الرئيسية » مقالات » مارتي أهتي ساري – العراقيون يعرفون جيدا الفائز بجائزة نوبل للسلام *

مارتي أهتي ساري – العراقيون يعرفون جيدا الفائز بجائزة نوبل للسلام *





هلسنكي ـ


عام 1991 اعتبر ان اعمال امريكا العسكرية في العراق تعدت حدود طرد قوات صدام من الكويت



لم يحصل على دعم الولايات المتحدة الامريكية في السباق لمنصب الامين العام للامم المتحدة



كانت قضية ناميبيا بالنسبة له هي العمل الاكثر اهمية لانها تطلبت الكثير من الوقت



 


في العاصمة النرويجية، اوسلو، اعلن يوم الجمعة 10 ايلول 2008 ، من قبل اللجنة النرويجية المسؤولة عن منح جوائز نوبل للسلام، عن ان جائزة نوبل للسلام لعام 2008 ، استحقها السياسي الفنلندي المخضرم ، مارتي اهتي ساري ( مواليد 1937) . وجاء في قرار اللجنة انها مكافأة ” لجهوده الكبرى في عدة قارات وعلى مدى ثلاثة عقود بهدف حل النزاعات الدولية، وبسبب جهوده الجبارة تلك والنتائج التي حصل عليها ، ألتي أبرزت أن المفاوضات يمكن لها أن تلعب دورا مهما في حل النزاعات الدولية “.



العراقيون يعرفون هذا الرجل جيدا . فبعد ان قامت قوات التحالف بطرد قوات صدام حسين من الكويت في اذار 1991 ، وقيام الطائرات الامريكية بغارات جوية على بغداد ومدن عراقية عديدة ، ارسلت الامم المتحدة السيد مارتي اهتي ساري كمبعوث خاص لزيارة العراق ، حيث ترأس اللجنة الدولية المختصة بدراسة التدابير العقابية التي فرضت على العراق بعد غزو صدام حسين لدولة الكويت الشقيق ومدى ضرر وتأثير ذلك على السكان . واطلع اهتي ساري واللجنة المرافقة على حقيقة الدمار الذي الحقته القوات العسكرية للولايات المتحدة الامريكية بالبنى التحتية للعراق ، وقدم يومها تقريره الى الامم المتحدة ( نشر في حينه كاملا في طريق الشعب) ، والذي لم يلق الترحيب من الادارة الامريكية ايامها ، حيث انتقد فيه بشدة سياسة الولايات المتحدة الامريكية ، واشار الى ان اعمالها العسكرية في العراق تعدت حدود طرد قوات صدام من الكويت . وايضا في عامي 2007 و2008 استضافت العاصمة الفنلندية، هلسنكي، ممثلين لاحزاب سياسية عراقية ، في حلقات دراسية من اجل حل الازمة السياسية في العراق ، وكان ذلك باشراف وضيافة منظمة ” المبادرة لادارة الازمات ” ، وهي مؤسسة تحاليل واستشارات ووساطة متخصصة في حل النزاعات ، وتؤمن باهمية معالجة الازمات من خلال الحوار وتؤمن بالترابط بين الامن والتطور الاجتماعي الحضاري ، اسسها عام 2000 ، ويرأسها ، السيد مارتي اهتي ساري .


والسيد مارتي اهتي ساري، من الزعماء التقليديين للحزب الديمقراطي الاجتماعي الفنلندي . وفي عام 1994 اختاره الشعب الفنلندي رئيسا للجمهورية لما حققه من إنجازات كدبلوماسي ناجح . حيث تمكن من إلحاق بلده بالمجموعة الأوروبية مع استمرار نشاطه على الساحة الدولية كوسيط . وبسبب مواقفه العديدة المستقلة ، نجح في العديد من المهام الدبلوماسية الدولية . وان كانت توجه له انتقادات الى عدم نجاحه على الصعيد الداخلي .


ولد مارتي اويفا كاليفي اهتي ساري في الثالث والعشرين من حزيران عام 1937 في مدينة فيبورغ بفنلندا (فيبورغ اليوم اصبحت جزءا من الاراضي الروسية وفقا لنتائج العقوبات التي نالتها فنلندا بعد الحرب العالمية الثانية ) . درس التربية والتعليم ، وفي سن الثامنة والعشرين أصبح آهتي ساري موظفا في وزارة الخارجية الفنلندية خبيراً في شؤون التنمية . بعد ذلك بثماني سنوات (1973) عين سفيرا لبلاده في عدد من الدول الافريقية اولها كان تنزانيا ثم ناميبيا ، حيث نجح في مد علاقات مع حركة المقاومة الناميبية (سوابو)، وهو ما شجّع الأسرة الدولية على تعيينه عام 1989 رئيسا للبعثة العسكرية الدولية في ناميبيا التي استغرقت جهوده فيها 13 عاما . بعد نجاحه في مهمته الأفريقية ، عاد آهتي ساري إلى مكتب الأمم المتحدة في نيويورك ، وظل على الدوام يعتبر ان حل قضية ناميبيا كانت الاهم والاقرب الى روحه لانها حسب تصريحاته “ناميبيا هي العمل الاكثر اهمية لانها تطلبت الكثير من الوقت” .


