الرئيسية » مقالات » قراءة في مقالة {صورة الإسلام في ألمانيا}

قراءة في مقالة {صورة الإسلام في ألمانيا}

الكراس: صورة الإسلام في ألمانيا – تعامل الرأي العام مع الخوف من الإسلام
الكاتب : الأستاذ الدكتور هاينر بيليفيلد , مدير المعهد الألماني لحقوق الإنسان/ برلين
الترجمة عن الألمانية : السيدة فادية فضة والسيد الدكتور حامد فضل الله
سنة الصدور بالعربية : تموز / يوليو 2008
الإصدار: المعهد الألماني لحقوق الإنسان / برلين – ألمانيا

المدخل:
يتكون البحث من أربعة أجزاء , كما ورد في مقدمة الكراس (المقالة). يبحث الجزء الأول منه في أسباب التشكك بالإسلام والمسلمين في ألمانيا , ثم يبحث الجزء الثاني في المعايير اللازمة لثقافة حوار علني وفق أسس التنوير , ويطرح الجزء الثالث مفهوم رهاب الإسلام (الرهاب مصطلح يمكن أن يجمع بين الخشية المرضية والعداء للأجانب , وهنا المقصود العداء للإسلام , إسلام فوبيا) , أما الجزء الرابع فيقدم لنا الأستاذ الباحث استنتاجات الدراسة التي توصل إليها حول العلاقة بين المسلمين والألمان في ألمانيا. وهو يرى بأنها تعتبر نموذجاً مماثلاً للعلاقة بين المسلمين وبقية الأوروبيين على صعيد دول الاتحاد الأوروبي . ثم يشخص الزميل بيليفيلد الكيفية التي يفترض أن يكون عليها الحوار والعمل المشترك للوصول إلى المبتغى , إلى علاقة أفضل بين المسلمين والألمان.
لا شك في أن الباحث يقدم لنا دراسة ممتعة ومهمة حقاً حول الأجزاء الأربعة التي بحث فيها , ويساهم بذلك في إرساء بعض المؤشرات المهمة حول الإشكاليات التي تعاني منها العلاقة بين المسلمين من مختلف القوميات وبين الألمان في المجتمع الألماني المتعدد الثقافات , رغم محاولات البعض نفي حقيقة أن المجتمع الألماني أصبح منذ سنوات كثيرة متعدد الثقافات.
أولاً : حول الجزء الأول
في هذا الجزء المكثف من البحث يصف لنا الباحث الأسباب التي يعتقد أنها كانت أو لا تزال تقف وراء نشوء الخوف من الإسلام في ألمانيا , وبالتالي من المسلمين , كنموذج لما عليه الحال في كل أوروبا, ويورد استطلاعاً للرأي يؤكد حقيقة وجود ونمو هذه المخاوف ويعزيها إلي عدة أسباب :
• الظواهر السلبية لسلوك المسلمين في ألمانيا والتي يتجلى بعضها في الموقف من المرأة أو القتل لغسل العار (تطهير الشرف) , ثم الخشية التي تبرز لدى الألمان من تلك الظواهر السلبية على التطور الثقافي الذي أنجز خلال الكثير من العقود المنصرمة في ألمانيا والتأثير السلبي المحتمل على الثقافة الألمانية القائدة Leitkultur في ألمانيا. ومن المفيد أن أشير هنا إلى النقاش المديد الذي خاضه السياسيون والمثقفون الألمان على صفحات الجرائد والمجلات والتلفزة حول الدور القيادي والطليعي للثقافة الأولى , الثقافة الألمانية , في ألمانيا. وقد تبلورت وجهة النظر هذه لدى المحافظين في الحزب الديمقراطي المسيحي والحزب الاجتماعي المسيحي (فريدؤك ميرتس ورونالد كوخ), في حين رفض اليساريون والاشتراكيون والخضر مثل هذا الطرح وأكدوا ضرورة عدم الخشية من الثقافات الأخرى على الثقافة الألمانية , بل لا بد من حصول تفاعل وتلاقح بين الثقافات المتعايشة في ألمانيا.
• الأحكام المسبقة التي يحملها الألمان المسيحيون نحو الإسلام كدين ونحو المسلمين لا تزال تميز , من حيث المبدأ , العلاقة الملتبسة بين الغرب والشرق.
ولا بد هنا من الإشارة الواضحة إلى أن الكنيسة المسيحية عموماً لم تعترف حتى الآن بالدين الإسلامي كدين سماوي لاحق للدينين اليهودي والمسيحي , في حين يعترف الإسلام بالدين اليهودي والدين المسيحي باعتبارهما دينين سماويين سبقا الإسلام. ولكن أراد النبي محمد بن عبد الله أن يكون الإسلام آخر دين كما جاء في القران وأن تنتهي به الأديان السماوية , وأن يوقف أي دعوات لاحقة بأديان سماوية أخرى.
• السعي المتواصل إلى إقامة الكثير من الجوامع في المدن الألمانية والتي تثير مخاوف الألمان لا بسبب تدين هؤلاء المسلمين وصلاتهم فيها , بل خشية من أصوات السماعات التي تنصب على مآذن الجوامع , وخشية من أن تتحول إلى مراكز للدعاية السياسية والعنف وجمع التبرعات وكسب الانتحاريين ..الخ وتنظيم عمليات قتل وتدمير من قبل القوى المتطرفة في ألمانيا.
