الرئيسية » مقالات » أحمد زکريا: الصورة الكوردية في فيدرالية الجنوب ليست قاتمة

أحمد زکريا: الصورة الكوردية في فيدرالية الجنوب ليست قاتمة



حاوره: نزار جاف


أحمد زکريا الکاتب و المثقف المصري، مع إنه مهندس مدني و يعمل في مجال إختصاصه، لکنه في نفس الوقت من الوجوه المصرية القليلة الملمة بالقضية الکوردي الى جانب القضية الفلسطينية و هو يسعى دوما لتسليط الاضواء عليها و توضيحها للرأي العام العربي و المصري، ومع ان للاستاذ زکريا رؤيته الخاصة کمصري للقضية الکوردية و ينظر إليها وفق زوايا محددة، لکنه ومع ذلك يمتلك أفقا رحبا يکاد يجمع في ثناياه الکثير من الجوانب المشرقة و الايجابية لتلك القضية.


صحيفة کوردستان ريبورت و من أجل تعريف القارئ الکوردي بآراء و طروحات أحمد زکريا أجرت معه هذا الحوار.


کوردستان ريبورت: المشهد العربي يوحي في ظاهره بالهدوء و الاستقرار و الامن، أما في باطنه فإن المراقبين السياسيين و الصحافة تقول خلاف ذلك، کيف تقرؤون المشهد العربي؟


أحمد زکريا: المشهد العربي سلبي بالمجمل، فهناك أجزاء من الأمة ترزح تحت الاحتلال العسكري الأجنبي المباشر، فلسطين، والعراق، والأحواز وعربستان، وباقي جسد الأمة يعاني حالة من التجزئة والتفتت إلى عدة مقاطعات أو إقطاعيات سياسية (دول)، واقع زرعته الإمبريالية باتفاقية سايكس بيكو 1916، ثم أكدته أعقاب الحرب العالمية الثانية، مروراً بمحاولات التحرر الوطني العربي المبتسرة عقدي الخمسينات والستينات، التي تم تفريغها من محتواها، لاحقاً، بفعل خلل هيكلي من داخلها، تمثل في افتقاد تلك التجارب للبعد الديموقراطي في إدارة الحياة السياسية، حيث تعاملت الإدارة السياسية للبلدان العربية، مع القوى السياسية الداخلية في بلدانها، بنفس درجة الحدة في العداء، التي تعاملت بها مع خصومها الخارجيين من الدول الاستعمارية، فتساوى لديها من اختلف معها سياسياً من أبناء الوطن، بالعدو الاستعماري الخارجي، فلجأت تلك الإدارات إلى القمع السياسي الدموي لخصومها السياسيين الداخليين، وما زالت، الأمر الذي أضعف تلك الإدارات، وأفقدها حلفائها الداخليين، المحتملين، بدلاً من أن تكسبهم لصفها في معركة التحرر، مما وسع جبهة الأعداء في مواجهتها لصالح خصومها الاستعماريين، فصبغ العمى السياسي أعين قادة حركات التحرر العربي في تلك الفترة، ما أدى إلى تفريغ ما تحقق من إنجازات، وآلت المنطقة، الآن، بأسرها لترزح تحت الاستغلال الرأسمالي الوحشي المحلي، المرتبط عضوياً بالرأسمالية العالمية، بل والراضخ لها تماماً، وبعد أن كانت المنطقة قد تحررت من القواعد الأجنبية، تحولت في العقدين الأخيرين إلى مرتعٍ للقواعد الأجنبية الأمريكية، والفرنسية، وحتى الإسرائيلية، فتحكم فيها النفوذ الأجنبي في غير صالح شعوبها. واحتقنت حياة البشر بالمظالم، فتدنت خدمات البنية الأساسية، بل وانعدمت في كثير من مناطق أمتنا، تعليم وصحة وثقافة وفنون ومواصلات واتصالات وخدمات مرافق عامة مياه وصرف صحي، فضلاً عن شيوع سياسة الفساد، والإفساد في مجمل البناء السياسي، والاقتصادي الرسمي العربي، في ظل انعدام الديموقراطية، وسيادة النزعة البوليسية لأجهزة الحكم، فسادت النزعة الانكفائية الفردية العدمية لدى المواطن، بعد أن أصبح غير آمن على حياته ومستقبل أبنائه، فانسحق بين محتلٍ دخيل، ومستغِلٍ من أبناء وطنه، وسادت الروح والثقافة الدينية الظلامية المستمدة من فكر البداوة محدود الثقافة، ما زاد من مطامع الأمم الخارجية فينا، فضلاً عن استنزاف ثرواتنا الطبيعية. الصورة بمجملها سلبية، ولعل أشد ما فيها من سلبية هو افتقاد الأمة العربية لقواها الثورية الوطنية الديموقراطية، أيديوليجياً وتنظيمياً، تلك التي يمكنها قيادة الأمة إلى مستقبل حر، أكثر عدالة وإنسانية، الأمر الذي أتوقع ألا يغيب طويلاً، فالحالة العربية بهذا الشكل حبلى، ومنذرة بتغيرات واسعة وعميقة مقبلة، لن تستطيع المنظمومة الرسمية العربية تفاديها. فتحت الرماد الساكن، نار متأججة!


