الرئيسية » مقالات » لماذا يخالف السيستاني الاجماع في مسألة العيد

لماذا يخالف السيستاني الاجماع في مسألة العيد

ارتأيت ان اكتب عن هذا الموضوع لاني وجدت الكثير من الناس لا يعرف حتى هذه اللحظة ما هي المحدّدات والظوابط التي يتخذها الفقيه في مسألة تحديد الاعياد والمناسبات الدينية حسب التقويم الهجري، اي بالاعتماد على رؤية الاهلّة لتحديد بداية ونهاية الشهر العربي.

بداية ً ان المذاهب الاسلامية السنية والشيعية بكل علمائها وفقهائها اتفقوا على ان تحديد الشهر العربي بما في ذلك شهر الصوم (رمضان) والعيدان (الفطر والاضحى) يعتمد على الرؤية المباشرة للهلال، انطلاقاً من الحديث النبوي الشريف “صوموا لرؤيته وافطروا لرؤيته” .. الاّ ان الخلاف بين السنة والشيعة يكمن في ان الاغلبية الساحقة من علماء السنة يرى بصحة استخدام المرقب في رؤية الهلال وهو ما اُصطلح على تسميته فقهياً “الرؤية بالعين المُسلّحة” على اعتبار ان العلم والتطور الحالي يلعب دوراً مساعداً في تحديد الاهلة وليس بالضرورة ان نقلد النبي (ص) وصحابته الكرام في اعتمادهم على الرؤية المُجرّدة دون اي وسيلة اخرى، لان ذلك الزمن كان يفتقر لهكذا اكتشافات ووسائل حديثة.

اما علماء الشيعة الامامية فذهب جُلّهم الى ضرورة الاعتماد على العين المجردة لتحديد ولادة الاهلة ولا يؤخذ بالمرقب، وشذ عن هذا الاجماع بعض العلماء المحدثين امثال العلامة اللبناني السيد محمد حسين فضل الله، حيث يقول بصحة رؤية العين المسلحة خلافاً لاقرانه الشيعة.

ورأي الاغلبية الشيعية هذا ينبثق بالاساس من ان عملية رؤية الهلال بالعين المجردة ليست مرتبطة بعدم وجود الامكانيات العلمية المتاحة لتحديد الاهلة آنئذ، ولا علاقة لها بالتخلف او التطور في اجهزة الرصد الجوي وما شابه .. بل هو تشريع عبادي يأخذ بالامكانيات الانسانية الطبيعية كمحدّد وظابط في عملية التحديد، حالها حال مسائل عبادية كثيرة اخرى، فعلى سبيل المثال لا الحصر، ما زال الشارع المقدس يرى ضرورة تطهير الاناء الذي يلغ فيه الكلب بالتراب، لانه لا يطهر بغير ذلك ابداً مع وجود ارقى واحدث مساحيق الغسيل في العالم اليوم، وفي الحج ايضاً ينبغي للحاج ان يسعى بين الصفا والمروة بالاعتماد على الاقدام دون استخدام اي وسيلة مثل السيارة او العربة، ولا احد يقول بجواز استخدام هذه الوسائل الآن معللاً ذلك بعدم وجودها في السابق، ومثل هذه الامثلة الكثير والكثير.

مما تقدّم نستطيع ان نقول بان بعض العبادات المعينة لا زالت تعتمد على الامكانيات الطبيعية للانسان كشرط اساسي في عملية تحديد الفريضة وليست خاضعة للتطور والتبدل الزمني، ولو دخلنا في الجزء قد ننتهي بالكل الذي سيكون عسيراً جداً على الفرد المُكلّف .. بمعنى آخر ان استخدام المرقب في تحديد الاهلة قد يؤدي بالنتيجة الى استخدام المجهر في تحديد النجاسات كمحدد اساس لعملية التطهير، خصوصاً وان الاسلام قد شدّد كثيراً على الطهارة وقدّمها كشرط واجب في مقدّمة اي عبادة.