وهي لا شك مشكلة فعلية يعاني منها الإنسان الألماني ولا يجوز تجاوزها أو إنكار وجودها , خاصة وأن المعلومات تشير إلى عودة الكثير من المتدربين في أفغانستان إلى ألمانيا والذين يرتبطون بتنظيم القاعدة الإرهابي لتنظيم عمليات إرهابية في ألمانيا وأوروبا. وقد تم أخيراَ اعتقال البعض منهم في مطار فرانكفورت بألمانيا.
• أحداث 11 سبتمبر 2001 ونشاط قوى الإسلام السياسي المتطرفة وخشية الألمان في أن تمارس تلك الأفعال الإجرامية في ألمانيا أيضاً أو في عموم أوروبا.
مع صواب ما أورده الأستاذ بيليفيلد في هذا الصدد , أجده غير كافٍ لتحديد أسباب نمو الكراهية والعداء للإجانب المسلمين في ألمانيا , إذ أن تشخيصها الدقيق هو الذي يساعد على معالجتها والخلاص منها. أورد هنا بعض الإضافات لاستكمال الصورة , كما أرى , وهي على النحو التالي:
1. لا تزال الكثير من الجهات الألمانية والأوروبية , بل الغربية عموماً , تذّكر شعوبها عن طريق الأفلام وشاشات التلفزة ومحطات الراديو والصحف والكتب بالحروب الصليبية بين المسيحيين والمسلمين حول القدس , والتي يمكن أن يجدها الباحث في كتاب “صراع الحضارات” للباحث الأمريكي الدكتور صموئيل هنتنكتون. وهي تذكَّر باستمرار بالصراع بين الغرب المسيحي والشرق المسلم. ومثل هذه الممارسات , النظرية والعملية , تترك أثرها المباشر وغير المباشر على ذهن وسلوك المواطن الألماني وعلى المسلم في آن واحد. وعلينا أن نتذكر هنا رد الفعل الأولي بعد أحداث 11/سبتمبر 2001 من جانب الرئيس الجديد للولايات المتحدة جورج دبليو بوش حينذاك , حين أشار إلى , وذكَّر , بالحروب الصليبية , رغم اعتذاره عن ذلك فيما بعد!
2. استمرار فعل الأحكام المسبقة والعامة بشأن الإسلام والمسلمين والقادمة من أجيال واجيال سابقة والتي تعتبر ضمن ما يطلق عليه بـ “الستيريوتوب” أو النمطية في التفكير.
3. التصرفات اليومية التي تمارسها غالبية المسلمين والتي تعبر عن مستوى حضاري وثقافي متخلف عموماً , وليس كل المسلمين المقيمين في ألمانيا أو أوروبا بطبيعة الحال , وتلك التي يمارسها الألمان والتي تعبر عن مستوى حضاري وثقافي متقدم لا بد من تأشيره وعدم التقليل من شأنه , إذ أن تلك الظواهر ترتبط بالحياة والاحتكاك اليوميين. ويجد هذا تعبيره في الجوار (السكن) وفي الشارع وفي العمل وفي المدرسة والجامعة … الخ.
4. الاحكام المسبقة التي يحملها المسلمون إزاء الألمان والتي لا تختلف عن كونها استريوتيوب أيضاً , والتي تتجلى في سرعة اتهام الألمان بالنازية والعنصرية والفاشية لأقل خلاف يحصل بين مسلم وألماني في الشارع أو في العمل أو في الجامعة , وهو ما يغيظ الألمان بحق ويتنافى مع التصرف الديمقراطي العام للغالبية العظمى من الألمان.
5. الحملات الإعلامية التي تسبق الحملات الانتخابية لمجالس وحكومات المحافظات أو على مستوى الاتحاد والتي غالباً ما تكون موجهة من بعض القوى السياسية , وخاصة الاتحاد الديمقراطي المسيحي والاتحاد الاجتماعي المسيحي , إضافة لما تثيره بعض قوى أقصى اليمين والأكثر محافظة والنازيين , بشأن الآثار السلبية لوجود كثرة من الأجانب في ألمانيا , سواء أكان ذلك بالنسبة إلى فرص العمل أو الدراسة أو رياض الأطفال أو دور السكن أو الخشية على المستوى الدراسي لطلبة الابتدائية بسبب كثرة الأجانب أو الخشية على “نقاوة” الثقافة الألمانية “الأصيلة” من تأثير وتهجين الثقافات الغريبة أو الآخرى. وهنا يتجلى بوضوح “صراع “الأنا” ضد “الآخر” المحملة بالكثير من الأحكام المسبقة وصورة “الأنا” المعاكسة والمناقضة لصورة “الآخر”.
وعلينا أن ننتبه هنا إلى حقيقة أخرى هي أن هذه الخشية من المسلمين لم تقلل من الموقف العام في ألمانيا وفي أوروبا إزاء السامية , وبالتالي لم يحل رهاب أو العداء للإسلام محل رهاب أو العداء للسامية بأي حال , فكلاهما موجود وأن اختلفا من حيث النسبة المئوية والآنية أحياناً أو الخشية من التعبير عن العداء للسامية علناً , ولكن كثيراً ما نلاحظ محاولات جادة امناهضة السامية من قوى نازية وفاشية ويمينية متطرفة بعينها في ألمانيا , أي مناهضة وجود اليهود في ألمانيا , ومنها تدنيس مقابر اليهود أو رسم الصليب المعقوف النازي عليها ..الخ من الأعمال الإجرامية التي تعبر عن الطبيعة الدنسة لهؤلاء الأوباش عبر التحرش بقبور الموتى.
كما أن علينا أن نتذكر باستمرار إلى أن المجتمع الألماني , كأي مجتمع آخر , يعيش صراعاً داخلياً بين مكوناته الألمانية ذاتها حول الكثير من الأمور بما فيها مكانة وثقافة ألمانيا في العالم , وكذلك الموقف من الأجانب عموماً ومن المسلمين بشكل خاص.