في سنة 1991 أصبح وزيرا لخارجية فنلندا مع بقائه في حلبة السباق نحو منصب الأمين العام للأمم المتحدة . إلا أنه لم يحصل على دعم الولايات المتحدة الأمريكية بسبب مواقفه المنتقدة لسياستها تجاه العراق . وفي عام 2000 ، حين انتهت ولايته كرئيس جمهورية، رفض الترشيح لرئاسة الثانية، رغم حقه بذلك حسب الدستور الفنلندي ، ليترك مقعده لرفيقته في الحزب ووزيرة خارجيته السيدة تاريا هالونين ، الرئيسة الحالية لفنلندا . وكان سبب رفض الترشيح هو التتفرغ كليا لنشاطه كوسيط دولي . حيث أصبح مباشرة مفتشا مراقبا على عملية نزع أسلحة منظمة الجيش الجمهوري الأيرلندي في أيرلندا الشمالية .


واحرز نجاحا بارزا في جمع اطراف النزاع في اندنوسيا، الحكومة وحركة المقاومة في آتشي ، الى طاولات مفاوضات ، حيث وبعد مفاوضات استمرت لفترة خمس جولات مضنية ، انتهت في 15 اب 2005 بتوقيع اتفاق حدد انهاء الصراع بين المعارضة المسلحة والحكومة الاندنوسية وضع حدا لمخاطر نشوب حرب اهلية في البلاد من بعد صراع دام 30 عاما .


مباشرة بعد ذلك، انتقل إلى إقليم كوسوفو حيث أنجز، بصفته مبعوث الأمم المتحدة ، خطة مستقبلية لحل أزمة الإقليم . والتي انتهت بإعلان الإقليم استقلاله في شباط 2008 . وكان أسم اهتي ساري منذ عام 1999 ارتبط بالنزاع في كوسوفو، حيث قاد، بوصفه رئيساً لفنلندا، التي كانت تترأس الإتحاد الأوروبي ، التدخل الأوروبي لوضع حد للنزاع المسلح في الإقليم الذي كان جزءاً من يوغسلافيا السابقة. غير أن مهمته في كوسوفو من وجهة نظر العديد من المراقبين كانت أقل نجاحاً بعد أن قدم مقترحاته حول الوضع المستقبلي للإقليم الذي كان منتمياً آنذاك لصربيا.


ومارتي اهتي ساري هو أول وسيط سلام يفوز بجائزة نوبل للسلام منذ أن فاز بها الرئيس الامريكي الاسبق جيمي كارتر في عام 2002 ، وهو ايضا أول أوروبي يفوز بالجائزة منذ عشر سنوات ، يذكر انه كان مرشحا منذ سنوات للفوز بالجائزة التي يعتبرها كثيرون أعلى وسام في العالم. ويعتقد كثير من المراقبين ان اللجنة النرويجية المسؤولة عن منح جوائز نوبل للسلام سوف لن تتعرض الى انتقادات ما بسبب منحها الجائزة لعام 2008 لدبلوماسي يستحقها . فأهتي ساري سياسي مخضرم كان يعمل بتصميم وفي هدوء وبعيدا عن الأضواء وفق العديد من المحللين ، ولم يكن الاعلان عن اسمه مفاجئا لاسيما أنّ الكثير من الأوساط رجّحت فوزه بالجائزة نظير دوره في حلّ عدة نزاعات في ناميبيا وأتشيه وكوسوفو والعراق وشمال إيرلندا ووسط آسيا ومنطقة القرن الأفريقي . ربما باستثاء صربيا التي استشاطت غضبا. فبحسب بلغراد، فإن آهتي ساري كان منحازا حينما تعثرت المباحثات حول استقلال كوسوفو. وأثار آنذاك غضب صربيا حينما أظهر آهتي ساري مساندته استقلال كوسوفو تحت المظلة الدولية .


وقد اعرب اهتي ساري لللصحافة الفنلندية عن سروره للفوز بالجائزة ، وقال للاذاعة النرويجية العامة “بالطبع انا مسرور جدا من القرار وممتن للغاية.” ولكون والد جده يتحدر من اصول نروجية صرح مازحا “لقد فوجئت لتمكن النروجيين من اتخاذ مثل هذا القرار . لدي 12,5% من دمي نروجي وكان من المتوقع الا يكون ذلك في صالحي”. واطلقت الاوساط السياسية الفنلندية ، على مختلف الوانها تصريحات الفرح باعتبار ذلك انجازا للشعب الفنلندي . واهتي ساري نفسه اعرب اكثر من مرة بأنه ” يسعد دوما أن يفعل ما فيه الخير” . وحين حصل العام الماضي في هولندا على ميدالية المقاوم (خوزن بينينغ) ؛ وهي الجائزة السنوية التي تمنح لمناهضي القمع والمدافعين عن قضايا الحرية، وصفه السيد هاري بورخهاوتس من مؤسسة خوزن للمقاومة بأنه رجل “هادئ، لطيف وشهم مع الجميع وله قدرة كبيرة على تقدير الأشياء . بالطبع لديه سلطة ، لكن يبدو سهلا كأي رجل عظيم. وهذا بلا شك مكمن القوة لديه . لقد حاز على ثقة الآخرين ، وكان قادرا على تفهم عواطف الآخرين دون أن يغير من طبعه “.


