كان ، كما تعلم أنت ، يستقبل كثيراً من الضيوف من السجناء بل هو مركز تجمع السجناء من أبناء مدينة الموصل والكثير من ادباء السجن .. وانه من هذه الناحية يحتاج الى مكان واسع لأستقبال ضيوفه .. وهذا يعني ان المجاورين له سوف لا يجدون الراحة في مجاورته ما دام هو قريباً منهم ..
للعلم أقول لك ان سجن الحلة قائم على نفس نظام بناء سجن نقرة السلمان من حيث التشابه في القواويش . ليس في السجن غرفة منفردة حتى يستقل بها هذا الرجل . وعندما سمعت عن الموقف المحرج بينه وبين السجناء قررت التنازل عن مكاني له في القاعة رقم 3 في السجن الجديد .
كان مكاني في موقع مريح ، لأنه في زاوية ، وعلى الرغم من محاولات عدنان عبد الصاحب والمسؤولين في القاعة المذكورة أخذت فراشي الى الساحة وطلبت نقل يحي قاف اليها بدلا مني ، فعلا تم ذلك حيث اخلي مكان عند مدخل باب القاعة وهو نفس المكان الذي انتقل اليه صالح الشايجي وهو مناضل من اهل الزبير مارس النقد الادبي كما عرف بانه نهم لقراءة الكتب اثناء وجوده في سجن السلمان وقد نذر نفسه ووقته لمساعدة يحي قاف . يقدم له اصعب مطالب شيخ عاجز عن الحركة وعن السمع وعن البصر التام فكان صالح الشايجي مثالا نادرا يعتز به السجناء .
أخي العزيز جاسم :
أنت قبل غيرك تعرف أي عمل عظيم وجبار يقدمه هذا الشاب صالح الشايجي الذي لا يمكن تصور شهامته ..
في يوم إعلان سقوط طائرة عبد السلام عارف وموته كان يحي قاف نائماً ، وقال لي يونس مجيد ، أبن مدينته الموصل : تعال نجلس الى جانب فراش يحي قاف الى حين استيقاظه من نومه ونخبره عن الحدث الذي هز العراق كله
ذهبت معه وجلسنا معا الى جانبه .
استيقظ من نومه وتحدث اليه يونس باللهجة المصلاوية ملاطفاً إياه .
أهتم كعادته بالراديو فكان يحرك مؤشره بينما وضع اللاقطة في أذنه . بعد انتهاء تلاوة القرآن الكريم سمع يحي قاف خبر موت عبد السلام عارف ، فسأل يونس مجيد عن صحة الخبر فأكده له ..
في تلك اللحظة بدأت ملامح يحي قاف يشوبها حزن عميق ، فهمس يونس في أذني بأنه يتذكر موت أحد أولاده في حادث حريق حدث في الموصل كلما طرقت اسماعه حادثة موت أحد من الناس ..
لم يكن صالح الشايجي موجوداً حين طلب يحي قاف مصاحبته للذهاب الى المرافق الصحية فذهب معه يونس مجيد وبقيت في مكاني منتظراً عودتهما ..
لم تمض سوى دقائق معدودات حتى عاد يونس ليخبرني أن يحي قاف سقط على الأرض متشنجاً وقد حمله الشباب بسرعة الى الأدارة ومنها الى المستشفى ..
كانت مدينة الحلة كما العراق كله منشغلاً بموت عبد السلام عارف وبالبحث عن بديله في الرئاسة ..
فجاء خبر محزن في المساء : مات يحي قاف بالسكتة الدماغية ..
حزن الجميع حزناً شديداً .. كان صالح الشايجي أكثرنا حزنا وألما ً..
بقيت جثته في مستشفى الحلة ليومين حتى وصول عائلته لاستلامها . رحمه الله وتعازينا لكم ولكل محبيه في سجن نقرة السلمان ..
قدمنا تعازينا الحارة لصالح الشايجي الأبن الوفي والمثال الحقيقي للأخلاص في هذا الزمان ..
ولا بد من التذكير بأن يحي قاف كما اخبرني يونس مجيد هو من مواليد الموصل عام 1988 يلقبه أهالي الموصل بالمعلم الأول لأنه مارس مهنة التعليم قبل الحرب العالمية الأولى . كما عمل صحفياً وكاتباً بمجلة الغري الصادرة بالنجف . أبتكر طريقة خاصة لمكافحة الأمية لدى الكبار . وقد طبق سجناء السلمان طريقته التي أثمرت في تعليم عشرات الاميين من السجناء ..
من مواقفه المشهورة أنه أعلن عدم موافقته على استفتاء تنصيب فيصل الأول ملكاً على العراق . وقد أعلن موقفه في اجتماع عام حضره الملك نفسه . وعندما لامه بعض اصدقائه وحذروه من مغبة صراحته ، قال عن نفسه : يحي قاف يقول الحق ولا يخاف ..
أعتقل في شباط 1963 وأرسل الى سجن نقرة السلمان ..
تحية وسلاما لك يا ابو سعد يا يحيى قاف وسلاما لكل من وفى ، وسلام واجلال لصالح الشايجي هذا الوفي الطيب النبيل
الأستاذ محمد علي الشبيبي في ذكريات الزمن القاسي تحدث عن هذا الرجل الشجـاع ، والشبيبي فعالية ثقافية وسياسية كبيرة، عاش السجن في نقرة السلمان وكان شاباً يافعاً ، ولازال يواصل طريق الاباء في نصرة الفقراء ، كتب عن يحيى قاف نفس الرواية التي ذكرها الأستاذ جاسم المطير لانهما كانا في نفس السجن وفي نفس الفترة تقريباً .
سلاما ليحيى قاف يوم ولد ويوم رحل شهيداً صريعاً في سجن الحلة وهو يواجه المرض و في عقده الثامن من عمره الجليل الذي كان سفراً خالداً من التضحية والغيرة على الوطن وفقراءه وعلى حزبهم الشيوعي .
ايها الشجاع والمربي يحيى قاف : يؤلمني انك مت في مدينتي الحلة مظلوماً ، تمنيت لو كنت كبيراً لأزورك وأخدمك مثل ولد وفى لوالده .