وأذ يذكرنا الباحث بأهمية الأخذ بالاعتبار التباين بين المسلمين والمذاهب المتعددة التي يتبعونها , إلا أنه لم يشر إلى أهمية معرفة البنية الاجتماعية (الطبقية) لغالبية المسلمين التي تعيش في ألمانيا. ومن هنا يمكن الإشارة إلى أن التركيبة الاجتماعية للقادمين المسلمين إلى ألمانيا أو إلى أوروبا بشكل عام منذ أن بدأت هجرة العمل في أوائل الستينيات من القرن العشرين تتوزع على النحو التالي:
1. إن المجموعة الكبرى التي قدمت إلى ألمانيا من الدول الإسلامية , وخاصة من تركيا والدول المغاربية , كانت تنحدر من أصول ريفية وفلاحية ويرجوازية صغيرة فقيرة ومعدمة وعاطلة عن العمل وغارقة في الغيبيات وذات مستوى تعليمي واطئ أو حتى أمية الفراءة والكتابة أو ثقافة دينية متدنية وغير متنورة , إضافة إلى المستوى الحضاري العام المتدني لتلك البلدان. وكان الهدف من وراء القدوم هو الحصول على فرصة للعمل وجمع المال والعودة لإقامة المشاريع الخاصة بهم في بلدانهم. واعتبر الألمان أن هؤلاء القادمين للعمل ضيوف مؤقتون لا غير. لم يتعلم هؤلاء اللغة الألمانية , وخاصة عائلاتهم , ولم يلعبوا دوراً مهماً في اندماجهم في المجتمع وشكلوا جيتوات في مناطق سكناهم , وأن اختلفت مواقع العمل (الترك نموذجاً).
2. نسبة مهمة من المهاجرين كانت من الجماعات السياسية المثقفة التي عانت من الاضطهاد السياسي في بلدانها وجاءت لتتمتع بالحرية , وهي أقل الجماعات التي كانت أو لا تزال تعاني من مشكلات في هذا البلد.
3. الطلبة المسلمون الذين لا يشكلون ثقلاً مهماَ في ألمانيا بسبب قلة الدارسين والمتدربين من الدول الإسلامية في ألمانيا بشكل عام وبسبب سياسة الهجرة الألمانية المتشددة.
وعلينا أن ننتبه إلى أن السياسة الألمانية لم تنجح حتى الآن في تأمين أسس سليمة وعقلانية لإندماج المسلمين في المجتمع الألماني , وهي بحاجة إلى تعديلات كثيرة وصياغة جديدة واستمرارية من جانب , كما أن القادمين إلى ألمانيا يحتاجون إلى استيعاب طبيعة هذا المجتمع وثقافته وحضارته وما يفترض أن ينتبه له القادمون الجدد وكيف يتم التعامل معهم , وأن يكون على استعداد فعلي للإندماج في المجتمع , وهو لا يعني الانصهار . إن كانوا يريدون العيش بسلام ووئام وعمل في ألمانيا.
لا شك بأن الأسئلة التي وضعت لاختبار مدى آهلية الأجانب المسلمين للحصول على الجنسية الألمانية ليست سوى نظرة متعالية عن واقع هؤلاء الناس وإمكانيات الكثير منهم وراغبة في رفضهم ابتداءَ , وضرورة إدخال من يأتي إلى ألمانيا في دورات دراسية لا لتعلم اللغة الأبمانية فحسب , بل وللتعرف على التاريخ والحضارة والتقاليد والأعراف والقيم الألمانية أيضاً.

ثانياً : الجزء الثاني
يتطرق الجزء الثاني من هذ البحث إلى أهمية وضرورة تبني وممارسة “ثقافة حوار تنويري بين المسلمين في ألمانيا والألمان. إذ إن أي حوار جاد ومسؤول بين أتباع الديانات والمذاهب المختلفة يتطلب توفير الحد الأدنى من المستلزمات الضرورية لكي ينتهي الحوار إلى نجاح فعلي وليس إلى تكرار دون أن يخرج بنتائج إيجابية , بل في الغالب الأعم يقود إلى مزيد من عدم التفاهم والفرقة والكراهية. ومن بين أهم تلك المستلزمات نشير إلى ما يلي:
1. الاستعداد الذاتي للقبول بثقافة الحوار التنويري الهادئ والهادف بدلاً من ثقافة النزاع والقتال , أي التخلص من الثقافة التي سادت ولا تزال سائدة في العالمين العربي والإسلامي , ثقافة:
السيف أصدق أنباءً من الكتب في حده الحد بين الجد واللعب
2. الاستعداد الذاتي لقبول فكرة ممارسة النقد المتبادل لا باعتباره تجريحاً أو إساءة متبادلة , بل رأياً ومادة للحوار وقاعدة للوصول إلى نتائج واضحة , سواء باتفاق أو باختلاف في وجهات النظر.
3. الاستعداد للمساومة بما ينسجم مع المبادئ والقيم العامة والشاملة , إذ لا ينفع الإصرار على ما يسمى بالثوابت وبالتالي المراوحة في المكان.
4. وعند الاختلاف يفترض أن يبقى شعار الجميع هو “الاعتراف المتبادل والاحترام المتبادل وعدم الإساءة المتبادلة بأي حال”.
