الرئيسية » مقالات » المعاهدة العراقية الأمريكية بين أصوات متناقضة وغير واضحة لا في الرؤية ولا في شجاعة الطرح.

المعاهدة العراقية الأمريكية بين أصوات متناقضة وغير واضحة لا في الرؤية ولا في شجاعة الطرح.

لو فرضنا أن الطرف العراقي المفاوض وطني لحد النخاع، وهذا هو المفروض، ولو أنهم أصروا على استقلال العراق وعدم التفريط بسيادته لا بشكل واضح ولا بطرق مدسوسة لا يمكن معرفتها من قبل العامة. لتمرير المعاهدة دون أن يثير في غضب الشارع العراقي المشحون ضد المعاهدة إن عرفوا ببنودها أو لم يعرفوا.

القادة الذين يعرفون أين يكمن مصلحة العراق حاضراً ومستقبلاً حين يضعون الأهمية القصوى بان يكون هناك تعاون استراتيجي بين العراق وبين أقوى دولة في العالم سياسياً واقتصادياً وعسكرياً غير قادرين من إيصال الفكرة للمواطن بشجاعة وشفافية، لأن الخوف من أن يجعلهم الشعب في خانة الخيانة وبيع الوطن. ولهذا الأمر أسباب منها:

– أن عامة الناس لا يمكنهم قياس بعد وأهمية هكذا اتفاقيات.
– لأن الشعب العراقي لم يجني ثمار الاحتلال أو التحرير أو التغيير على أيدي القوات الأمريكية، ولذلك ليس هناك أي ثقة يمكن أن يستند عليها.
– الشعور والإحساس والدافع الديني يجعلهم غير متهيئين لقبول أمريكا شريكة للعراق لأمد بعيد.
– أحزاب معارضة للعملية السياسية تعمل بجد وبدعم دولي لرفض أي اتفاقية، وإن كانت في مصلحة الشعب في الوقت الحاضر.
– التسابق بين الأطراف المشاركة في العلمية السياسية لتقديم أفضل التنازلات للولايات المتحدة الأمريكية لمكاسب مستقبلية تعثر تقدم الجانب العراقي للحصول على شروط تلائم الجو وواقع المجتمع العراقي.
– قرب الانتخابات لحد الكثير من الأحزاب لبيان وجهة نظرهم الحقيقية حول المعاهدة.

لكن السؤال الذي يجب الإجابة عليه: هل أن الولايات المتحدة الأمريكية سوف تترك العراق مستقلاً بشكل كامل دون أن تجني من ثمار الاحتلال. هل من المعقول والمنطقي أن يخطر ببال السياسيين المعارضين والأحزاب التي تعبأ الشارع العراقي لرفض الاتفاقية أن هذا ممكن. بالطبع لا تهمها هذه الأطراف لأنهم بالأصل كانوا ومازالوا يرفضون الوجود الأمريكي، ولهذا المهم لديهم فرض رأيهم بعدم توقيع أي اتفاقية بعيدة المدى.

ثم الأمر الذي يحيرني، لو فرضنا أن الفترة الزمنية التي قرر فيها خروج آخر جندي أمريكي عام 2011 أو حتى بعد عشرة أعوام مقبولة من الجانب الأمريكي…أشك في ذلك ولأسباب عديدة منها:

1- المتعارف أن الخطط الأمريكية تحسب لفترة خمسين عاماً، وأنه لم يمضي على مدة إسقاط الصنم إلا خمسةُ أعوام.
2- فترة عشرة أعوام لا تكفي لكي يستردوا ما خسروه مادياً، فالشارع الأمريكي سوف يقف بشكل حاد ضد الفشل الأمريكي في العراق، وهذا يضيف للفشل الأول في فيتنام والتاريخ الأمريكي لا يحتمل هذه الخسارة.
3- أكثر المراقبين أكدوا على أن وراء الاحتلال استراتيجية شرق أوسط جديد، فأين الهدف من الفترة المخصصة.
4- أما الذين أصروا أن الوجود الأمريكي في العراق هو بسبب النفط فهل الفترة كافية للاستحواذ على النفط العراقي بما يلائم حجم الخسائر المادية والبشرية.

لا أضن أنه لدينا قيادات شجاعة لديها القدرة في مواجهة الشعب العراقي بالحقيقة الواضحة وليست المزيفة أو المقننة. وأن كان المراد من عدم الوضوح هو أسلوب سياسي تقتضيه المرحلة الحرجة…فأي ثم تدفعه هذه القيادات في المستقبل القريب.