کوردستان ريبورت : مشروع الشرق الاوسط الکبير مازال هناك لغط کبير بشأنه، هل إنتهى هذا المشروع أم أن هناك ثمة مشروع بديل أو مايشابه ذلك، وهل إن فشل هذا المشروع کان مرتبطا برفض الشارع العربي الرسمي له؟


أحمد زکريا: حين أفصح المحافظون الجدد، الممثل الرسمي لليبرالية المتوحشة العالمية الجديدة، عن مشروعهم الطامح لشرق أوسط جديد، وتسربت بالفعل خريطته إلى الصحف وصفحات الانترنت، تباينت حياله ردود الأفعال العربية، فشعبياً لم يصدق البعض أن الرأسمالية العالمية بصدد إعادة تقسيم المنطقة، مستبعدين ذلك الاحتمال، متناسيين أن الخريطة السياسية العربية، والشرق أوسطية الحالية، ليست نتاج إرادات شعوبها، ولا تلبي احتياجاتهم، ولا تحقق مصالحهم، بل هي إبداع الإمبريالية العالمية، مطلع، وأواسط القرن العشرين، ومن يملك وضع الخريطة الأولى، يملك إعادة تغييرها كما يتراءى لأطماعه، طالما غاب الفعل الواعي لأبناء الوطن، وتُـرِك مصيره في أيدي القوى الخارجية، وأذنابها المحليين في الحكم الرسمي العربي، إلا أنه، ومن جانبٍ آخر، وعلى المستوى الشعبي أيضأ، تنبهت النخب السياسية الشعبية المعارضة للنفوذ الإمبريالي في المنطقة، لخطورة المشروع، غير أن موقفها لم يكن على المستوى الكافي لإفشاله، إلا في حدود دعم المقاومة العربية في فلسطين وجنوب لبنان، عاطفياً، ووجدانياً فحسب! وعلى المستوى الرسمي تعاملت الدوائر والإدارات العربية الحاكمة مع الأمر ببرود، بل بتجاهل، متصورين أن التغيير والتفتيت لن يشملهم، أو أنهم سيتمكنون من تفاديه، فسارعوا بتقديم مزيد من التنازلات أمام القوى الخارجية ممثلة في الولايات المتحدة الأمريكية، بمزيد من القواعد والتسهيلات الأمنية والتعاون المخابراتي والصفقات الاقتصادية والتسليحية غير المتوازنة وغير الضرورية، وصولاً إلى رشوة الإدارة الأمريكية بالسعي، انبطاحاً وتذللاً، نحو إقامة علاقات رسمية مع الكيان الصهيوني استرضاءً لواشنطن، فيما لم تكن هناك ضرورة حقيقية لفتح علاقات مع إسرائيل لدى بعض الأطراف العربية، مثلاً بعض مشيخات الخليج العربي، التي لايتعدى عدد سكانها بضع عشرات من الآلاف، وتسمى دولاً، وممالك، سعت جرياً وزحفاً على البطون لإقامة علاقات شائنة مع إسرائيل دون حاجة ملحة، أو إضطرار قهري لها، فهي لم تكن من دول المواجهة في يوم من الأيام، والأمر ينطبق أيضاً على موريتانيا والمغرب مثلاً، وضغط هذا الأمر على بعض دول المواجهة فدخلت في حوار، وتفاوض غير مباشر مع إسرائيل، لحلحلة الوضع، وليس بالضرورة للوصول إلى تسوية، في محاولة لتفادي الخريطة الجديدة. مشروع الشرق الأوسط الكبير كطموح استعماري لم ينتهي، ولكن حدثت ثلاثة متغيرات أديت إلى إبطاء خطاه، أولها التنامي المتواتر للنفوذ والتغلل السياسي الإيراني في الساحة العراقية، وثانيها هزيمة الجيش الإسرائيلي الثقيلة في جنوب لبنان على أيدي المقاومة الوطنية العربية صيف 2006، وثالثها هزيمة الجيش التركي في حملته المشؤومة على مناطق زاب وقنديل بفعل مقاومة قوات الدفاع الشعبي الكوردستاني 20 – 29/2/2008. ما أدى إلى إبطاء الخطى في تنفيذ المشروع، فالساحة المطلوب تنفيذ المشروع فيها غير مهيأة، ومليئة بالعقبات، فواشنطن وإسرائيل تريد الشرق الأوسط الجديد بلا مقاومة عربية، وبلا حزب العمال الكوردستاني، وبأقل نفوذ إيراني ممكن. فلجأت واشنطن وإسرائيل إلى محاولة تهدئة الجو المتوتر بينهما وبين إيران، وقد ردت إيران من الطرف الثاني من الخط بالإيجاب على استحياء وبحذر، كما أعادت إسرائيل وأمريكا بناء استراتيجية جديدة لمواجهة المقاومة العربية بجنوب لبنان عبر عزلها، بنقل المفاوضات السرية غير المباشرة مع الإدارة السورية إلى مستوى التفاوض العلني شبه الرسمي، فالرسمي، وتكثف إسرائيل جهودها لدعم ترسانتها العسكرية بمضادات الصواريخ استعداداً لمواجهة مقبلة مع المقاومة العربية، ومن جانب ثالث تكثف واشنطن وإسرائيل من دعمها العسكري لتركيا بالعتاد والخبرات العسكرية والاستخباراتيه في محاولة لإخلاء كوردستان من حزب العمال الكوردستاني بالقوة العسكرية والقمع المسلح. فأمريكا وإسرائيل تريد شرق أوسط جديد بدون قوى مقاوِمة للسياسات الامبريالية، بدون حزب العمال الكوردستاني مثلاً، وعليه فقد لعب الدور الأساسي في إعاقة تقدم مشروع الشرق الأوسط الجديد، المقاومة الوطنية الديموقراطية العربية، والكوردية، المدعومة بتأييد جماهيريهما، فيما شكَّلَ العامل الخارجي الإيراني عاملاً ثانوياً في الإعاقة. وقد قدمت إحدى القوى الثورية الوطنية الديموقراطية الإقليمية مشروعاً بديلاً، هو مشرع شرق أوسط ديموقراطي جديد، يبنيه ويديره جماهير المنطقة وقواها الطليعية لمصالح شعوبها، شرق أوسط يعتمد على القوى الوطنية بالمنطقة، في إطار فيدرالي، متجاوز لسلطة الدولة، بمفهومها الخدمي الوظيفي الاستعماري، شرق أوسط يتساوي فيه جميع أبنائه في الحقوق والواجبات، ويتمتعون باستقلاليتهم، وممارسة حريتهم وحقوقهم القومية والديموقراطية، ويتمتعون فيه بثروات بلادهم، دون تدخل، أو هيمنة أجنبية، وقد طرح هذا المشروع، وبلوره حزب العمال الكوردستاني، ويلاقي هذا الطرح تجاوباً ملحوظاً، وإن كان مازال في مراحله الأولى.