5. أي اتفاق يفترض لا يعتبر كسباً لأحد وخسارة للثاني , بل هو نجاح للطرفين بهدف المزيد من التفاعل والتلاقح والتفاهم
حين نتفحص الأسباب التي تقود إلى بروز العداء أو رهاب الإسلام والمسلمين أو نمو ظاهرة الخشية والكراهية أو العداء الصريح للأجانب , يفترض أن نتحرى عن المسؤولين عنه لا في طرف واحد , بل في طرفين أو أكثر , أي يفترض أن نرى كيف تتوزع مسئوليتها على الجهات التالية:
** مسؤولية عملية التربية والتثقيف الخاطئين في ألمانيا , إذ نلاحظ في بعض جوانبهما ديني كنسي متعصب والبعض الآخر قومي شوفيني متطرف , كما يلاحظ ذلك على دور ونشاط أجهزة الإعلام المسيسة والحزبية في هذا الصدد.
** مسؤولية الدول التي يأتي منها المسلمون , حيث تعاني الثقافة ودور التربية من تخلف شديد في مجال الاعتراف بالأديان الأخرى وعدم احترامها وغياب التسامح الديني في ما بين اتباع مختلف الديانات والمذاهب , إذ لا تسود في غالبية تلك الدول ذات الأكثرية المسلمة مبادئ حقوق الإنسان , بل يسودها الاستبداد وغياب الديمقراطية او وجود ديمقراطية شكلية لا تغني ولا تسمن.
** مسؤولية الدين والمؤسسات الدينية ذاتها حيث أن الدين الكثير من القضايا التي تعتبر حمالة أوجه من جهة , وبعض جوانبه لم تعد ملائمة للعصر الراهن من جهة أخرى , والتي يصر الفقهاء أو تلح المؤسسات الدينية على تكريسها رغم فوات أوانها , مثل “شعب الله المختار” لدى اليهود , و “كنتم خير أمة أخرجت للناس” لدى المسلمين , أو الحق في تغيير الدين غير المحرم في القرآن والمحرم من قبل الفقهاء , على سبيل المثال لا الحصر.
** المسؤولية الفعلية التي تتحملها المؤسسات الدينية وغالبية الفقهاء , إذ أنها كرست مع الزمن الكراهية المتبادلة وعدم احترام الأديان والمذاهب الأخرى ومن ثم العداء غير المبرر.
** مسؤولية المجتمعات التي جاء منها المسلم والفرد المسلم ذاته , بسبب التخلف الاقتصادي واللاجتماعي والثقافي وضعف مستوى الوعي الاجتماعي والديني لدى الفرد والمجتمع وعدم بذلهما الجهد الضروري لتنوير المجتمع والفرد في آن , وإبقاء الذهن مشدوداً لاجترار الماضي السلبي والأحكام المسبقة.
كل هذه الجهات يفترض أن تلعب دورها في تغيير هذه الحالة المرفوضة كل وفق مسؤوليته لضمان العيش المشترك والإنساني بين جميع الناس من مختلف الأديان والمذاهب والقوميات. إذ أن هؤلاء الناس ينقلون ما تعلموه في بلدانهم إلى ألمانيا أو الدول الأوروبية ويتعاملون مع الواقع الجديد بنفس الأسس والقيم والتقاليد السابقة. وهي التي تشكل نقاط احتكاك شديدة ومقلقة للعلاقة بين الطرفين.
لا يمكن لأحد أن ينكر مسألة مركزية تلعب دورها في ثقافة الإنسان المسلم التي يسعى البعض إلى تغييبها , وكأنها غير موجودة أو غير ذات أهمية , ثم يحاول عبثاً أن يرمى اليسار بكون يتقول على الإسلام والمسلمين. وهو خطأ فادح يرتكبه البعض من الكتاب ومنهم الأستاذ بيليفيلد في كراسه الجديد.
فليس اليسار وحده من درس الأديان والمذاهب , ومنها الدين الإسلامي أو درس القرآن واطلع على السنة والفقه الإسلامي المتعدد الأطراف (الفقه السني بأنواعه , والفقه الشيعي بتفرعاته ..الخ) وتعرف على مختلف جوانبه وشخص بعض النقاط المهمة القابلة للنقد , بل هناك الكثيرين ممن عمل ويعمل على إبراز أهمية نقد الدين , وخاصة حركة التنوير منذ بدء بروزها. فليست العقوبات الجسدية , بما في ذلك الرجم بالحجارة أو قطع الرأس بالسيف , أو ممارسة التعذيب , رغم تحريم المُثلة في الإسلام , أو اعتبار المرأة ناقصة العقل أو حق الرجل بضرب المرأة لتأديبها أو الزواج باريع نساء وما ملكت أيمانكم … , إضافة إلى وجود مسائل سلبية أخرى غير موجودة في القران ولكنها تستوجب النقد بسبب تشريعها من جانب المؤسسات الدينية وشيوخ الدين , وبالتالي فهذه المسئل هي جزء من الإسلام أو من صورته أمام الألمان والعالم. هذا لا يعني أن الأديان الأخرى ليست فيها مثل هذه الأمور السلبية , إلا أن حركة التنوير هي التي أبعدتها أو خففت من تأثيرها في الممارسة الفعلية. وهذا لا يعني أن الأديان كانت في مختلف مراحلها سلبية , بل هي حركات إصلاحية في مراحل ظهورها , وواقع الإنسان والمجتمع هو الذي استوجب ظهورها هذه الأديان بغض النظر عن رأي أو رأي الآخرين بها أو بغيرها من الأديان كالمجوسية والبوذية والهندوسية والكونفشيوسية والتاوية وغيرها.
