الرئيسية » مقالات » صدق من قال … والشعراء يتبعهم الغاوون ؟؟!!

صدق من قال … والشعراء يتبعهم الغاوون ؟؟!!

مابين النقد .. والتسقيط

في موضوعي السابق “الشعر والعصبية القبلية .. وجهان لعملة واحدة أسمها التخلف !!” قد تعرضت من قبل بعض أنصاف المتعلمين والأميين لشئ من القدح والذم والذي يدلل على الوعي المتدني والانعدام الثقافي لدى هذه الطبقة الطفيلية الهجينة التي لم تتعلم إسلوب الحوار والنقاش الهادئ، فالصراخ هو شعارهم والسب والشتم وتسقيط خصومهم هو ديدنهم وإن كانت هذه الخصومة هي بأصلها خصومة فكرية ، لدرجة أن احدهم قد وصفني وعلى طريقة البعثيين من أولاد الشوارع بـ ((الوافد)) الذي لايحمل ثقافة العراق لمجرد اني رفضت ثقافته الهزيلة !! ، وأخر قد كتب كلاما طويلا عريضا يحسده عليه حتى البخاري من حيث كثرة الكلام والتدليس ، وسأدع هؤلاء البهائم البشرية تنبح ولن أرد عليهم لسبب بسيط وهو أنني لا احترم أمثالهم ولا أقيم لهم وزنا ، فكلامي ربما اصابهم بمقتل وكشف حقيقتهم فجعلهم يتخبطون مثل الثور الهائج ، وكما يقول نيتشه : ” اذا شئت ان تغيظ احدا ما ، يكفيك ان تقول عنه شيئا صادقا ” .

وسبب كل هذه الضجة (( ولية مخانيث)) هو أنني قد عرضت من خلال المقال جملة من مساوئ الثقافة القبلية بالإضافة إلى سلبية الشعراء المنافقين من المداحين والذمامين وكبر حجم تأثيراتهم الكارثية على المجتمع ، خاصة بعد حقبة الثمانينات المربدية والعكاظية التي أنمى فيها النظام السابق ثقافة الشعر الشعبي الهابط وشاعها في المدن بعد ان كانت حبيسة المجتمعات الرعوية والريفية ، وجعل من بعض النكرات يحسبون زورا وظلما بالفنانين نكاية وحقدا على الفن الجميل ورموزه الكبيرة (( المعروف والمعلوم لدينا ان الفنون الجميلة هي سبعة انواع والشعر ليس من ضمنها وهذه المعلومة لبعض المرضى من غير المتعلمين من الذين حسبوا اورامهم السرطانية تزيد من ثقلهم )) !!.

وقد ذكرت عدة أسباب تدعم وجهة نظري والذي هو أولا وأخيرا يبقى رأي شخصي نابع من رؤيتي للواقع … الا أن الفكرة التي تم عرضها في مقالي آنف الذكر صنفها البعض (( وأقصد بالبعض هم فقط الذين انتقدوا بشكل موضوعي سليم ..وأما الصغار لا شان لي بهم )) على إنها فكرة شاذة وغير مستساغة من قبل الجماهير وبأنها إقصاء مطلق للآخرين، وحقيقة لا اعلم هل أن صاحب هذا الرأي لا يعلم بان الكثير من المجتمعات (( وخاصة في محيطنا الإقليمي)) قد نشأت على جملة من الأخطاء وتم توارث هذه الأخطاء على إنها تراث مقدس لا يجوز المساس به من قبل أمثالي من ذوي الثقافة الغربية (( ومهما كان يحمل هذا التراث الموروث من شوائب عالقة))!!.

والمصيبة العظمى أن أي شخص في مجتمعنا يحاول أصلاح هذه المعتقدات الخاطئة تلصق به أشد النعوت وأقساها ومن قبل بعض المتخلفين الكلاسيكيين من كارهي الحداثة ، فقط لأنه حاول أن يغير بناءا معوجا ومعادلة خاطئة لذا فيتم تصويره على انه شخص شاذ في معتقداته واطروحاته!!، وهنا أود أن اذكر قول مأثور لبرتراند راسل: “لا تخش أن تكون شاذاً في آرائك، فكل رأي مقبول اليوم، كان شاذاً يوما ما” .