کوردستان ريبورت : إيڕان تلعب مع العرب بحذاقة و ذکاء و هي تمرر في کل مرحلة مجموعة أطروحات خاصة بها على المنطقة، کيف تفسرون العلاقة بين إيران بنظامها الحالي و العرب؟


أحمد زکريا: إيران هي إحدى أهم القوى الإقليمية منذ بدايات القرن العشرين، بصرف النظر عن طبيعة نظامها السياسي، لعدد من العوامل المتعلقة بتكامل الموارد، والموقع الجغرافي السياسي، والكتلة السكانية، والتنوع العرقي لسكانه، ونظراً لارتباطاتها المبكرة بالمراكز الإمبريالية العالمية، على خلفية اقتسام سلطتها المحلية لثروتها الطبيعية مع القوى الإمبرياية العالمية الطامعة فيها، ما أعطاها ميزة تفاضلية في علاقة القوى الامبريالة العالمية وإسرائيل بالسلطة السياسية الإيرانية، وحتى ثورة 1979، حين اختلت تلك المعادلة بصورة نسبية، فضلاً عن الجوار الجغرافي المتاخم للوطن العربي، وما نجم عنه من استحواز إيران على عبدان وحوزستان وعربستان منذ عام 1925، وهي مناطق عربية بالجغرافيا، والتاريخ، والسكان، ما أوجد خط تماس، واحتكاك دائم بين النظم السياسية الإيرانية المتعاقبة، ودول المنطقة العربية، ومؤخراً، وبالتحديد أعقاب حرب الخليج الثانية، وجد النظام السياسي الإيراني سانحةً سياسية للعب دور أكثر محورية في المنطقة، فطفقت النخبة السياسية الإيرانية الحاكمة تسعى لتوسيع نفوذها في المنطقة، على حساب حرية القرار السياسي العربي، الغائبة أصلاً تحت معطف التبعية السياسية والاقتصادية الغربية، فتصادمت طموحاتها الإقليمية، بالطموحات الإقليمية المتنامية للكيان الصهيوني، فكلاهما يسعى ليصبح القوة الإقليمية الأولى في المنطقة، خاصةً مع تراجع الدور الإقليمي للإدارة السياسية المصرية المتزايد من الساحة العربية، بل والدولية، وما تلاه من تراجع الدور السوري، فالعراقي، ما قبل 9/4/2003 وما بعدها، كلٌ لأسبابه المحلية، والإقليمية، والدولية. أسهم في نمو طموحات، ومن ثم مساعي، ونفوذ الإدارة الإيرانية في المنطقة العربية، تراجع دور القوى الثورية الوطنية الديموقراطية، بل وتحطم أدواتها تباعاً، على مذبح ديكتاتورية النظم العربية المتعاقبة، في المراكز الإقليمية العربية التقليدية، تلك المذابح التي شهدتها عقود الخمسينات والستينات والسبعينات، والتي شنتها القوى العربية القومية الفاشية، فغيبت الديموقراطية، وغيبت القوى الوطنية الثورية، فاضعفت ذاتها، وانفردت بالسلطة، وأسقطت نفسها بإرادتها تحت حصار، وضغط القوى الإمبريالية الدولية، والقوى الإقليمية المحيطة بها، ومنها إسرائيل وإيران، مطلقةً العنان لطموحات التوسع الإقليمي الإيراني، الذي وجد فرصته سانحةً في العقد الأخير. فانطلق في الساحة الخليجية، والعراقية، وبلغت طموحاته محاولة تعميق نفوذه في الشام، بعقد تحالفات إقليمية مع النظام السوري، وبعض القوى العربية المحلية المقاومة، أيضاً، آملاً أن تتحول علاقة التحالف تلك، في ظروف توازن قوى أكثر ملاءمة لإيران، إلى علاقة تبعية ونفوذ مهيمن، وتحقُق هذا بالطبع رهن بسلوك الأطراف الأخرى من التحالف، ومدى وزنها النسبي، واستقلاليتها، في المجال السياسي الاقليمي. المسألة في تقديري هي صراع بين القوى الإقليمية المتنفذة حالياً، للتحول إلى مراكز إقليمية رئيسية، تسعى لتوسيع نفوذها السياسي، ومن ثم نفوذها الاقتصادي، والحصول على نصيب أكبر من الميراث العربي المتطاير، بعد تراجع دور القوى المركزية العربية التقليدية. وأمريكا بالطبع ليست بعيدة عن أتون هذا الصراع، والجماهير العربية والكوردية، هي من يدفع ثمن تلك الأطماع، والصراعات، طالما التزمت تلك الجماهير بموقف المتفرج غير الفاعل، في تقرير مصيرها بإيجابية. کوردستان ريبورت : ترکيا في ظل نظامها الاسلامي البراغماتي تمکنت من أن تحقق إنجازات على عدة أصعدة و سيما على الصعيد الاقتصادي وقد باتت العديد من الدوائر الاعلامية العربية تمجد الحالة الترکية و تدعو للإقتداء بها، ماهي وجهة نظر أحمد زکريا بخصوص ترکيا وهل تصلح کنموذج مثالي لدول المنطقة؟