أن عدم الوضوح في الطرح وبيان الحقائق سيجعل سياسة العراق في تأرجح وميلان ليس في نظر الشعب العراقي بل لدى شعوب المنطقة. وأن أي خطأ فادح فأن آثاره السلبية تعم المنطقة وليس العراق وحده.

جميع قيادات الكتل والأحزاب لديها المعلومات الكافية وتعرف بتفاصيل المحادثات بين الجانب الأمريكي والجانب العراقي…والذي سمعته من رئيس الوزراء نوري المالكي أنه لا يريد إشغال وسائل الإعلام والشعب العراقي بفقرات الاتفاقية والجانبين لم يتوصلا للوثيقة النهائية، وبعد أن تكتمل تعرض على مجلس النواب للتصويت. وبعدها يعرف الشعب العراقي مضمون الاتفاقية.
الرئاسات الثلاثة – السلطة التشريعية (البرلمان) السلطة التنفيذية (رئاسة الجمهورية –والحكومة) والسلطة القضائية منتخبة من قبل الشعب العراقي وللسلطة التنفيذية وبالخصوص الحكومة حسب المادة (77) سادساً :ـ التفاوض بشأن المعاهدات والاتفاقيات الدولية، والتوقيع عليها، او من يخوله. الحق دستوريا في التفاوض وإبرام المعاهدات، لكن في مثل هذه المعاهدة التي تمس بكيان العراق وسيادته ولفترة طويلة فأن الرئاسات الثلاثة غير مخولة بشكل قاطع دون الرجوع للشعب في استفتاء عام. لأننا لو فرضنا جدلاً أن رئيس الحكومة وهو رئيس المفاوضين للجانب العراقي بعد التعديلات…قد توصل لاتفاق يراه مناسب فأن الدستور يحدده لتقديم المقترح لمجلس النواب وبعد مصادقة مجلس النواب ترفع لرئاسة الجمهورية للمصادقة أو النقض.
وهذه المعاهدة لا يمكن أن تمرر دون الرجوع للشعب ولسبب مهم جداً أن جميع السلطات منتحبة لفترة زمنية معينة…وأن الأمر المصيرية لا يمكن أن تمرر خلال فترة انتحابية خصوصا والشعب العراقي ليست لديه تجربة بهذا الشكل الديمقراطي التوافقي. ومن غير الممكن ربط مصير شعب لسنين طويلة بموافقة حكومة أو رفض الحكومة لمعاهدة قد تنقذ العراق من ركود ومعاناة مدى تاريخه.

الرأي الأكثر للصواب هو تثقيف الشعب العراقي عن مضمون الاتفاقية وبيان سلبياته وإيجابياته ثم المصادقة عليه…وفي أكثر الدول تطوراً وتحضراً كمثال: الدول الأوروبية حين محاولة الانضمام للاتحاد الأوروبي صرفت أموال كبيرة من أجل تثقيف شعوبها لمعرفة أهمية الاتحاد ومساوئها، وأن عدم الانضمام يؤدي لأمور وكثير من المعلومات. ومع هذا فأن بلدان شريكة في الاتحاد الأوروبي ولكنها لم توحد العملة ومازالت تعمل من أجل إقناع شعوبها للموافقة…وقد مرَ على هذه العملية سنين من العمل والمتواصل والجهد في التوعية.

لا أريد وضع أمثلة اليابان وألمانيا ومدى استفادتهما من أمريكا اقتصاديا وسياسيا، ولكن هل العراق الدولة الوحيدة في المنطقة والتاريخ تبني علاقات ستراتيجية مع أمريكا. وهل أن هناك دولة في المنطقة وخصوصاً الدول العربية لم تتسابق من أجل الحصول على التقرب من أمريكا.
أليس أكثر المتطلعين يقولون دائما أننا نعيش في قرية صغيرة وأن العلاقات الدولية مهمة جداً.
لماذا لا تخرج القيادات المؤيدة والمعارضة لهذه الاتفاقية وتوضيح أوجه الخلاف والتباين وبيان السلبيات والإيجابيات وجعل الأمر والقرار بيد الشعب العراقي ليقول كلمته.
أم أن المحاصصة سوف تأخذ حقها في هذه المعاهدة المصيرية التي تؤثر في العراق بجميع مفاصل حياته لأمد بعيد. فالذي تسرب أن الاتفاقية ليست محددة بوقت معين… فهي معاهدة استراتيجية بعيدة المدى…وليست لأعوام وإن وضع جدولة لانسحاب آخر جندي أمريكي كما نوه له وحدد تاريخه.

المخلص
عباس النوري
‏10‏/‏10‏/‏08