الرئيسية » مقالات » كامل شياع ومعركة الحياة الثقافية الديمقراطية والإنسانية في العراق !

كامل شياع ومعركة الحياة الثقافية الديمقراطية والإنسانية في العراق !

لم تكن الطلقات النارية الكثيفة التي أصابت رأس وقلب المثقف الديمقراطي العراقي الصديق كامل شياع عفوية ولا عبثية , بل كانت موجهة , هادفة ومعنونة إلى كل مثقفات ومثقفي العراق الديمقراطيين , إلى كل الذين يحملون في رؤوسهم وعلى أكتافهم فكراً حراً ومشروعاً ثقافياً ديمقراطياً , مشروعاً لنشر وتعميم الحياة الثقافية المدنية الحرة والديمقراطية , وإلى كل السياسيات المثقفات والسياسيين المثقفين الذين يمارسون السياسة الديمقراطية بخلفية ثقافية مماثلة ويمارسون نفس دور المثقف في السياسة العراقية , إلى كل هذه النخبة الخيرة والمعطاءة وجهت رسالة التهديد والوعيد هذه. إنها طلقات موجهة للجميع ومؤجلة مؤقتاً.
وحالما نكبنا باستشهاد الزميل كامل شياع ارتفعت أصواتنا عالياً وقدمنا احتجاجاتنا وسودنا الصفحات حزناً عليه وعلى الثقافة العراقية التي فقدت واحداً من أبرز وأخلص الملتزمين بها والمدافعين عنها والمحشدين لانتصارها في العراق. وتم الاحتفال التأبيني بأربعينيته في العراق وبريطانيا وهولندا وألمانيا والولايات المتحدة والسويد …الخ . ويتمنى الإنسان أن لا تهدأ الأصوات التي انطلقت ولا تخفت مطالبة الحكم وأجهزة الشرطة والقضاء العراقي بالتحقيق لمعرفة القتلة الأوباش.
كان الأوباش أعداء الإنسان , وهم يقدمون على ارتكاب هذه الجريمة البشعة ومثيلاتها , يدركون خمسة مسائل جوهرية , وهي:
1 . أن اغتياله سيثير ضجة كبيرة في بداية الأمر , ثم تهدأ وتتراجع وتختفي إلى حين ارتكاب جريمة جديدة أخرى مماثلة.
2 . وأن هذه المسألة سوف لن تهم الجميع , بل ستواجه بالصمت من قبل أولئك الذين لا يؤيدونه في الفكر وفي وجهة الثقافة ممن هم في الحكومة أم خارجها.
3 . وأن الجريمة ستضيع كما ضاعت الكثير من جرائم الاغتيال الأخرى لعدد كبير من مثقفي وديمقراطيي واختصاصيي العراق الأوفياء لشعبهم ووطنهم وقضية الديمقراطية في العراق , ومنهم شاكر الدجيلي أو قاسم عبد الأمير عجام أو السيدة المعملجي أو المناضل سعدون وغيرهم كثيرون.
4. وأن هذه الجريمة ستدفع بالكثير من الناس إلى التراجع والكف عن الاندفاع من أجل نشر الثقافة الديمقراطية الحرة في العراق ووتخفف من نضالها ضد الفكر السياسي الطائفي والعنصري المقيتين.
5 . وأن القوى السياسية التي تقف في صف الحركة الديمقراطية العراقية الواسعة , وليس لحزب بعينه , التي ينتمي إليها الشهيد كامل شياع , ستوقف الضجة الإعلامية بشأن استشهاده بعد الأربعينية , لأنها لا تريد أن “تفسد!” المناخ الحواري أو التعاوني في ما بين القوى المشاركة في الحكم , وأنه ليس الأول ولن يكون الأخير من شهداء الحركة الديمقراطية العراقية. وربما القتلة يمارسون العملية السياسية ويقتلون في وضح النهار في آن واحد.