أحمد زکريا: النظام السياسي في تركيا ليس نظاماً إسلامياً، فحزب العدالة والتنمية ليس هو النظام، بل هو الحزب الحاكم، جزء من النظام، باعتباره أحد مفردات المنظومة الحزبية، التي تشكل مع مفرداتٍ أخرى مجمل النظام الحاكم، وأقصد تحديداً الجيش والبرلمان والمحكمة العليا والمؤسسات المتنفذة الأخرى كالسلطة المعنوية للصحافة وأجهزة الإعلام مثلاً، تلك التي تقوم بدورٍ أساسي في تشكيل الوعي الجمعي للشارع التركي، وهي منظومة تخضع للدستور والقانون العلماني إسماً، الفاشي القومي العنصري الدكتاتوري فعلاً، فمفاتيح السياسة التركية، ليست في يد الحكومة، ولا الحزب الحاكم، المفاتيح الحاكمة في يد النظام ككل، وتلعب فيه بعض القوى التحتية الخفية، دوراً ضاغطاً، ومدافعاً، عن توجه النظام، دور يذهب لحد استخدام العنف السياسي المفرط، ابتداءً من مستوى الاغتيال السياسي (عصابة أرجنه كون نموذجاً)، ووصولاً لمستوى مصادرة إرادة الجماهير بالانقلاب العسكري، والمصادرة العلنية للحريات والإرادة السياسية للمجتمع. وهذه الملامح بالتحديد، هي العقبة الكأداء المنتصبة في مواجهة تحقيق طموح تركيا للانضمام إلى السوق الأوروبية المشتركة. فالملامح الفاشية العنصرية، والنهج الديكتاتوري السياسي، هي المحددات التي يتحرك في إطارها الفعل السياسي الرسمي التركي، منذ أوائل عشرينات القرن المنصرم، وحتى الآن، مع ملاحظة أن مشاركة تركيا في الحرب العالمية الأولى، والثانية كانت ضمن قوات المحور، كانت في الثانية متحالفة مع النازي والفاشية الإيطالية، وحين خرجت من الحرب لم تعد صياغة نهجها، ونظامها السياسي نحو التحديث الليبرالي الغربي، بل استمرت على النهج الطوراني الأتاتوركي العنصري الفاشي، وما حدث من تغيرات في بنيتها السياسية كان في الشكل، دون أن يمس المحتوى والمضمون، هذا هو جوهر أزمتها السياسية على الصعيد الداخلي، وعلى الصعيد الدولي أيضاً، بكل بساطة هي دولة تسلح جيشها، بأحدث الأسلحة، ومنها ماهو محرم دولياً كالقنابل العنقودية، ليوجه أسلحته إلى صدور مواطنيها، لا عمل له سوى القمع المسلح للمواطنين، وإحكام قبضته الرقابية على السلطة السياسية، حراسةً لتعاليم أتاتورك المتكلسة منذ تسعة عقود! وما نتصور أنه إنجاز اقتصادي في تركيا، ماهو سوى تبلور اقتصاد تابع للاقتصاد الغربي، وبالتالي تابع سياسياً، لألمانيا وأمريكا وإسرائيل تحديداً، اقتصاد يرتكز على علاقات إنتاج متخلفة، فمازالت علاقات الإنتاج في الريف التركي، مثلاً، شبه إقطاعية، أو ما ذهب الاقتصاديون في تسميته ببقايا الإقطاع الشرقي، فضلاً عن إهمال تطوير علاقات الإنتاج في شمال كوردستان، الخاضعة سياسياً لتركيا، وهي ما تشكل الثلث الشرقي والأوسط لتركيا، بل يدفع النظام السياسي عامداً تلك المناطق، والتي تشمل أكثر من ثلث سكان البلاد، إلى مزيد من التخلف الاقتصادي والاجتماعي، ما يعيق النمو الاقتصادي وبالتالي السياسي والاجتماعي لتركيا ككل، رغم توافر مقومات ذلك النمو، لو خضعت تلك المقومات لسلطة سياسية راشدة وديموقراطية، تؤمن بالتعددية العرقية، وبحقوق المواطنة المتساوية لكل الأطياف العرقية لسكان البلاد، وتسعى لتفعيل آليات متطلبات تلك الحقوق. وعليه يتضح أن حزب العدالة والتنمية وإن كان يعلن توجهاً برنامجياً ذا ملامح إسلام سياسي معتدل، كما يحلو للبعض أن يشيع، إلا أنه في حقيقة الأمر لا يسير دفة الحكم والنظام السياسي، بل هو أحد أدوات هذا النظام السياسي في تسيير الدولة، بموجب توليه الحكومة عبر أغلبية برلمانية، فاستحال برنامجه السياسي، وتم تطويعه لخدمة توجهات الدولة الطورانية الأتاتوركي، صار مرآة لها برتوش وملامح ظاهرية إسلامية، وعملياً ينفذ كافة توجهاتها، النظام الحاكم بالمفهوم المتقدم عرضه هنا هو من يقود المشهد السياسي ويطوعه بكافة مفرداته. وتأسيساً على هذه الخلفية فلا يمكن لسلطة سياسية متبصرة، عربية كانت، أو غير عربية، أن تتخذ من الحالة التركية نموذجاً يقتدى به، ناهيك عن الخلفية التاريخية للعلاقة بين تركيا والعرب، فقد خضعت البلاد العربية للحكم التركي ما يزبد عن أربعمائة، من عام 1516 وحتى 1917، أورثت فيها تركيا التخلف الاقتصادي والاجتماعي والثقافي والسياسي للمنطقة العربية، ووأدت أي إمكانية للنمو والتطور الطبيعي لعلاقات الانتاج، والبنية السياسية، وهذا هو الجذر الحقيقي لتخلف المنطقة العربية، حتى يومنا هذا، إلى جانب الاختيارات السياسية الخاطئة لأبناء المنطقة العربية بالطبع، خلال القرن العشرين، وسقوطها تحت السيطرة الاستعمارية الغربية، ثم تنامي السرطان الصهيوني داخلها، في غفلة من قواها الثورية، غير المتبلورة في تلك الحقبة. وعليه فالنموذج التركي هو الوجه الآخر للحالة العربية، النموذج التركي هو بالضبط، وبالتحديد، النموذج الذي ينبغي على المنطقة العربية تجنب الأخذ بآلياته، بل عليها دراسة مكوناته، وخصائصه بعناية، لتجنب الانزلاق إليها، والسقوط فيها، هذا من وجهة نظري بالطبع.