فقد بثت احدى القنوات الفضائية يوماً تقريراً حول طهارة راحة اليد من النجاسات والاوساخ واستخدمت المجهر في معرفة مدى نظافة الراحة بعد ان غسلها صاحبها مرات ومرات .. وفي كل مرة يغسل فيها الشخص راحته باحدث واحسن الصوابين والمساحيق، يكتشف المجهر نسبة قاذورات صغيرة لا زالت عالقة في اليد، حتى كرّر الرجل العملية اكثر من 10 مرات دون ان يتخلص نهائياً من هذه القاذورات حسب تحديد المجهر .. لهذا كانت الشريعة رحيمة مع الناس، فقد اعتمدت في الطهارة على زوال عين النجاسة واثرها بالاعتماد على العين البشرية المجردة فقط، وهذا يتم بالغسل على الاقل مرة واحدة وبالماء فحسب، دون ان تطلب المجهر مقياساً لذلك، ولكانت بالتأكيد سبباً لوساوس قهرية تقتل المُكلّف دون تحقيق يقين الطهارة حتى.

فالانسان بقدراته الطبيعية هو المقياس وليس الآلة، وكما لا يصح استخدام المجهر في موضوع الطهارة، لا يصح كذلك استخدام المرقب في تحديد الاهلة.

عموماً هو اجتهاد فقهاء التشيّع وليس هناك عصمة لاي رأي دون رأي المعصوم.

بعد هذا الكلام يكون الاختلاف بالمناسبات الدينية ومنها الاعياد مسألة طبيعية بين اتباع المذهب الجعفري واتباع المذاهب الاربعة الاخرى وفقاً للاختلاف في طريقة تحديد الاهلة .. ولحد الآن تبدو المسألة طبيعية تروّض عليها العالم الاسلامي بشقيه السني والشيعي طوال كل تلك السنين الماضية وهضمها في اطار الاختلاف الاجتهادي الذي لا يضر.

اما الغرابة ففي الاختلاف بين القائلين برؤية العين المجردة فيما بينهم، وهم الشيعة، وهو ما لا يبدو طبيعياً البتة ….
والسبب في ذلك يرجع الى محور آخر مهم جداً ولا يقل اهمية ً عما ذكرنا اعلاه في عملية تحديد الاعياد والمناسبات الدينية، اَلا َ وهو ان بعض العلماء لا يرون باتحاد الافق، بل بخلاف الافق، وهي لعمري ما جعلت السيد السيستاني يختلف عن علماء الشيعة باجمعهم في العيد الاخير.

ولكي تتضح الصورة للجميع، نقول بان علماء المذاهب الاربعة ومعهم الاغلبية الساحقة من علماء الامامية يقولون باتحاد الافق، اي ان الهلال للكوكب برمته، وليس لاحدى وجهي الكرة الارضية مثلما يقول اصحاب خلاف الافق. فلو ثبتت رؤية الهلال (بالعين المجردة بالنسبة للشيعة والعين المسلحة بالنسبة للسنة) في امريكا وكندا واستراليا والتي يتباين ليلها ونهارها مع ليل ونهار الشرق الاوسط والوطن العربي، فهذا يعني بان الهلال قد وُلِد لاهل الكوكب بكل دوله ومدنه، وسيكون على اثر ذلك اليوم التالي عيداً او مناسبة هجرية معينة في كل انحاء الارض، وهذا ما يُصطلح عليه باتحاد الافق والذي يؤمن به كل علماء السنة والاغلبية من علماء الشيعة.

اما القائلون بخلاف الافق فهم القلة القليلة جداً من فقهاء الامامية وعلى رأسهم اليوم آية الله العظمى السيد علي الحسيني السيستاني في النجف الاشرف وآية الله العظمى السيد وحيد الخراساني في قم المقدسة، والاثنان يؤمنان بضرورة رؤية الهلال في مناطقنا العربية كيما يتم تحديد الاعياد، ولا يُعتد برؤيته في القسم الآخر من الكرة الارضية لان الهلال للمنطقة وليس للكوكب.