يصعب على من عرف العزيز الغالي كامل شياع وعلى من عمل معه أو عرف مضامين مشروعه الديمقراطي الذي تبناه وترك الإقامة في أجواء الهدوء والسكينة وقرر وضع نفسه في خضم الحياة السياسية العراقية المعروفة بكل تفاصيلها , أن يقبل بهذا المنطق واحتمال التوجه صوب السكوت على الجريمة البشعة , تماماً كما حصل مع الصديق الغالي شاكر الدجيلي الذي غيب في سوريا.
صحيح لم يكن كامل القتيل الشهيد الأول ولن يكون الشهيد الأخير. ولكن هذا هو بالضبط هو مربط الخيل الذي أشدد عليه , هذه هي نقطة الضعف التي يستثمرها الأعداء ويوغلوا في ارتكاب جرائمهم البشعة. فالسكوت وعدم المطالبة يعني الإعلان عن الهزيمة أمام المجرمين ويعني بدء القتلة بارتكاب جرائم أخرى , إذ لا ملاحقة لهم ولمن يقف خلفهم.
ليس من قتل المثقف الديمقراطي العراقي كامل شياع يتبع قوى الجريمة المنظمة العادية أو أنه من المجرمين الاعتياديين بأي حال , بل هو قاتل يمثل في ممارسته القتل ويجسد مضمون وأساليب أيديولوجية معينة وسياسة معينة , ولا يمكن القبول بأي تفسير آخر.
كلنا نعرف بأن كاملاً كان مراقباً وملاحقاً في حركته ومرصوداً في خطواته من قبل قوى معينة ينبغي العمل على كشفها والكشف عن ابعادها الفكرية والسياسية والثقافية المحلية والإقليمية.
أرى بأن من واجب المثقفات والمثقفين ومن واجب السياسيات والسياسيين من ذوي الخلفية الثقافية الحرة في العراق وفي الخارج أن يتضامنوا معاً وينسقوا في ما بينهم بشأن الخطوات والإجراءات التي يفترض اتخاذها بهذا الصدد لضمان ملاحقة المجرمين ووضع حد للغتيال السياسي في العراق :
1 . الاتفاق على تشكيل لجنة موسعة من المحامين العراقيين لمتابعة موضوع جريمة قتل الشهيد كامل شياع والكشف عن القتلة واسباب القتل.
2 . نشر المعلومات التي تتوفر حول اغتياله بهدف تنوير الرأي العام العراقي بما جرى من جهة , والحصول على مساعدة الناس في الكشف عن القتلة ومن يقف خلفهم من جهة أخرى.
3 . متابعة الحكومة في ما اتخذته من إجراءات بشأن استشهاد مستشار وزارة الثقافة العراقية ونشر خطواتها على الرأي العام العراقي.
4 . دعوة منظمات حقوق الإنسان واللجنة التابعة للأمم المتحدة واليونسكو والمنظمات البلجيكية ونقابات المحامين في منطقة الشرق الأوسط لمطالبة الحكومة العراقية والقضاء العراقي بالتحقيق بمقتل كامل شياع.
5. مطالبة الحكومة العراقية بتوفير الحماية المناسبة , وبالاتفاق مع اتحاد الأدباء ونقابة الصحفيين , لمثقفات ومثقفي العراق ومنهم كل العاملين في الإعلام العراقي, خاصة وأن هذا المجال الحيوي قد فقد الكثير من الناس الطيبين خلال الأعوام الخمسة المنصرمة.
6. دعم جهود الدكتور حيدر سعيد لإنشاء مرصد كامل شياع بما أنيطت به من مهمات.
إن مثل هذه الإجراءات على بساطتها يمكنها المساهمة بتوفير حد مناسب من ضمانة ملاحقة المجرمين القتلة وإعلامهم بأن الحق لا يضيع ما دام خلفه مطالب , وأنها ربما تساعد على تأمين جو أفضل لتوفير الحماية وعدم السكوت عن الجرائم التي ترتكب في العراق.

15/10/2008 كاظم حبيب