کوردستان ريبورت : إنطلقت أول صحيفة کوردية للعالم من القاهرة في بدايات القرن العشرين، وهذا الحدث الذي صار بمثابة ميلاد للصحافة الکوردية إقترن مع مصر کرمز للحرية و الثقافة، لکن المثقفون الکورد بشکل خاص و الشارع الکوردي بشکل عام يرون نوعا من النفور من لدن المثقف و الکاتب المصري بخصوص التجربة الکوردية الحالية، هل لکم أن تبينون لنا جانب من الصورة؟


أحمد زکريا: علاقة مصر بالكورد وكوردستان أعمق بكثير مما يتصور البعض من المصريين، أو الكورد، على حدٍ سواء، ففضلاً عن صدور أول صحيفة كوردية في مصر (صحيفة كوردستان) في 22 إبريل/ نيسان 1898 حيث صدر منها 31 عدداً باللغة الكوردية، باللهجة الكرمانجية الشمالية “لهجة جزيرة بوتان”. وكانت تصدر  نصف شهرية، في أربع صفحات، مكتوبة بالحروف العربية، وترأس تحرير الأعداد الخمسة الأولى منها مقداد مدحت بدرخان، وواكبت في ذلك نهوض الصحافة الحديثة في مصر، تواجد الكورد في مصر منذ عمق التاريخ، ولعل الشخصية الأبرز كانت القائد الملهم صلاح الدين الأيوبي، ومن بعده الدولة الأيوبية بكاملها في مصر، وتفرعاتها في الشام واليمن، وما نجم عنها من وجود أغلب رجال الدولة وقتها من الكورد، وكذلك أغلب قادة الجيش الذي قاد المصريين والعرب لتحرير بيت المقدس من الصليبيين، بل أن صلاح الدين الأيوبي تصرف بوصفه مصرياً أكثر من كونه كوردياً، وفي هذا الإطار لم يدون التاريخ المصري نفوراً، أو حساسية شعبية مصرية، ضد قيادة الدولة آنذاك، بل تعاطفاً ومؤازرةً، خاصةً مع الجيل الأول منها، وعبر حقب التاريخ المختلفة نزح إلى مصر الكثير من الكورد وعرفت عائلاتهم في مصر مثل عائلات الأورفلي والمرعشلي ووانلي ومورلي، نسبةً إلى بلدانهم التي قدموا منها مثل (أورفا ومرعش)، فضلاً عن عائلات البدرخانية (بعد صدور الفرمان الكمالي التركي بنفي البدرخانيين الأكراد من تركيا عام 1922، فلجأو للإقامة في مصر)، والعائلة التيمورية، والأباظية، وعائلة خورشيد وغيرهم كثير من العائلات الشهيرة في مصر حتى الآن، ولعب العديد من أبناء هذه العائلات دوراً بارزاً في تاريخ مصر الحديث، فالكثير من شخصيات مصر الهامة منذ النصف الثاني للقرن التاسع عشر وما تلاه، ممن حملوا راية التنوير الأولى في مصر، في مجالات الأدب والشعر والثقافة والفن والسياسة والاقتصاد، ومن ثم انتقلت إسهاماتهم إلى العالم العربي، كانوا كورداً، ومنهم على سبيل المثال، لا الحصر، الكاتب أحمد تيمور باشا، والشاعرة عائشة التيمورية، والأديب محمود تيمور، وأمير الشعراء أحمد شوقي، والمخرج أحمد بدرخان، وعلي بدرخان، ومحرر المرأة قاسم أمين، والأديب عباس محمود العقاد، وعامر العقاد، وأحمد أمين، والدكتور حسن ظاظا، والممثل أحمد رمزي، وسندريلا الشاشة العربية الراحلة سعاد حسني، واسمها الحقيقي (سعاد محمد حسني البابا)، وأختها المطربة نجاة الصغيرة، وأخوهما عازف الكمان الشهير عز الدين حسني، الممثل الشهير الراحل رشدي أباظة، والدهم هو محمد حسني البابا، من عائلة سورية كوردية، وهو ابن المطرب السوري حسني البابا، والأخوان الممثل المعروف صلاح السعدني وأخيه الكاتب الصحفي المعروف محمود السعدني، وكذلك الممثل العظيم الراحل محمود المليجي، والفنان التشكيلي الأشهر سيف وانلي، والصحفية المصرية المعروفة درية عوني ابنة المترجم والباحث الكردي  محمد علي عوني السويركي، المولود في مدينة “سويرك” من أعمال “ديار بكر- آمد” في شمال كردستان 1897، الذي قدم لاستكمال دراسته الدينية في الأزهر الشريف، ومنعته السلطات التركية من العودة لبلاده بسبب أفكاره القومية، فبقي في