والتنوير , هذه الحركة التي بدأت ثم توقفت إلى حدود بعيدة في العالمين العربي والإسلامي (ليس هناك توقف كامل ولكن التحول التنويري غير محسوس وبطئ جداً) , عملية سيرورة وصيروة معقدة وطويلة , ولكن لا مناص منها. ويمكن هنا الإشارة إلى أن عملية التنوير الديني والاجتماعي تهدف إلى إزالة الأخطاء والتشوش والبلي الفكري والديني والاجتماعي من ذهن الإنسان والمجتمع واتجاهات تفكيره وسلوكه وإعادتهما إلى الرشد. ويمكن بلورة ما يسعى إليه التنوير بالنقاط التالية , سواء بالنسبة للمسلمات والمسلمين في بلدانهم أم في ألمانيا وأوروبا وعموم الخارح:
• نقد الموروث الديني باتجاهين :
أ) تأشير ما فات أوانه وكان مقبولاً حين طرح لأول مرة من جانب الأنبياء والمصلحين لمجتمعاتهم وظروف حياتهم وعلاقاتهم , ولكن لم يعد مناسباً ومنسجماً مع المرحلة الجديدة التي يمر بها المجتمع البشري أو المجتمعات العربية والإسلامية.
ب) تأشير ونقد ما أضافه شيوخ الدين والفقهاء والمؤسسات الدينية إلى الأسس الأولى التي اعتمدها كل دين من الأديان والتي وضعت لأغراض لا تمت بصلة إلى مضمون الأديان ذاتها. وقد جاء في تعريف الفيلسوف “كانت” للتنوير النص التالي : “التنوير هو خروج الإنسان من اللارشد الذي اقترفه بحق نفسه” , ويمكن أن يضاف إلى ذلك “وما اقترفته المؤسسات الدينية وفقهاء الدين من اللارشد بحق الإنسان”.
• تخليص المجتمع من الأفكار البالية والمعتقدات غير العلمية والخرافات والغيبيات التي ألحقت وتلحق أفدح الأضرار بالإنسان ووعيه وعلاقته بالآخر ومن الأحكام المسبقة التي يحملها إزاء الآخر.
• توجيه الإنسان نحو الفكر الحر الديمقراطي والعلمي ورفع مستوى وعيه بالواقع الذي يعيش فيه وبحقوقه وواجباته كإنسان وبحقوق الآخرين المتساوية , والفجوة المتسعة بينه وبين الشعوب الأخرى نتيجة سيطرة تلك الأفكار البالية على ذهنه ووعيه ووجهة تفكيره وسلوكه واحكامه المسبقة بحق الآخر.
• رفض القبول بأفكار التمييز بين البشر على أساس عرقي أو قومي أو ديني أو مذهبي أو التمييز ضد المرأة وعدم مساواتها بالرجل أو رفض منحها كامل حقوقها …الخ.
والتنوير يفترض ان يؤدى من عدة جهات بالترافق والتتابع والتكامل , ومنها :
1. من جاني الإنسان الفرد ذاته من خلال نضاله من أجل رفع وعيه ومستوى ثقافته ووعيه بمفهوم الحرية باعتباره إدراك الضرورة , ونضاله مع المجتمع لنفس الغرض والخلاص مما علق بذهنه من أوهام وأحكام مسبقة وكليشهات عفا عليها الزمن. إنها عملية معقدة وطويلة ولكنها ضرورية.
2. من جانب تلك الجهات والمؤسسات التي كرست في وعيه التشوه بسبب حشوها بتلك الأفكار المشوهة والعقائد البالية والخرافات والأساطير التي لا تمت إلى الواقع بصلة , ومنها المؤسسات الدينية على نحو خاص. ولقد سمحت بذلك بروز وتنامي ظاهرة الاغتراب لدى الإنسان من الدين وعن الدين في آن.
3. من جانب الحكومة التي يفترض أن تسن القوانين والنظم التي تساهم في رفض ما هو قديم وبالٍ والدعوة لما هو حديث وإنساني متفتح, والتي لم تقم بذلك , بل كرست ما هو مناقض للمطلوب.
4. المثقف الديمقراطي الذي يحمل فكراً حراً ومبدعا قادراً في التأثير المباشر على فكر الإنسان بالشعر والقصة والرواية , بالرسم والنحت والكاريكاتير والتصوير الفوتوغرافي والسيراميك (الفنون التشكيلية ..) والخط والموسيقى والمسرح والسينما , بالعلوم الحديثة وما هو جديد يفرض على الإنسان التخلي عن القديم منطقياً وعلمياً.
5. المؤسسات العلمية , المناهج التربوية والتعليمية في مختلف مراحلها , إضافة إلى منظمات المجتمع المدني , ومنها منظمات حقوق الإنسان.
6. أجهزة الإعلام التي يمكنها بوسائلها التقليدية والحديثة إيصال الفكرة السليمة إلى وعي الإنسان بأسلوب سلس وسليم ومتناغم مع العلم والواقع , والتصدي لكل ما هو مناهض للعلم والواقع.
إن أهمية التنوير تبرز في دوره في تحقيق عدة نتائج أساسية لأي تقدم وتطور لدى الإنسان وفي البلاد التي تؤمن أكثريتها بالدين الإسلامي وللمسلمات والمسلمين الذين يعيشون في أوروبا:
1. احترام مفهوم الحرية الفردية والمجتمع المدني والديمقراطية وفصل الدين عن الدولة واعتبار “الدين لله والوطن للجيمع”.
2. مغادرة أجواء الغوص في الغيبيات والخرافات والتقاليد والعادات والطقوس التي ترسخت عبر قرون منصرمة في أذهان الناس وتناقلتها دون التمحيص بها والتخلص منها , والتفتح صوب حياة حرة جديدة واقعية ومليئة بالحياة والحركة والفعل الإيجابي لصالح الفرد والمجتمع.
