الرئيسية » مقالات » لنخيب آمال جمهرة الصيادين في الماء العكر وأعداء الشعب العراقي !

لنخيب آمال جمهرة الصيادين في الماء العكر وأعداء الشعب العراقي !



  • بمناسبة انعقاد اجتماع السادسة رئيس الدولة ونائبية ورئيس الوزراء ورئيس الإقليم في بغداد في هذه الأيام لمعالجة المشكلات المعلقة بين بغداد وأربيل.
    خمس سنوات عجاف كانت ولا تزال مليئة بالدماء والدموع والأحزان المريرة التي عاش في ظلها وتحت وطأتها الشعب العراقي , كما لا تزال بعض مناطق العراق تعاني من بقايا هذه الفترة العصيبة والبالغة التعقيد. كانت الأوضاع تشير , بالنسبة إلى المراقبين الدوليين والإقليميين وبعض العراقيين , إلى أن العراق مقبل على حرب أهلية أو أنه يقف على شفا هذه الهاوية المريعة. وكان يراد لهذه الحرب أن تندلع بين الميليشيات الشيعية والسنية المسلحة لكي تلتهم العراق كله بسعيرها وتحفز على القتال لا بين هذه المليشيات المسلحة حسب , بل وبين أتباع هذين المذهبين من الناس البسطاء الذين لا ناقة لهم فيها ولا جمل ولا علاقة لهم بهذه المليشيات المسلحة التي تدعي الدفاع عنهم , ولكنها عملياً تمارس القتل فيهم. وكانت قوى الإرهاب الدولي الإسلامية السياسية المتطرفة تسعر نيران هذا النزاع الدموي وتعمقه وتوسعه يومياً مصحوبة بدعم هائل ومتواصل من دول الجوار الطائفية والشوفينية ومن كل أولئك الذين لا يريد الخير لهذا العراق على النطاق المحلي وعلى الصعيدين الإقليمي والدولي. لقد كان شعب العراق قاب قوسين أو أدنى من أن يكون وقوداً لهذه الحرب الأهلية. وحين كنت أؤكد في الإعلام الأوروبي وعبر شاشات التلفزة الألمانية والندوات المفتوحة على خطأ توقع حرب أهلية في العراق , والتي لم يكن ممكناً نفيها طبعاً , كانت جمهرة من الإعلاميين والمعلقين الألمان من ذوي الاختصاص بقضايا الإسلام والعرب , ومنهم الصحفي الألماني المخضرم بيتر شورلاتور وصاحب أكثر من كتاب عن الإسلام والمسلمين , يعتبرون ذلك مني تفاؤلاً مفرطاً وسذاجة سياسية. وقد خاب فألهم وظنهم “حتى الآن” حين تجاوز الشعب هذه المحنة العصيبة , رغم أن مخاطر العودة لصراع المليشيات الطائفية المسلحة وعودة القاعدة أو غيرها من الجماعات المسلحة لا يزال قائماً , إذ أن الناس في العراق يعيشون هذا الاحتمال اليوم في سلسلة التفجيرات الانتحارية الجارية في بغداد وديالى , أو الهجوم العدواني الوحشي على مسيحيي الموصل أو في غيرها , وهو ما يفترض الانتباه له والاهتمام به وعدم السقوط في فخ الانتعاش بالانتصارات على القوى المجرمة ! ويفترض أن لا تتوجه الأنظار إلى أتباع القاعدة وجماعة البعث المجرمة من أتباع الدرويش عزة الدوري وهيئة علماء المسلمين حسب , بل وصوب فعاليات جيش المهدي التي تتخذ صيغاً جديدة تقترب من أساليب تلك القوى وتفوقها قسوة ووحشية. أريد أن أقول هنا بوضوح وبدون أي تردد بأن مخاطر الحرب الأهلية لم تنته بعد , وعلينا أن نعمل بكل الجهد المطلوب لتفاديها بجهود مضاعفة تسقط قدرة الإهرابيين على إشعال حرب طائفية أو قومية.