القاهرة مؤدياً خدمات متعددة ومؤثرة للحكم والإنتلجنسيا المصرية حتى وفاته 1952، كما يرجع البعض محمد علي باشا، باني مصر الحديثة، وحاكمها وواليها ما بين (1805 – 1848)، إلى أصول كوردية من ديار بكر، والمفكر الثوري المجدد عبد الرحمن الكواكبي، كذلك المصلح والمجدد الشيخ الإمام محمد عبده مفتي الديار المصرية، ومن أهم الزعماء المثقفين للثورة العرابية في مصر 1982، واسمه بالكامل محمد عبده بن حسن خير الله الكردي: فقيه أزهري، مفسر، متكلم، أديب، صحافي، سياسي، ومن كبار رجال الإصلاح والتحديث في العصر الحديث، مواليد محلة نصر بمحافظة البحيرة عام 1849. كما لعب الأزهر في مصر دوراً هاماً في نشر الثقافة الدينية بين الكورد، من خلال رواق الأكراد بالأزهر، الذي أخرج أجيالاً متعاقبة من رجال الدين والفكر الكورد استكملوا تعليمهم فيه، ثم عادوا إلى بلادهم ناقلين العلوم الشرعية التي درسوها إلي أهليهم، ومن مشايخ الأزهر ممن كان لهم شأن عظيم في نواحٍ عدة، أزهرية وغيرها، الشيخ عبد الرحمن بن أحمد بن محمد الذوقي الكردي الأزهري، نسبة إلى حصن الذوق بإحدى نواحي ولاية (بدليس، أو بتليس) بشمال كردستان المتوفي سنة 1940، والشيخ عمر وجدي بن عبد القادر الكردي المارديني، المصري (1901-1991م)، الفقيه، المتكلم، الزاهد، المولود بماردين بشمال كردستان، وكان له شأن كبير على المستوى المصري والكوردي في آنٍ معاً، والمقرئ ذائع الصيط الشيخ عبد الباسط محمد عبد الصمد رئيس نقابة قراء القرآن الكريم في مصر، وشيخ المقرئين المصريين طوال أكثر من نصف قرن، المولود 1927 بإحدى القرى التابعة لمركز أرمنت التابعة لمحافظة قنا بمصر والمتوفي عام 1988، كما أن كثير من القرى المصرية تنتسب إلى الكورد، مثل ” كفر الأكراد”، و” منية الكردي”، و” قرية الكردي” مركز دكرنس بمحافظة الدقهلية بالوجه البحري. كما أن البطل الشعبي عند المصريين “سليمان الحلبي” الذي قتل كليبر قائد الحملة الفرنسية، في بركة حديقة الأزبكية في 15 يونيو/ حزيران 1800، كان كوردياً، واسمه سليمان محمد أمين أوس قوبار، من عائلة عثمان قوبار، المشهور بلقب سليمان الحلبي، ولد عام 1777 في قرية كـُوكـَانْ فوقاني “الجَزْرُونِيَّة” (التابعة لمنطقة عفرين في الشمال الغربي من مدينة حلب). يتبين مما سلف أن المصريين كمواطنين وإدارة رسمية ومثقفين وقوى وطنية، على مدار تاريخهم الحديث، لا يقفون موقفاً رافضاً أو منكراً أو متجاهلاً للكورد ممن تواجدوا في محيط المجتمع المصري، ولم يتجاهلوا قضايا الكورد حين تلامست مع المشروعات القومية للشعب المصري إبان صعودها في ستينات القرن العشرين، بحكم التفاعل الإيجابي الاجتماعي والثقافي المشترك، بين من وفدوا على مصر من الكورد، وبين مختلف شرائح الشعب المصري، وبحكم قدرة الشعب المصري على قبول الآخر، والتفاعل الإيجابي معه، وما يتصف به الكورد من همة عالية، وطيبة نفس، ونقاء أخلاق، وسمو الطباع، ولكن نظراً لحالة الانكفاء الذاتي للمواطن المصري، وقصور حركة نخبته المثقفة الوطنية الديموقراطية، نتيجة النهج القمعي السلطوي الواقع عليه عبر عقودٍ عدة، ضَعُفَ اهتمام المواطن المصري بقضايا المنطقة عموماً، منها ما هو عربي، ومنها ما هو كوردي، بالطبع، إلا في حالاتٍ استثنائية، وهذا لا يمنع اهتمام جانب من المثقفين المصريين ومتابعتهم الدقيقة للمسألة الكوردية، بل ومشاركتهم الفكرية في مناقشتها، وإن كانت محدودة حتى الآن، إلا أن تنامي الاهتمام المصري، بالشأن الكوردي، إيجابياً، هو رهن بجهود المثقفين المصريين والكورد المشتركة، على حدٍ سواء، في هذا المحور.