3. احترام حقوق الإنسان وحقوق المواطنة المتساوية واحترام المرأة واستعادتها حقوقها كاملة غير منقوصة ومساواتها بالرجل واحترام حقوق القوميات والأديان والمذاهب والاتجاهات الفكرية والسياسية غير العنصرية والشوفينية ورفض التمييز بين الأديان والمذاهب الدينية أو أي شكل آخر من أشكال ظهوره وممارسته.
4. احترام حق الإنسان باختيار ما يراه مناسباً له من دين أو مذهب أو اتجاه فكري أو حزب سياسي.
5. الالتزام بقيم وأسس جديدة لحياة الفرد والجماعة والعلاقة المتبادلة بين الأفراد والجماعات في مجتمع ما وفي ما بين المجتمعات التي تقوم على أسس التعاون المتبادل والمنفعة المتبادلة.
6. احترام وممارسة الثقافة الحرة والديمقراطية بمختلف صيغ تجلياتها الفكرية والاجتماعية والفنية والرياضية وأهمية التفاعل والتلاقح الثقافي الإنساني.
7. أحترام التراث الفكري العربي والإسلامي الإيجابي والنزعات المادية والإنسانية فيه والتخلي عن السلبي والعدواني الذي علق به عبر القرون المنصرمة.
8. رفض العدوان وأفكار الجهاد والفتح وما إلى ذلك من مخلفات القرون المنصرمة والكف عن تقسيم العالم إلى “ديار حرب وديار سلام” , وبتعبير أدق “ديار الكفار وديار الإسلام”. وهي الموضوعة التي تتشبث بها القوى السلفية المتطرفة وأغلب الجماعات الإسلامية السياسية المتطرفة , ومنها تنظيم القاعدة مثلاً.
9. القبول بالدساتير الأوروبية باعتبارها تكرس الأسس التي تستند إليها حقوق وكرامة الإنسان والمجتمع , وان لا تختلط مع الشرائع الإسلامية العديدة وفق المذاهب الإسلامية المختلفة. وهو الطريق العملي للاندماج بالمجتمع الألماني أو الأوروبي بشكل عام.
إلا أن عملية التنوير لا تتم بشكل عفوي , بل تتطلب عملية تغيير فعلية وجادة للواقع الاقتصادي والاجتماعي للناس وللبلدان التي يعيش فيها المسلمون والمسلمات والتي بدورها تساعد على نشوء قيم ومُثل وتقاليد جديدة ووعي اجتماعي وديني جديدين لا يمتان إلى الماضي بصلة إلا بقدر قناعة الإنسان بعقيدة دينية أو فكرية أو بما هو إيجابي من تاريخ الإنسان ومجتمعه.
علينا أن نتذكر باستمرار بأن تخليص الشعوب من التقاليد والعادات والطقوس البالية , وخاصة ما تكرس عبر الدين والمؤسسات الدينية وعبر الزمن وإجراء تغييرات جدية على ثقافتها وتطوير حضارتها ليس بالعملية السهلة والسريعة , بل هي الأكثر تعقيداً من أي عملية أخرى في المجتمعات المختلفة وتستغرق وقتاً طويلاً.

ثالثا : الجزء الثالث
وفي هذا الجزء من البحث يتطرق الباحث إلى “الحدود الشائكة بين نقد الإسلام والعداء للإسلام”. ويصيب الهدف المناسب حين يؤكد دور القوى الإسلامية المحافظة والمتطرفة في تنشيط العداء للإسلام والمسلمين حين لا يميزون بين النقد , الذي يمارسه المجتمع الأوروبي إزاء الأديان والمذاهب , وبين التجريح المتعمد من أجل الإساءة للإسلام وكرامة الإنسان المسلم. فالأول مقبول والثاني مرفوض طبعاً.
يشكل النقد قاعدة أساسية ومنطلقاً للتقدم والتخلص من الجوانب السلبية في مسائل الدين أو العلاقات الاقتصادية والاجتماعية والثقافية , وبدون ذلك يتعذر إحراز التقدم والتحسن والتغيير لدى الفرد والمجتمع أو في ممارساته وطقوسه الدينية. ولكن التربية الاجتماعية والدينية من جانب المؤسسات الدينية وشيوخ الدين تؤكد إن الإسلام , وبالتالي المسلم , يمتلك كل الحقيقة , كانت ولا تزال هذه الخطيئة الكبيرة لا تقود إلى التعالي فحسب , بل وإلى ارتكاب أخطاء فادحة تترتب عليها وعنها عواقب سلبية كثيرة وتؤجج الصراعات والنزاعات. ومن هنا يصعب على الكثير من المسلمين تحمل النقد الموضوعي الذي يوجه للإسلام وتعتبره تجريحاً , وهي تتعمد توجيه مثل هذه التهم الزائفة بأمل منع تكرار ممارسة النقد أو الاستمرار به , أو أنهم يسعون إلى إثارة الناس البسطاء ضد حرية الرأي والتعبير عنها , وهو ابتزاز لا يجوز القبول به أو الرضوخ له. فالبحث والتدقيق والمراجعة المستمرة بشأن ما يثار حول عدد نساء النبي محمد مثلاً ونقد صور من حياته المنقولة عنه والمنسوبة إليه أمر بالغ الأهمية , إذ لا بد من معرفة العوامل الكامنة وراء مثل هذه الزيجات المتعددة في تلك الفترة وما التفسير الذي يطرحه شيوخ الإسلام , وما هي حقيقة المسألة , لأن في مثل هذه الدراسات محاولة جادة لاستخلاص الدروس وتصحيح السلوك في المرحلة الراهنة من جهة , ومنع وضع محرمات على النقد إزاء هذه الشخصيات الدينية المصلحة والكبيرة من جهة أخرى. الإسلام والمسلمون بحاجة إلى نقد صريح وشفاف وعقلاني , ولا يحتاجون إلى المجاملة والسكوت عن النواقص والأخطاء التي لديهم , كما لا يحتاجون ولا يريدون التجريح او الإساءة لهم.