    وحين يستقر العراق اكثر وتهدأ الأحوال ويبدأ الشعب بالتفكير الهادئ في ما تسببت به قوى الإسلام السياسي المتطرفة وميلشياتها المسلحة على نحو خاص , سيرى الشعب كله بالأرقام الناطقة حجم الخسائر البشرية الفعلية الكبيرة جداً والمريعة حقاً التي تحملها هذا الشعب المظلوم خلال هذه السنوات الخمس المنصرمة وعدد الجرحى والمعوقين والمصابين بعلل اجتماعية ونفسية كبيرة , كما سيطلع على أرقام خيالية , ولكنها حقيقية , عن حجم الخسائر المالية التي تحملتها خزينة الدولة والعواقب الوخيمة التي ترتبت عنها على الاقتصاد العراقي والتنمية الاقتصادية والبشرية والتي رفعت من الحجم الكلي للخسائر المادية والبشرية التي تحملها العراق عبر العقود الأربعة المنصرمة والتي كان الشعب العراقي بحاجة ماسة إلى تلك الأموال وإلى أولئك البشر من أجل النهوض من كبوته وسباته الطويلين ومعاركه المريرة التي أجبر عليها. كما سيرى ويلمس حجم الأموال التي سرقت من خزانة الدولة العراقية أو من المساعدات التي قدمت له خلال السنوات الخمس المنصرمة ودخلت في جيوب القطط السمان والحديثة النعمة من مختلف الأصناف.
    ورغم كل تلك الجهود التي بذلها أعداء الشعب والسلام والاستقرار لم ينجحو في تحقيق أملهم وحلمهم في نشوب تلك الحرب الطائفية السياسية بين سكان العراق السنة والشيعة. إلا أن هؤلاء الأعداء لم ولن يقبلوا بهذه الهزيمة الراهنة , وبالتالي فهم يعملون لتحريك ذات القضايا السابقة وقضايا أخرى جديدة يمكنها أن تقود إلى عواقب أوخم في العراق , إن لم يحسن المسؤولون السياسيون وكل القوى السياسية العراقية الإمساك بلجامها وإيجاد الحلول العملية لكل المشكلات التي تواجه البلاد.
    فلو تركنا مشكلة الصحوات العشائرية التي يمكن أن تتصاعد في كل لحظة , لأسباب كثيرة لست في معرض تحليلها , دون أن نغمض العين عنها , ووجهنا أنظارنا صوب قضايا جديدة قديمة للعراق فيها تركة وتراث ثقيلين جداً , تشكل عقداً جديدة في العلاقة بين الإقليمين العربي والكردستاني في العراق , بين حكومة بغداد وحكومة الإقليم.
    فمنذ عدة شهور ومطبخ التآمر على العراق يعمل بقوى إضافية وجهود مكثفة ومضاعفة وحيوية بالغة وإعلام مركز ومتواصل لتعميق الخلافات القائمة وتشديد التوتر وتصعيد الخطاب السياسي بين الحكومة المركزية في بغداد وحكومة الإقليم في أربيل حول قضايا سياسية وإدارية ومالية كبيرة. لقد جندت القوى المعادية للشعب العراقي بكل مكوناته لهذه القضية الأساسية بعض الأطراف والقوى العراقية , وبعض القوى والدول الإقليمية المجاورة وكذلك بعض القوى الدولية التي لها مشكلاتها العويصة مع الولايات المتحدة الأمريكية والتي تريد تصفية بعض حساباتها معها في العراق. ويتجلى ذلك في حملة إعلامية ناشطة حقاً تستخدم الصحف والمجلات ومحطات الإذاعة وشاشات التلفزة وصحف المواقع الإلكترونية على الإنترنيت. وأصبح بعض العراقيين وسطاء نشطاء لنقل هذه الجهود الحثيثة لتخريب العلاقة بين الشعبين إلى أكبر عدد ممكن من المواطنات والمواطنين في العراق وخارجه. ويختلف الموقف من هذه الظاهرة الإعلامية , فالبعض يريد التنبية إلى المخاطر الكامنة وراء هذه الخلافات وعواقبها , في حين يرغب آخرون في الاستفادة منها لإثارة مشاعر الناس إما ضد الكرد وإما ضد العرب بتضخيم المشكلات القائمة ونشر التصريحات النارية أو حتى افتعالها , فالكذب هو ديدن هذه القوى القومية والدينية المعادية والمغرضة التي تريد الصيد في الماء العكر , ” افتروا , ثم افتروا , ثم افتروا , لعل بعض افتراءاتكم تعلق بأذهان الناس! ” , هذه هي الحكمة الأخلاقية التي عمل بها هتلر وغوبلز وصدام حسين ومحمد سعيد الصحاف ومن لف لفهم من عناصر مماثلة تعمل اليوم في الساحة السياسية العراقية أو خارج العراق.
