الرئيسية » مقالات » سلآماً على المسيحي ، الذي سأبقى مُدانٌ له بحياتي .. !!

سلآماً على المسيحي ، الذي سأبقى مُدانٌ له بحياتي .. !!

بعد أن أنهينا دراستنا الجامعية في منتصف العقد السابع من القرن الماضي , إلتحقنا في صفوف الجيش لتأدية الخدمة الإلزامية , صار البعثيون من أقراننا ضباطاً , ونحن جنوداً بسطاء , تَشرفَ الواعين منا بوسام التمييز هذا , أصبحت سائق دبابة ماهر , ووصلت وبائس آخر مساء يوم ممطر الى معسكر اللواء المدرع المُنسبين إليه , وقد إنتصبت عند بوابته الرئيسية قِبالة إقامة الحراس خرابة , خلتها زريبة حيوان ..لمح مصاحبي فيها رجلاً رثاً ..قال لي مذعوراً .. وجلاً .. ياإلآهي .. هذا طالب من جامعة السليمانية ضن أهله إنه قد مات منذ زمن .. هَمَ إليه .. لكن الحراس زجروه وحالوا بينهما , وراحا يتبادلان النظرات الحيرى وفهمنا بأن هذا الباسل “عاثر الحظ ” يؤدي آخر طقوس دوامات الموت في ثكنات الرعب البعثي , قادنا بعد إنتظار طويل وممل رئيس عرفاء بطين موشح ..يتأبط عصاً صغيرةً , وقال لنا بلهجة جنوبية عند مهجعٍ للجنود ” إنطمرو هنا وباجر نوزعكم ” صار نصيبي دبابة إنقاذ في مفرزة تصليح اللواء , وبدأت أستشعر أجواءاً عدوانيةً تحاصرني يوماً بعد آخر حتى دعاني ذات يوم نائب ضابط مسيحي من الموصل الى مكتبه , يوم كان هو أعلى المراتب غير المجازة والباقية في المفرزة , وقال لي إغلق الباب وإسمعني جيداً .. لقد إجتمعت اللجنة الحزبية بحضور ضابط إستخبارات اللواء – رتبته نقيب كان حلاقاً في أحد الأحياء الشعبية ومولع بتربة الحمام “مطيرجي ” يطلق كل مساءٍ في أجواء المعسكر الحمام من قفص أقامه فيه – وأطلعنا على تقريرٍ مفصلِ حول نشاطاتك المعادية للحزب والثورة في الجامعة , وكلف نائب الضابط الأقدم ” س الدليمي ” بمهمة إستفزازك .. فإن حدث ذلك , وأتمنى أن لايكون .. ستُرَحل الى الإستخبارات العسكرية , وبعد أن عجزت عن إقناعه بفبركة ما أسند إلي وقبل أن أهم بالخروج .. إستوقفني .. ورفع ستارة النافذة المطلة على ميدان الرماية , وقال بإبتسامة عسكري صارم , تذكر.. إن أنت أعلمت أحداً بما دار بيننا هنا , ونقر بسبابته على الطاولة , وأردف قائلاً : سنلقى حتفنا رمياً هناك , ثم أسدل الستارة بعصبية .. إختلطت فيها مشاعر التعاطف معي , والشعور بتوريط نفسه بواجبٍ وطنيٍ قد ره وأحسن تقديره .. وتمتم غاضباً فهمت منه , أن لعلعة الرصاص قبل ليلتين خلت كانت تزف كزغاريد الصبايا نزيل الخرابة عند بوابة الحزن , إعترتني قشعريرة الإعتزاز بهذا الفارس العراقي , وعاهدته صامتاً بأن ألقنهم درساً بليغاً في صلابة وحدة الإرادات الخيرة لإحفاد السومريين والآشوريين .
وما أن عاد أخي في الدين من البادية بعد إنقضاء إجازته , وفي صباح جمعة كئيبة وقف الدليمي بنا عند بقايا خربة , أمرني بمساواتها مع الأرض , تحت أنظار الجميع اللآهين فيما بينهم , وقرر أن نقيم مكانها مستودعاً , كان نصيبي في قسمة العمل أن أجلب الطين الى البنائين وحدي من مسافة 50 متراً وبالإناء الذي أتناول فيه طعامي ” القصعة ” , وللإمعان في الإذلال والتعبير عن الكراهية كان يلقي على مسامعي كلاماً جارحاً ضد رموز النظال الوطني والتحرري العراقي ,يعكس طبيعة المستنقع الحزبي الذي تلقى فيه آدابه , ممنياً نفسه المريضة بردة فعلٍ مني , تُنعش أحلام الثأر الهمجي لديه , ألزمني أن أكون خفراً وحيداً لقاعتين كبريتين – إعتاد أربعة جنود الوفاء بإنجاز مهامهما يومياً – لأكثر من خمسة وأربعين يوماً متتآلية , وحرمني الإجازات الدورية وفرض علي تنظيف الدبابات ومحيط القاعات ونقل مؤنة الجنود من الطعام , ويتصاعد تنكيله بي مع تصاعد إصراري على أن أحطم نفسية هذا البدوي المتعجرف حتى لا أقع في فخه , وأن أفي عهداً قطعته في سري لأخي في الإنسانية والمواطنة , وهو يرقب أدائي عن بعدٍ ويطمئنني بإشارات الرضى بإبهام يده الكريمة , حتى قال لي خلسةً بلهجته المصلاوية ” بقى تقول ما عمل شئ بالجامعة ”
أخيراً إعترف المستبد بهزيمته أمام الجنود , يوم إستجاب لطلبي بالحصول على إجازةٍ , وهو يتسائل بعقلية قبلية عشعش فيها الوهم , أما أخبرتني بربك من بطون أي القبائل العربية الشريفة أنت ؟ ومن معادن أي الرجال قد قُددت ؟ ما قلت لي أفاً ! من كل ما سلطت عليك من جورٍ …برقت في عيون المصلاوي إبتسامة جميلة .. هز رأسه ونسحب بهدوءٍ جليل , وداخلي يهتز طرباً وأنا أرد على الدليمي صامتاً , أنا أبن من أرضعت جدته النبي (ص) قيم الصمود بوجه مستبدي قريش , يشد في أزري سليل وهب النصراني الذائد عن نساء الحسين (ع) بكربلآء , وقد قُددنا من غيوم الخير الأزلي , التي تنشر البرد والسلام والحناء فوق بيوت الفقراء والكادحين في بلآدنا , فسلاماً إيها المسيحي , الذي آلى على نفسه أن لا يأكلني أخي في الدين , وبؤساً لقاتليك ومشعلي النار في بيتك , وسحقاً لمن يسرق من قلادة دجله أجمل لأآلؤها , فالأوغاد ياأخي – زبدٌ- ذاهبون , وأنا وأنت والنخيل سنبقى لأنها تنفع الناس .