لا يجوز القبول بهذه الحساسية المغالية لدى المؤسسات الدينية الإسلامية ولدى المسلمين , بل لا بد لهم أن يتعلموا اسس التعامل في ما بين البشر من ديانات ومذاهب مختلفة , وأن يتعلموا سماع النقد والاستفادة منه , حتى لو كان رسوماً كاريكاتيرية , والغضب والكراهية يعنيان العجز عن الحوار والنقد المتبادل والبرهنة على العكس ويقودان إلى الاقتتال.
ليس من السهل وضع حدود فاصلة بين النقد والتجريح في عالم يتمتع بالحرية الفردية والحق في التعبير ونشر الرأي , إذ من حق الآخر أن يمارس النقد والرد ولكن وفق ذات الأسس التي مارسها الأول وليس بحمل السلاح والتظاهر والتخريب وتدمير المؤسسات الثقافية والسفارات والدعوة للمقاطعات أو وضع الحد عليه , اي القتل. كما توجد محاكم مستقلة في مقدورها أن تنظر وتصدر احكامها إذا ما نشأت خلافات ومشاعر بالتجريح الشخصي بسبب مقال أو صورة كاريكاتيرية أو كتاب …الخ.
لنورد هنا مثلاً على سوء التعامل مع الفكر والأدب من جانب كثرة من الفقهاء والمسلمين والمؤسسات الدينية. فرغم أن كتاب سلمان رشدي (آيات شيطانية) لا يرقى إلى مستوى الأدب الجيد والرواية الناضجة والمتماسكة , ولكن كان من حقه أن يمارس الكتابة , ولكن ليس من حق أحد أن يحل دمه ويطلب قتله أياً كان ذلك المسلم وأياً كانت منزلته الدينية في العالم. إذ كان في مقدور أي شيخ دين , بمن فيهم الراحل روح الله الخميني , رفع دعوى قضائية ضد سلمان رشدي حول كتابه “آيات شيطانية” بدلاً من تلك الضجة المفتعلة التي أثيرت دون مبرر وأعطت للكتاب قيمة أكبر وطلباً أكبر من قيمته الفعلية وزادت من رغبة الاطلاع عليه (الإنسان حريص على ما منع). على المسلمات والمسلمين أن يتعلموا التعامل مع النقد بروح حضارية جديدة وبعيداً عن الاستفزاز والشعور بالغضب والإساءة والرغبة بالانتقام. النقد هو النور الذي يهدينا إلى طريق الصواب , وهو طريق التواضع والتعلم!

رابعاً : الجزء الرابع
يتضمن هذ الجزء الأخير بعض الاستنتاجات المهمة التي توصل إليها الباحث الدكتور بيليفيلد من خلال دراسته التي هي تلخيص وتكثيف وبلورة لما سجله في كتبه السابقة في هذا الصدد. ولا شك في أن وجوده على رأس المعهد الألماني لحقوق الإنسان أسهم في بلورة رؤية حقوقية سليمة تستند إلى مبادئ لائحة حقوق الإنسان وحقوق المواطنة في تعامله مع وجود الأجانب في ألمانيا. وهو يوزع المسؤوليات في ما يحصل على جهات كثيرة وبشكل صائب ويطالب الحكومة الألمانية والمعنيين إلى تغيير الكثير مما يمارس اليوم في ألمانيا من أجل إزالة التمييز إزاء الأجانب عموماً , والمسلمين على نحو خاص , لأنهم أكثر عرضة للتمييز من الأجانب القادمين من دول ذات أكثرية مسيحية مثلاً.
حين يطالب الكاتب من الألمان أن يكونوا أكثر حرصاً على التعامل مع المواطن أو المهاجر من قومية ودين آخر , لا بد له أن يطالب المسلمات والمسلمين ومن كل الأجانب أن يتعاملوا مع الواقع والثقافة والحضارة الألمانية بشكل سليم أيضاً , وأن يكونوا أكثر حساسية في التعامل مع العادات والتقاليد والطقوس التي يلتزم بها الألمان أيضاً. ولكن أكثر تلك الأمور إلزاما بالنسبة للمسلمات والمسلمين فهي:
1. تعلم اللغة الألمانية بما يسمح بالتعامل والتفاعل مع الحضارة والثقافة والمجتمع الألماني.
2. التزود بالثقافة الألمانية باعتبارها ثقافة حية ومتقدمة ومتطورة من جهة , والسعي لوعي أهمية التلاقح الثقافي مع الثقافة التي يحملها المواطن أو المهاجر الأجنبي المسلم في ألمانيا من جهة أخرى.
3. إن هذين العاملين يساعدان دون أدنى ريب على ضمان الاتصال المستمر بالألمان وبالتالي يسمج بالاندماج الفعلي في المجتمع الألماني. وهذا لايعني الانصهار بالمجتمع الألماني , إذ أن الاندماج شيء والانصهار شيء آخر.