    ليس من حق أحد أن ينكر وجود خلافات بين بغداد وأربيل حول عدد من القضايا المهمة , ومنها مسألة “المناطق المتنازع عليها” مثل كركوك وخانقين ومخمور وغيرها , أو مسألة عقود النفط وسبل التعاقد والمسؤولية بشأنها وسبل تسلم المواراد المالية عنها أو موضوع الجمارك في مناطق كُردستان الحدودية …الخ , وكذلك حصة الإقليم من إيرادات العراق المالية من النفط والجمارك والمساعدات الخارجية وغيرها , إضافة إلى ضرورة الاتفاق على القوانين التي تنظم كل ذلك وغيرها بين المركز والإقليم في ضوء الدستور العراقي وبعيداً عن المركزية التي سادت العراق في النظم السابقة و بل وفق قواعد جديدة لهذه العلاقة التي ينظمها الدستور وتضاغ في قوانين ملزمة للجميع. ولا يجوز لأحد أن ينكر وجود مواقف متصلبة إزاء هذه القضايا في الجانبين , ولكن هناك الكثير من القوى العقلانية والموضوعية والهادئة في الطرفين التي تجد ضرورة إيجاد حلول عملية سليمة لكل تلك المشكلات عبر المفاوضات الهادئة والسلمية ووفق آليات ديمقراطية يحكمها الدستور العراقي الذي ارتضته الغالبية العظمى من الشعب العراقي , بغض النظر عن اعتراضات البعض عن بعض ما في هذا الدستور , وأنا منهم , سواء أكانت تلك الاعتراضات صحيحة أم خاطئة.
    ومن أجل معالجة مثل هذه القضايا بحس عراقي سليم يصبح المتفاوضون بحاجة إلى الالتزام بخمسة مسائل جوهرية تساعد في الوصول إلى حلول واقعية مقبولة ومرضية , وهي:
    1. اعتماد مبدأ الحوار لمعرفة موقف كل طرف وتحديد نقاط الاتفاق والاختلاف ثم البدء بمعالجة نقاط الاختلاف واحدة بعد الأخرى.
    2. امتلاك القدرة على الصبر والمتابعة والموضوعية والتمسك بمبادئ وآليات ديمقراطية لحل المشكلات القائمة والابتعاد عن جو الإعلام المثير للمواقف والعواطف أو إلى تعبئة القوى مما يزيد من التخندق المتبادل الذي لن يوصل إلى حلول عملية , بل يشدد من الاصطفاف والاستقطاب غير المفيدين.
    3. الابتعاد كلية عن التهديد باستخدام القوة والعنف والسلاح “لاسترداد الحق المغتصب” من جانب الكرد , أو “الاحتفاظ بالحق” من جانب العرب والتركمان , على سبيل المثال لا الحصر , إذ أن الحوار وحده يوصل إلى رؤية واقعية للحقوق.
    4. اعتماد مبدأ المساومة المقبولة عند دراسة هذه المسائل الحساسة ووفق الدستور العراقي وفي إطار رؤية عراقية يتعايش فيها الشعبان وبقية القوميات عقوداً قادمة لا يعرف كل الأطراف مداها , بل هي مفتوحة على الزمن.