وفور الاعلان عن نبا فوز اهتي ساري بجائزة نوبل للسلام صدرت العديد من التصريحات من كبار الساسة والمثقفين ، فالمتحدث باسم الرئيس الاندونيسي اعرب عن سرور بلاده واعتبروه ” بطل السلام ” . بينما قال جوزيه مانويل باروزو رئيس المفوضية الاوروبية ” ان اهتي ساري كمبعوث خاص للامم المتحدة لكوسوفو لعب دورا كبيرا في المساهمة في أمن واستقرار منطقة البلقان الغربية.” وقال رئيس الحكومة النروجية ينس ستولتنبرغ ان هذا الخيار “اعطى الامل للعديد من الاشخاص عبر العالم”. ووجه الرئيس الفرنسي نيكولا ساركوزي تحية الى اهتي ساري “باسم فرنسا والاتحاد الاوروبي” والى “التزامه الشخصي بلا كلل” في خدمة السلام لا سيما في كوسوفو. ولكن ردود الفعل الصربية كانت فاترة، وندد شقيق الزعيم الصربي السابق سلوبودان ميلوشفيتش باختيار اهتي ساري لينال جائزة نوبل للسلام للعام 2008 معربا ان القرار “احزنه”. . بينما صرح زيفادين يوفانوفيتش وزير خارجية صربيا السابق “ان اهتي ساري دبلوماسي محترف ومفاوض على قدر كبير من المهارة.” واضاف “لكنه في صربيا يمثل رمزا لاستقلال كوسوفو وسيتذكره الصرب كمهندس لانفصال كوسوفو.” وقال أجيم تشيكو رئيس وزراء كوسوفو الاسبق “الجائزة ذهبت لمن يستحقها.” وقال كوفي عنان الامين العام السابق للامم المتحدة ، والذي عمل اهتي ساري الى جانبه كثيرا : “لا يوجد أفضل من أهتي ساري للفوز بجائزة نوبل للسلام. ” واضاف “هو الرجل الوحيد الذي أعرف أنه صنع سلاما في ثلاث قارات.. أفريقيا وآسيا وأوروبا وكنت أجده دائما مستعدا لتلبية النداء لجعل هذا العالم مكانا أفضل.” وقال امين سر لجنة نوبل غير لونديستاد الذي يدير نقاشات اللجنة ولا يحق له التصويت فيها في تصريح صحفي “لا نقول ان كل ما فعله اهتي ساري اتى بنجاح لكنه احرز نجاحات رائعة”.


وقد تنافست هذا العام 197 شخصية ومنظمة لنيل هذه الجائزة . إلا أن اللجنة النرويجية المسؤولة عن منح جوائز نوبل للسلام ، والمكونة من خمسة اشخاص ، لا تعلن عادة عن اسماء المرشحين. إلا أن من بين الذين ترددت اسماؤهم ضمن قائمة الترشيحات مورجان تسفانجياري الزعيم السياسي المعارض في زيمبابوي، والسياسية انجريد بيتانكور، الكولومبية من اصل فرنسي التي أفرج عنها قبل فترة بعد ان ظلت رهينة الاحتجاز على أيدي المتمردين لعدة سنوات.


وعرف عن اهتي ساري تواضعه وحكمته ، واهتمامه بفريق العمل من حوله ، فهو يقول “أنا أريد أن أصبح جزءا من نشاط يحاول أن يوضح للعالم أن المجتمع الدولي يمكن أن يفعل ما هو صحيح، أن ذلك يمكن أن يحدث دائما. كنت سعيدا بكل المسئوليات المختلفة التي توليتها، ولا يعود فضل نجاحها لي وحدي. كشخص في موقع قيادي يمكنك أن تصبح المخطط الاستراتيجي، لكن لا بد من زملاء ذوي كفاءة عالية يحثون فيك الطاقات المبدعة، لا تحتاج للذين يوافقون على كل ما تقول هؤلاء لا نفع لهم .”


وربما اطرف ما وصف به ، هو كونه رجلا مملا ، وجاء ذلك على لسان وزير خارجية هولندا السابق يوزياس فان آرتسن ، حيث قال “لا أقصد المعنى السلبي . رجل ممل جدا أي أنه متروّ . إنه مفاوض عنيد . رجل إذا خطرت له فكرة يخطط لتحقيقها بروية. رجل ذو قيمة كبيرة . رجل لا يروم تحقيق المجد لنفسه . وهو أيضا رجل متواضع . كان دوما يترك لدي انطباعا عظيما”.


وستسلم جائزة نوبل للسلام التي تشمل ميدالية ودبلوما وشيكا بقيمة 10 ملايين كرون سويدي (حوالي مليون يورو) في اوسلو في 10 كانون الأول في ذكرى وفاة مؤسس جوائز نوبل الصناعي السويدي الفرد نوبل ، الذي الذي اخترع الديناميت .