4. إن أول مستلزمات المواطنة , بغض النظر عن قومية أو دين أو مذهب أو اتجاه فكري وسياسي , هو الالتزام بالدستور المقرر في البلاد. إن هناك الكثير من الألمان الذين يختلفون مع بعض مواد الدستور , ولكن ليس من حقهم رفضه أو عدم الالتزام به , ولكن من حقهم النضال الديمقراطي المشروع من أجل تغيير تلك المواد التي لا يريدونها أو يريدون صياغتها بصورة أخرى. وهذا الحق مضمون للمواطنات والمواطنين المسلمين أيضاَ , ولكن وفق الشرعية الدستورية واحترام قوانين البلاد.
5. احترام التقاليد والعادات والأعراف الألمانية , وهذا لا يعني الأخذ بها , فهي خاصة بالشعب الألماني ولا يجوز لأي فرد الإساءة إليها , ولكن من حق كل فرد نقدها بطريقة مناسبة إن وجد أنها متخلفة أو غير مناسبة للعصر الراهن أو لأي سبب آخر. ولكن عليه أن يتحمل النقد الذي يوجه لتقاليده وعاداته وطقوسه …الخ أيضاً , إذ أن شارع النقد يسير باتجاهين وليس باتجاه واحد.
6. الابتعاد عن اتهام الألمان , مع أول خلاف ينشأ معهم بالفاشية والنازية أو العنصرية. فالمجتمع الألماتني الراهن غير مجتمع الثلاثينيات والأربعينيات من القرن الماضي , رغم وجود نازيين جدد وفاشيين ومحافظين يمينيين متطرفين في كرههم للأجانب أياً كان ذلك الأجنبي , ولكنهم لا يشكلون سوى أقلية صغيرة جداً جداً وغير مؤثرة في الحياة العامة للمجتمع الألماني.
7. لا يجوز للمسلمين المبالغة في المطالبة بإقامة جوامع في المدن ألألمانية , كما يفترض الكف عن نصب مكبرات الصوت فوق المآذن أو استخدام الجوامع للعمل السياسي والديني المتطرف , كما حصل في الأعوام السابقة.
8. لا أرى صواب الادعاء بأن الألمان قد تحولوا من العداء للسامية صوب العداء للإسلام. إن العداء للسامية موجود في ألمانيا , كما هو موجود في أوروبا , وفق تقديرات “المركز الأوروبي لرصد التمييز والعداء للأجانب في فيينا” , وأنه كان في السنوات الأخيرة في تزايد نسبي واضح. كما أن العداء للأجانب عموماً وللمسلمين على نحو خاص موجود هو الآخر , وهو آخذ بالتزايد أيضاً , وليس على حساب بعضهما الآخر , كما تدعي بعض المؤسسات الدينية الإسلامية في ألمانيا.
9. لا بد من الاعتراف من جانب الألمان بأن بلادهم الجميلة والمضيافة أصبحت منذ أكثر من عقدين من السنين متعددة الثقافات , وفي هذا إغناء للمجتمع الألماني وللثقافة الألمانية , كما أنها إغناء للثقافات الأخرى القادمة من شعوب أخرى عبر المهاجرين. ويسمح هذا اللقاء الإنساني والثقافي بالتلاقح المغني للجميع وليس في هذا أي خطر على الثقافة الألمانية أو نقاوتها , إذ ليست هناك ثقافة في العالم نقية وخالصة من تأثير الثقافات الأخرى.
10. ولا بد من الإشارة هنا إلى مسألة أساسية غالباً ما تنسى من جانب السياسيين المحافظين واليمينيين الألمان , وهي أن المجتمع والاقتصاد في ألمانيا بحاجة إلى الأجانب , سواء أكانوا من المسلمين أم من غيرهم لأربعة اسباب جوهرية , وهي :
أ‌. الاقتصاد الألماني بحاجة إلى أيدي عاملة رخيصة ومستعدة للعمل في كل الفروع الاقتصادية التي لا يرغب الألمان العمل فيها.
ب‌. وان هذه المجموعة الكبيرة من البشر الأجانب التي يقدر تعدادها بحوالي ثمانية ملايين إنسان من مجموع 82 مليون مواطنة ومواطن في ألمانيا (عدا من تجنس بالجنسية الألمانية من الأجانب) تساهم في إغناء الناتج المحلي الإجمالي والدحل القومي الألماني وفي تشغيل الكثير من الأيدي العاملة في مشاريع صغيرة ومتوسطة , كما أنها تساهم في استهلاك المنتجات الألمانية.
ت‌. وأن الهرم السكاني في ألمانيا لا يعكس فتوة , بل أن الهرم لا يسير لصالح نمو إيجابي للمواطنات والمواطنين الألمان , في حين أن الهرم السكاني للأجانب في ألمانيا بتسم بالفتوة , ويساهم في زيادة الولادات والنمو السكاني المطلوب , سواء عبر الزواج المختلط أم في ما بين الأجانب أنفسهم , وفي هذا تحسين مستمر للهرم السكاني الألماني.
ث‌. وأن هذه الجاليات الأجنبية التي تعيش في ألمانيا تساهم في تطوير وإغناء العلاقات بين ألمانيا وبلدان المنحدر الأصلي ليس من الناحية السياسية حسب , بل ومن الناحية الاقتصادية , بما فيها الجوانب التجارية والمالية والتقنية , والناحية الثقافية على نحو خاص.
وأخيراً لا بد من الإشادة بالترجمة الممتازة والدقيقة لهذا النص الفكري الألماني القيم والمعقد من جانب السيدة الفاضلة الكاتبة فادية فضة والصديق الفاضل والكاتب السيد الدكتور حامد فضل الله.

برلين في 11/10/2008
د. كاظم حبيب