کوردستان ريبورت : هناك جدل عربي و إسلامي کبير بشأن القضية الکوردية، ولحد هذه اللحظة ليس هناك إعتراف حقيقي کامل بها کقضية حيوية بحاجة الى حل جذري، السؤال الذي يطرح نفسه بهذا الصدد هو: لماذا هذا الموقف؟


أحمد زکريا: يعاني العالم العربي من حالة تدهور على المستوى الفكري والسياسي والإعلامي، مصدرة حالة تبعية قواه المتنفذة سياسياً واقتصادياً أمام القوى الخارجية، وانحدار أداء وفاعلية القوى الوطنية الديموقراطية الثورية، وحتى الليبراية العربية، الأمر الذي أصاب المجتمع العربي بالعجز عن معالجة قضاياه الملحة، بشكل فعال، وإيجابي، على قاعدة الاستقلال الوطني، وقد أسهبت في هذا الأمر فيما سلف، وسقط في خضم هذه الحالة، العديد من القضايا الهامة، والمحورية، من أجندة المثقف الوطني العربي، منها ما يتعلق بقضايا الاستقلال الوطني، ومنها ما يتعلق بحقوق المواطنة لمختلف أطياف المفردات السكانية للمنطقة، وفي مقابل هذه الحالة تصدت القوى الرجعية العربية، وتلك المرتبطة بمشاريع مشتركة مع القوى الخارجية الطامعة في السيطرة على المنطقة ونهب ثرواتها، لإدارة هذه القضايا من منطلقاتها المصلحية والانتهازية، فكرست هذه القوى حالة تشرذم شعوب وطوائف المنطقة، وتقوقعها، دافعة قضاياها للتعقد والاتجاه نحو الحلول الصدامية، أو التسويفية المفرغة، خالقةً بذلك حالةً من الفوضى الضبابية، تتيح لها النفاذ بسياساتها الاستغلالية، لموارد المنطقة قدماً، دون حساب، ودون رقيب، الأمر أشبه بمؤامرة، تتشارك فيها النخب الحاكمة للمنطقة، حالياً، متعاونةً، وبتوجيه من القوى الإمبرالية والاستعمارية. ونتيجة هذه الحالة هو السقوط في الحلول المسكنة، والالتفافية، والخادعة، لقضايانا الملحة، ومنها القضية الكوردية، فالحلول الجذرية تطرحها القوى الراديكالية الوطنية الديموقراطية، وهي في حالة جذر وعجز وغياب، كما سلف القول.


کوردستان ريبورت : تتهم إسرائيل بإستغلالها لمشکلة الاقليات العرقية و الدينية في الدول العربية و يمکن هنا الاشارة للمشکلة الکوردية نموذجا، هل أن هناك مشاکل عرقية و دينية في المنطقة فعلا؟ وهل تصدت دولة ما بجرأة لمعالجة تلك المشکلة؟ إليس المدان الاول هو من يسمح بوجود مشکلة يستغلها عدوه قبل إدانة المظلوم الذي يقرع کل الابواب من أجل خلاصه؟


أحمد زکريا: وصف استغلال إسرائيل للمشاكل العرقية والدينية في المنطقة استخداماً براجماتياً توظفه لخدمة مشروعها الصهيوني المستهدف للهيمنة على المنطقة واستنزاف طاقاتها ونهب ثرواتها على حساب شعوبها، بمشاركة وتوجيه القوى الإمبريالية العالمية، ليس اتهاماً لإسرائيل، بل هو توصيف دقيق لأحد مهامها الوظيفية التي تأسس المشروع الصهيوني من أجلها، وهذا التوصيف ليس مجافياً للحقيقة، فلا يختلف اثنان هلى تاريخ تأسيس إسرائيل، والهدف من تأسيسها، مسار الأحداث أثبت ذلك، وحتى الإسرائيليين أنفسهم أقروا به، ولنراجع ما كتبه المؤرخون الجدد الإسرائيليون في هذا الأمر على مدار الخمسة عشر عاماً المنصرمة، وجلهم من الباحثين والأكاديميين السياسيين والاجتماعيين، من أمثال إيلان بابيه وبني موريس وآفي شليم………….، والمشكلة فضلاً عن تعلقها بالتركيب البنيوي للكيان الصهيوني، تكمن بالفعل في السياسات العاجزة، والتآمرية، والقمعية التي تسلكها النخب الحاكمة في المنطقة، في غيبة القوى الوطنية الديموقراطية والثورية، وتغييبها، ومصادرتها لدور المثقف الوطني الديموقراطي العربي الواعي، حيال مشاكل الأقليات العرقية، والدينية بالمنطقة، ومن الخطأ تصور ما تبديه تلك النخب الحاكمة من عداء ظاهر تجاه إسرائيل، على أنه عداءً حقيقياً، فإن مسار وتطور الأحداث، طوال ثلاثين عاماً خلت، يثبت توافقاً وتكاملاً في الرؤى، وشراكةً وتشابكاً في المصالح بين النخب الحالكمة، والمشروع الصهيوني، والمشاريع الاستعمارية في المنطقة، في تحالفٍ واضح، التقى في النهاية على سحق الأقليات، والفئات العربية المهمشة، والطبقات الشعبية، وتجاهُل بل وترسيخ مشاكلها، وتكريسها، لتخدم في النهاية مصالح التحالف سالف الذكر، على حساب شعوب المنطقة، ومصالح ومستقبل أبنائها السياسي والاقتصادي.