وعليه اذا ثبتت الرؤية في بلدان مختلفة الافق كامريكا وكندا مثلاً، ولم تثبت الرؤية في دول الشرق الاوسط والوطن العربي، ذلك يعني بأن العيد سيكون اليوم التالي في تلك الدول في حين ستكمل عدة الثلاثين في دول الشرق الاوسط لانها لا تتفق في افقها مع الدول المذكورة .. والعكس صحيح ايضاً .. فليس بالضرورة ان يكون العيد واحداً وموحداً (اي في نفس اليوم) لوجهي الارض، طالما لا يتزامن ليل ونهار احدهما مع الآخر … ومثلها مثل التقويم الميلادي الطبيعي، فليست كل دول الارض تدخل اليوم الجديد في نفس الوقت، بل حسب وقتها وبقعتها الجغرافية، ونحن في العراق مثلاً ندخل يومنا التالي قبل مصر على سبيل المثال، فالثانية عشر ليلا ً عندنا لا تكون كذلك عندهم، وانما الحادية عشر، وهكذا …..

الغريب سبحان الله ان اضخم مرجعين شيعيين اليوم يقولان بخلاف الافق، وهما كما اسلفنا السيد السيستاني والسيد الخراساني والاثنان اعلنا بان اول ايام عيد الفطر المبارك الاخير هو يوم الخميس وليس الاربعاء كما في اغلب الدول الاسلامية الشيعية والسنية (اي بعد يومين من عيد السعودية، ويوم واحد من عيد بقية الدول العربية ومنهم الشيعة) .. وحسب ما يُشاع بان 80% من الشارع الشيعي اليوم يرجع في تقليده وعبادته الى السيدين السيستاني والخراساني، وال20% الباقي يتوزعون على السيد ناصر مكارم شيرازي والسيد الخامنئي وفضل الله وجواد التبريزي وغيرهم آخرين من العلماء الاحياء.

اي ان مقلّدي السيدين السيستاني والخراساني قد عيّدوا الخميس، في حين بقية الشيعة وحسب رأي المراجع الآخرين عيّدوا الاربعاء.

من هنا ولاجل توضيح المسألة اكثر، ان السيد السيستاني وكذلك السيد الخراساني لم يقولا بان الهلال لم يلد ليلة الاربعاء، بل ان المُطلع على بيان السيستاني ليلة الاربعاء يعرف بان السيد قد اشار وبكل وضوح بان رؤية الهلال قد ثبتت وحسب وكلائه الثقات في كندا واستراليا ولم تثبت رؤيته في دولنا المجاورة .. وعليه اعتبر اليوم التالي (الاربعاء) مُكمّلا ً لشهر رمضان، ليكون الخميس اول ايام عيد الفطر المبارك حسب المبنى الفقهي الذي يؤمن به وهو “خلاف الافق”.

بقية مراجع التشيّع سواء في ايران او العراق، مع علماء لبنان وكذلك الجمهورية الاسلامية الايرانية كدولة، اعلنوا صراحة ً بان الرؤية كانت في استراليا وكندا وهذا يكفي لان يكون الاربعاء عيداً للمسلمين في كل انحاء الارض، لان الهلال للكوكب وليس للمنطقة حسب القول باتحاد الافق.

لذا اتمنى على الذين كتبوا في هذه المسألة وهم كثر، ان يعرفوا بان الهلال مسألة اجتهادية يختلف النظر اليها من مذهب لمذهب آخر، ومن مرجع شيعي لمرجع شيعي آخر، ولا يكون الموضوع معتمداً على رؤيته فقط، بل بمكان ظهوره ايضاً، حسب تصوّرات الفقهاء انفسهم، وكلي امل ان يعي الجميع هذه المسألة جيداً، ويعرف لماذا اختلف السيد السيستاني مع المجموع في تحديد العيد كي ينتفي كلام بعضهم كما يقولون بالعامية “عيني الهلال ابو ليلتين لعد وين جان السيستاني ما شافه” … فالموضوع يرجع للافق فيما اذا كان متحداً او مختلفاً حسب الرأي والاجتهاد ولا يرجع للرؤية فقط.

اود اضافة امر آخر، وهو ان رؤية الهلال تُعتبر حُجّة على الفرد نفسه ولا يكون فيها تقليد المرجع .. اي ان الفرد اذا ما تيّسر له رؤية الهلال فسيكون ذلك حُجّة ً عليه في ان اليوم التالي عيداً دون الالتفات الى رأي مرجعه الخاص اذا لم يعلن هذا اليوم عيداً.