الرئيسية » بيستون » مزايدات رخيصة بعيدة عن مطاليب الكرد الفيليين

مزايدات رخيصة بعيدة عن مطاليب الكرد الفيليين

عندما يتجول أي منا في شوارع بغداد الحبيبة خلال مرحلة الإنتخابات وأحداث الوضع السياسي الساخن … تستوقفه شعارات دعائية كثيرة ، ومن بينها لافتات لأحدى المنظمات غير المعروفة ( لا حاجة لذكر أسمائها ) التي تطفو على السطح في مستنقع راكد حالها .. العديد من الدكاكين السياسية المُتواجدة داخل الوسط الكردي الفيلي ، وغيره التي تُعبِّر عن حالة صحية وطبيعية شهدها العراق الجديد بعد سقوط الصنم في 9/4/2003 ودخول قوات الإحتلال إلى بغداد ، وبذات الوقت تعكس حجم التشتت والإنقسام الفكري والحزبي والسياسي بعد إنهيار النظام الشمولي والحزب الواحد القائم خلال عقود الظلم والقهر الماضية … المهم ما أثار الدهشة والريبة والإستغراب … هو مضمون تلك الشعارات واللافتات مثار الجدل والنقاش ، التي إحتوت على ما يأتي : – ( الجماهير الفيلية تطالب بطرد منظمة مجاهدي خلق الإرهابية . . . . إلخ ) ، فهي مجرد كلمات رنانة وعبارات طنانة لأغراض الإستهلاك المحلي وطلب الصدقة والإحسان وترضية جهات معينة وكسب ودّها وعطفها والتناغم معها ، ومن باب المجاملات السياسية المُزيفة على حساب التضحيات المُشرفة ودماء الشهداء الأبرار ، والسؤال هنا يطرح نفسه بعلامة إستفهام عريضة ؟! أهذا هو حقاً مطلب أساسي للجماهير الفيلية ؟ … فيالها من طامة كبرى ومزايدة سياسية رخيصة ومكشوفة ومقبوضة الثمن مقدماً … حيث جاءت تلك المنظمة وهي مجرد سراب أو ضباب بلا عنوان أو هوية ، وليست الأولى من نوعها ولا الأخيرة … لتتحدث بالنيابة عن أحدى مكونات الشعب العراقي المهمة .. فلو كانت المطالبة بأسمها مع مؤيديها وداعميها فلا ضير من ذلك ، ولتتحمل وحدها النتائج المُترتبة على أفعالها غير المُدروسة أو المحسوبة ، ولكن لم يخولها أحد من الشريحة الفيلية أو يطلب منها ذلك بالمرة ، وفي موضوع حساس جداً لا ناقة للفيليين فيها أو جمل ، { وهذا الأمر يعد من أبرز نقاط الخلاف الرئيسة على نطاق مباحثات الحوار بين الحكومات / العراقية / والأمريكية / والإيرانية } ، وبالتالي نصبت تلك الجماعة نفسها وصياً غير شرعي على الكرد الفيليين وكأنهم لم يبلغوا سن الرشد ، وعلى الرغم من إفتقارها إلى تمثيلهم بشكل حقيقي وواقعي في مجلس النواب وغيره من مؤسسات الدولة ، والأدهى من ذلك أن القضية محورية وجوهرية على مستوى السياسة الخارجية والعلاقات الإقليمية والدولية ، والمواطن فيها ليس صاحب قرار أو علاقة بالأمر لا من قريب أو بعيد ، وذلك بإعتبارها جزء من مسؤوليات الحكومة العراقية التي وجهت بطرد عناصر مجاهدي خلق الإرهابية مُنذ قيام مجلس الحكم الإنتقالي وصدور قراره المُرقم (126) لسنة 2003 ، ومن هنا لا يجوز أن تتحمل الشريحة الفيلية المُضطهدة في زمن النظام المُقبور وزر ذلك الموضوع الذي لا يشكل أحدى همومها ومشاكلها العالقة .. فهي ببساطة متناهية ليست لديها قوة التدخل والتأثير على مجرياته نتيجةً لإستبعادها المقصود عن العملية السياسية في العراق الجديد ، ويكفيها ما عانت من جور ومأسٍ وفواجع .. إذ أنها ذاقت الأمرّين خلال تعاقب الحكومات العراقية على السلطة منذ عام / 1921 ولحد الآن ، والظلم المُتراكم لهذه الشريحة المُظلومة يغنيها عن أية قضية أخرى ، أما كان الأجدر بتلك المنظمة ومثيلاتها أن تكون أولوياتها وأمام نصب عينيها هي المُطالبة الجدية والفعالة بإنصاف الفيليين ، وإيجاد الحلول الجذرية لإعادة الجنسية العراقية المُسقطة عنهم ، مع حقوقهم المُغتصبة وأموالهم وعقاراتهم المصادرة تعسفاً ، ورد الإعتبار إليهم ومثلهم في ذلك مثل أي مواطن عراقي أصيل ، والكشف عن مصير أبنائهم المُغيبيين وتعويضهم مادياً ومعنوياً مع الشهداء والسجناء السياسيين ، وبما يتناسب مع حجم تضحياتهم الوطنية الجسام المقدمة لجميع القوى والأحزاب العراقية ( المُعارضة سابقاً والمُتربعة على السلطة حالياً ) ، والإسراع في إقرار التشريعات والقوانين العادلة المُتعلقة بهذا الشأن ، والقيام بالتحشيد الإعلامي عبر قنواته المفتوحة وممارسة الضغط الفعال بمختلف وسائله الدستورية والقانونية والشرعية على الرئاسات الثلاث والجهات المسؤولة في الدولة ، والكتل البرلمانية والأحزاب السياسية المُؤثرة على الساحة العراقية من أجل تأكيد وضمان مشاركة الكرد الفيليين الحقيقية وأوساطهم الثقافية الواعية في عملية إتخاذ القرار السياسي بمستوياته العليا كضرورة واجبة مُلحّة ، وإستحقاق مُلزم بعيداً عن الإقصاء والتهميش المُتعمدين ، وذلك بالإحتكام إلى مبادىء وروح الدستور العراقي لعام / 2005 ، والذي صادق عليه الشعب العراقي بملء إرادته ورغبته الحرة … هذه ببساطة شديدة مطاليب الجماهير الفيلية التي لا يختلف عليها إثنان من أبناء العراق الغيارى ، وليس ما تدعو إليه تلك الجماعة المجهولة والمُنفذة لأجندة سياسية وحزبية معينة وبملفاتها الداخلية والخارجية المخطط لها سلفاً والمكشوفة أوراقها للعيان دون مجهر أو مكروسكوب ، ولكن هيهات ثم هيهات أن يقع الفيليون في هذا الشرك أو الفخ ، فالمؤمن لا يلدغ من جحر مرتين ، فلقد علمتهم تجارب الماضي أن لا يكونوا كبش الفداء أو كحطب النار ووقودها المستعر من جديد ، ولن يتكرر هذا القول بالنسبة للفيلية ( أول المُضحين وآخر المُستفيدين ) .. فهذه المرة لن يحاربوا بالنيابة عن أحد كخط صِدامي أول .. فلقد إستوعبوا الدرس جيداً ، وأحداث التأريخ القريب مازالت راسخةًَ في الأذهان لا تنسى ، وتبقى خالدة يورثها الأباء للأبناء جيلاً بعد جيل ، ومنها خلال وقوع إنقلاب الثامن من شباط الأسود في عام / 1963 ، وما رافقه من تصدِّ بطولي في مناطق الفيلية لمدة أسبوع كامل والحصيلة النهائية أكثر من خمسمائة شهيد فيلي وزج الآلاف منهم في المُعتقلات الرهيبة وتحت التعذيب القاسي ، وكذلك تهجير أكثر من سبعين ألف فيلي خلال الأعوام (1969-1970-1971) نتيجةً لموافقهم المُشرفة تجاه الحركة الكردية وتأييدهم لإتفاق آذار عام / 1970 ، وخروجهم إلى شوراع بغداد بمظاهرات عفوية وصلت إلى نصف مليون فيلي ولمدة أسبوع ، وبعد ذلك ما حصل لهم في عام / 1975 وترحيلهم قسراً عن مناطقهم الحدودية ، ولتحل عليهم في نهاية المطاف كارثة التهجيرات العظمى في عام / 1980 ، التي ذهب ضحيتها أكثر من نصف مليون فيلي مُهجر مع سبعة عشر ألف شاب مُغيب ، وما ترتب عليها من إسقاط الجنسية العراقية عنهم ، ومصادرة أموالهم وعقاراتهم تعسفاً ، وضرب بنيتهم الثقافية والإجتماعية والسكانية ، وحركتهم الإقتصادية والتجارية والصناعية المؤثرة على طبيعة مفاصل الحياة العامة في المُجتمع البغدادي خاصةً وبقية محافظات العراق عموماً ، وهذا ما سوف تكشفه الحقائق الدامغة للعالم كله من خلال محاكمة رموز النظام الدكتاتوري المُباد أمام المحكمة الجنائية العراقية العليا عن قضية الكرد الفيليين … فإلى متى يدفعون الثمن الباهض نيابةً عن غيرهم بتقديمهم القرابين والأضاحي ، والآخرين ينتفعون بها للمُتاجرة والقفز على السلطة كالغنيمة السهلة من وراء الكواليس والستار والغرف المُظلمة ؟؟ لم ولن يتكرر ذلك مجدداً على المشهد السياسي بعد الآن … فالتأريخ لا يعود إلى الخلف مرتين .

* ناشط مستقل عن حقوق الكرد الفيليين