کوردستان ريبورت : کيف تنظرون للتجربة السياسية الحالية في إقليم کوردستان العراق؟


أحمد زکريا: نجم عن السياسات الخاطئة التي سلكها النظام الحاكم في عراق ما قبل 2003، عدداً غير قليل من الجرائم ضد الإنسانية، بعضها يتعلق بالأقليات، وبعضها يتعلق بالعرب من العراقيين، وليس أقلها ممارسة المذابح الجماعية ضد أبناء العراق عرباً وكورداً، ما أفضى لسقوط العراق تحت الاحتلال العسكري الأجنبي المباشر، فمصادرة الحريات الديموقراطية، وممارسة التسلط الأمني، والعمل نيابةً عن الجماهير، والاستفراد بالسلطة، والقرار السياسي، من قبل نظام سياسي يرفع شعارات قومية عربية، أفضى به إلى السقوط في الفاشية العنصرية، ما دفع أبناء العراق إلى مواجهة عنف السلطة، بعنف المعارضة، عنف الضحية، وأمام أول سانحة تاريخية أتاحتها تطورات الأحداث في العراق، تبلورت الفيدرالية الكوردية في مناطق جنوب كوردستان، السليمانية وأربيل، وما حولهما من مناطق، فهذه الظاهرة هي نتاج طبيعي لما عاناه الكورد طوال عقود من السحق، والتهميش، والإنكار، ومصادرة الهوية، والتآمر السلطوي على مصالح، وطموحات أكراد جنوب كوردستان، إلا أن الفيدرالية المشار إليها تولدت في ظروف مشوهة، في إطار صراع حكمه تدخل أجنبي، كما حكمته درجة تطور اجتماعي وسياسي متدنية، هي وليدة الظرف السياسي العام الحاكم للمنطقة عموماً، منذ أربعة قرون سبقت القرن العشرين، وعليه اتسمت التركيبة السياسية، والنهج السياسي الحاكم للفيدرالية بنفس السمات التي تحكم المنطقة بأسرها، فالصورة الفيدرالية الكوردية بجنوب كوردستان تعاني من مظاهر الفساد الإداري، والاقتصادي، والسياسي، وقمع الحريات الديموقراطية، خاصةً الصحفية منها، منع الصحفيين من تغطية أحداث الحملة التركية في فبراير/ شباط 2008 على الشريط الحدودي، واعتقال بعض الصحفيين، وإغلاق مقرات بعض الأحزاب السياسية الكوردية، في نفس الفترة تحت ضغوط خارجية تركية، والمشهد لا يخلو من مظاهر محاولات توريث السلطة، على النحو المعروف والمنتهج عربياً، كما لا يخلو من بعض ملامح عسكرة الحياة السياسية، وبسط السطوة الشرطية على الشارع الكوردي في الفيدرالية، وإبراز الأجهزة الإعلامية للثقافة الاستهلاكية، وما ينجم عنها من تشويه وتدهور للذوق العام، ومسخ للخصائص الثقافية والتراثية الكوردية، فضلاً عن تدني مستوى الخدمات، وشبكات البنية التحتية، في الوقت الذي تتمتع فيه النخبة بثراء ترفي فاحش، يفتقد لمبررات موضوعية ومنطقية لحيازة أصحابه له، بل وتضعهم محل شبهة وتساؤل! إننا أمام صورة مكررة، وبالتفصيل الممل، لما هو حادث في المشهد السياسي الحاكم للدول العربية، فنفس المحددات التي تحكم الواقع العربي، تحكم الواقع الكوردي في الفيدرالية، فكلاهما نبت من نفس التربة، وتغذى على نفس المنابع. إلا أن الصورة الكوردية في فيدرالية الجنوب ليست قاتمة، فالمشهد السياسي هناك، وعلى عكس نظيره العربي، يحمل مكونات ديموقراطية فاعلة، وواعدة بمستقبل أكثر إشراقاً للفيدرالية، شريطة الأخذ بالآليات الديموقراطية، والشفافية في الإدارة السياسية والاجتماعية.


ملاحظة: نشر نص الحوار باللغة الکوردية في صحيفة کوردستان ريبورت الصادرة في مدينة أربيل عاصمة إقليم کوردستان.