    5. القبول بدور الأمم المتحدة الذي يمارسه السيد دي مستورا باعتباره الوسيط الحيادي الذي يمكنه المساعدة في الوصول إلى حلول عقلانية تساومية مقبولة. وقد برهن ممثل الأمم المتحدة على قدرته في تقديم حلول أولية قابلة للنقاش والتعديل من جانب جميع الأطراف.
    نحن أمام معضلات قابلة للحل وليست عصية , وليس من حق الجميع ارتداء الملابس والخوذ العسكرية وحمل الرماح واستلال السيوف استعداداً لخوض معركة دونكيشوتية ستكون في كل الحسابات خاسرة بالنسبة للجميع ولن يكون الغالب فيها سوى أولئك الذين يريدون عراقاَ غارقاً بالدم والدموع والبؤس والفاقة والأحزان , أولئك الذين يتطلعون إلى تحقيق الاجهاز على فيدرالية كردستان العراق بذريعة أنها تريد التوسع على حساب الأرض العربية في العراق , وأولئك الذين يسعون إلى توسيع رقعة كُردستان على حساب الأرض العربية أو بحجة إقامة فيدرالية مسيحية يراد لها أن تلتحق بالإقليم والتي تثير من المشكلات أكثر من أن تحل أي مشكلة فعلية والتي عشنا أول إثارة لها في ما حصل في الموصل أخيراً , وأولئك الذين يريدون تدمير العراق خشية من تطوره الديمقراطي الفيدرالي المحتمل وأولئك الذين يخشون أن تكون الفيدرالية الكردستانية نموذجاً يحتذى به لبقية اجزاء كردستان في كل من تركيا وإيران مثلاً. ينبغي أن يأخذ الحق مجراه , ولكن وفق أسس وآليات ديمقراطية سليمة وعادلة وبعيداً عن الشوفينية وضيق الأفق القومي أو التحجر والعجز عن التفكير بحلول عقلانية وعملية مناسبة. إن الموجات القومية المتطرفة تقتل الروح الديمقراطية ووتحبط عملية التحري عن حلول عملية للمشكلات القائمة وتقود إلى الاستبداد والتسلط والدوس على حقوق الإنسان وحقوق القوميات.
    كما أن الإحساس بالنصر من أي طرف كان واغتنام الفرصة لخلق تحالفات جديدة غير عقلانية لمعالجة مشكلات عمرها مئات السنين وبسرعة فائقة , يمكن أن يعطي انطباع لا يساعد على حل أي معضلة , في حين أن مصير الجميع مرتبط بمصير العراق كله وليس بهذه القضية الصغيرة أو تلك. ولهذا فليكن ما تحقق من نجاحات على هذا الصعيد أو ذاك هي نجاحات للعراق كله , وما تبقى من مشكلات تمس العراق كله , وعلى الجميع تقع مسؤولية بذل كل الجهود المتوفرة والمبادرة الخلاقة لمعالجتها بروح عراقية ورغبة صادقة في تجاوز المحن الصغيرة لصالح بناء عراق ديمقراطي فيدرالي مدني حديث.
    لا يمكن لأي إنسان عاقل وصادق مع نفسه وشعبه ومخلص لهما في مثل هذه الظروف المعقدة والعواطف الجياشة إلا أن يوجه النداء بصوت مرتفع ويقول للجميع : ليكن العقل , ولتكن الحكمة , وليكن الدستور , ولتكن الخشية الحقيقية الصادقة على دم ودموع الشعب العراقي , ولتكن الرغبة في التقدم في جو من الأخوة والتضامن والمساواة , هي الدوافع التي تحرك المركز والإقليم والمجتمع صوب معالجة المشكلات المعلقة. ليكن هذا هو الطريق الوحيد الفعال من أجل إفشال مخططات جمهرة الصيادين البؤساء في الماء العكر ومؤامرات كل من يحمل الحقد والكراهية والعداء للشعب العراقي بكل مكوناته القومية. 

    15/10/2008 كاظم حبيب