الرئيسية » المرأة والأسرة » { الإحصاء } وبعض النماذج النسوية

{ الإحصاء } وبعض النماذج النسوية

في العام 1962 بدأت السلطات السورية ” حكومة الانفصال وقتها ” بإجراء إحصاء استثنائي في محافظة الحسكة ولمدة يوم واحد فقط , لم يكن الهدف منه تعدادا حقيقيا للسكان أو سبرا صادقا أو دراسة معمقة لأوضاع المحافظة وفقا لإحصائيات دقيقة , بقدر ما كانت رغبة دفينة من قبل هذه السلطات في تجريد الآلاف من سكان هذه المحافظة من جنسيتهم السورية والتي كانوا يتمتعون بها ,وبلغ عدد هؤلاء وقتها 15. ألف مواطن سوري تم سحب بطاقاتهم الشخصية وتحويلهم إلى من مواطنين فعالين في هذا الوطن إلى مجردين من كل جنسية وعالة على أي مخطط من شأنه الحفاظ على السير قدما نحو التطور في هذا البلد.
ولأن هذا الإحصاء كان سريعا , عشوائيا , غير مدروس فلقد حدثت فيه من الأعاجيب الكثير وأدى إلى أمور خطيرة وغير مرضية في حياة هؤلاء المجردين وإلى كتلة من السلبيات على اقتصاد هذا البلد وأمنه الاجتماعي ثانيا وليس أخيرا .
نماذج :
السيدة ش.م : تقول هذه السيدة من القامشلي بأنها من عائلة تم تجريد بناتهن فقط من الجنسية السورية وهن أربعة في حين أن الشباب ظلوا مواطنين ولديهم الهويات السورية واستغربت من مثل هذا الإجراء , وكانت شكواها أكثر من استغرابها فهي سيدة مسنة لم يستطع زوجها تحمل أعباء أسرته إلا لسنوات محدودة وترك الحمل فيما بعد على أكتافها , ثلة من الأولاد غير المسجلين في السجلات المدنية لأن هذا غير ممكن وبذلك فقدوا حقوقهم في التوظيف والدراسة وكل ما يتمتع به المواطن العادي من حقوق ولاقت هذه السيدة الويلات في حياتها حتى استطاعت أن تربي هؤلاء الأطفال .
أما الآنسة م.أ فهي خريجة قسم اللغة العربية ولكن مع الأسف فهي من ضمن هؤلاء المجردين وغير قادرة على أن توظف في السلك التعليمي وهذا ما صعب عليها الأمر وجعلها تنبش في كل زاوية منتظرة فرصة سانحة وبدلا من أن نسمح لها بخدمة وطنها وأبناءه في مدارسنا مستفيدين من دراستها فلقد وجهناها نحو المعاهد الخاصة متربصة بالدروس الخصوصية وبالأمل في أن تعود لها جنسيتها يوما ما .
وأما السيدة ك.ج فلقد فرحت لسؤالنا عن أحوالها لأنها قالت أنا أفكر إذا أنا موجود , وسؤالكم لي يدفعني بالتأكيد للتفكير مع أن الأمر لا يستحق التفكير فالحال معروفة ولكن ما أعانيه أكثر مم يعانيه الغير , فأنا سيدة من أب مواطن جردت من جنسيتي وبعد أن تزوجت ولم أنجب أطفالا طردني زوجي وتزوج من أخرى ولأنني لا أملك أي عقد للزواج فهذا غير ممكن بيننا نحن معشر ( الأجانب ) فلقد فقدت كامل حقوقي حتى حقي في المطالبة بهذه الحقوق وهذا ما جعلني أتحسر على نفسي وألقي باللائمة لا على زوجي بل على من نفذ هذا الإحصاء .
ومهما كان البحث عن ديمومة البقاء في هرم هذه الحياة حثيثا , وكان الأمل متأرجحا بين لحظات وأخرى فإن الآنسة ل.خ الحاصلة على إجازة في الصحافة , تبقى سليلة البقاء في قعر الهرم , فطالما حلمت بالسفر إلى حيث الخبرات العالمية والدورات واللقاءات الصحفية , ولكن تبقى الصدمة في كل مرة جديدة عليها , لتؤذيها بكل جوارحها من الألف إلى الياء وفي أعماقها , فهي غير قادرة على السفر لأنها لا تحمل جوازا يؤهلها لأن تمثلنا بكل وطنيتها في الخارج ولكن لتبقى حالمة تكتب عن هموم غيرها متربصة بما هو أصعب لتهون عليها مصيبتها كامرأة .
وبعد أن تحدثت عن هذه الصحفية وما يهون عليها الأمر وجدت بأن كل ما ذكرته أهون من مصيبة السيدة ع.س والتي أجهشت بالبكاء لحين إحساسها بنفاذ صبرنا وطلبنا لسبب هذا البكاء فقالت : ” وكيف لا أبكي وأنا محرومة من حتى حق الولادة , حق الحفاظ على الجنس البشري , حق كينونتي كأنثى فحين هم جنيني بالقدوم , أسرع بي زوجي إلى المشفى الوطني خائفا من فقداننا للجنين ولكن وأمام أبواب المشفى كانت الطامة الكبرى فلقد منعنا من دخولها لأننا لا نملك الهويات السورية ومهما حاولنا أن نعطيهم الأوراق التي تثبت شخصيتنا وبأننا ساكنو هذا الوطن فإن الأمر يزداد سوءا وبعد أن ضاقت بنا السبل اضطررنا للذهاب إلى الطبيب الخاص الذي حمل لنا جثة الجنين معلنا لنا موته وحينها انتابتني آلاف المشاعر مترامية الأطراف فمن أسى وحزن على جنيني الذي قتل , نعم قتل إلى فرح وحمد لله وآلاف الشذرات الجنونية لأن طفلي لم يعش هذه الحياة ولم يتألم كما تألمنا أنا ووالده أمام مصيرنا كموتى فليس من حق الميت أن يولد ” .