فالتاريخ أعطانا شواهد حقيقية تنكر اعتبار إجماع الجماهير بأنه دلالة على صحة رأييهم أو على انه مقياس مطلق للصواب أو الخطأ ، فهل أن كان اغلب العرب هم من المدافعين الأشاوس عن قيمة الشعر يعتبر شهادة دامغة بحقه وحجة قاطعة على منتقديه؟؟!! فأينهم من المقولة التي يرددوها بمناسبة وبدونها: (( وأكثرهم للحق كارهون))؟؟!! .

وأنا هنا لست بصدد إعطاء بعض الأمثلة على أن الكثرة هي ليست معياراً للحق ، فهي كثيرة وماثلة لمن يقرا الواقع بكلتا عينه أو لمن يقول أنا أعرف القراءة والكتابة.


علاقة العرب بالشعر

البعض الأخر من منتقدي موضوعي المطروح اعتبر إن الشعر هو محور الحياة بالنسبة للإنسان !! وأنا بدوري أوافقه قوله هذا ، فصاحب هذا الرأي هو يقينا يقصد العرب بهذا التعبير ، فالعرب (( بما فيهم المستعربين من ذوي الأصول الهنديــــــــة والفرعونية والخ )) وكما نعرفهم يتنفسون الشعر ويحيون به ، فالعرب الأوائل كانوا يعتبروه غذاء الروح الذي لا يستغنوا عنه مطلقا ، فهو السلاح البديل عن السيف والرمح الذي يستخدموه في غزواتهم ومحاربتهم لبعضهم البعض ، فالشاعر العربي الجاهلي مثله مثل غوبلز أيام ألمانيا النازية وأسلوبه في الخطابة الشعرية لا يختلف عن طريقة الصحاف المضحكة بالنسبة لنا والمحترمة لدى الشارع العربي ، فبالمجمل ان وجود الشعرفي حياة الفرد هو بمثابة حاجة ملحة في وجدان أي عربي يقدس المؤسسة القبلية .

أما شعراء هذا الزمن فهم يعبرون عن أحلامهم المحال تحقيقها بالشعر الذي يعوضهم عن الواقع المر، نظرا لإنكساراتهم المتكررة وفشلهم شبه المزمن في جميع المناحي الحياتية ، فتراهم لا يستسيغون الواقع بدون الخيال (( المتمثل بعشق الشعر)) والذي بدوره يعوض عن نواقصهم (( الاجتماعية والمادية والخ الخ الخ )) .. فأمة الشعر هي امة حالمة وانهزاماتها وانكسارها هو أمر اراه جد طبيعي كونها قدمت الروح على المادة .. والكلام على الأفعال .

وأنا هنا لا أريد أن أنكر الشعور الإنساني وترجمة الأحاسيس بكلمات راقية تعبر عما يختلج الإنسان من مشاعر.. لكن الذي أنكره هو تحول الشعر إلى مهنة وآلية وضيعة للارتزاق عن طريق مدح فلان وذم علان أو استغلاله لإعلاء شان نكرة من النكرات وتسقيط أخر بدون أي مسوغ سوى أن هذا المستشعر الفلاني يشعر بعقدة النقص من هذا الأخر !!.

وبعيدا عن إنكار الشعر او الدفاع عنه ، فالذي عرفته ومن خلال خبرتي المتواضعة في هذه الحياة إن الأدب عموما ينتشر ويزدهر في المجتمعات المتكاملة النمو والغالبة والمنتعشة اقتصاديا على اعتباره نوع من أنواع الترف ، وكما يعبر عنه الدكتور طه حسين على انه (( الأدب)) ليس أكثر من ترفا ذهنيا …. وهنا أود أن أسئل :

هل تثقفت جماهيرنا لكي تــُترف بالأدب ؟؟!!

كيف نطلب من مجتمعاتنا المتخلفة والأمية والتي لا تتوفر فيها أبسط الاحتياجات في أن تجعل من الشعر بديلا عن خبزها والقافية عوضا عن انتصاراتها وتقدمها وازدهارها ؟؟!! .

أليس هناك مهم .. واهم ؟؟!!

أم أنهم يحسبون تعمير الحواضر والأوطان يأتينا بواسطة تافه الكلمات وكاذب الشعر ؟؟!!

وإلا يصح ان نطلق على مجتمعاتنا صفة مجتمع المليار ونيف ((كاذب)) .. عفوا شاعر ؟؟!!

ثم أين هو وجه الأدب في الشعر الشعبي الذي أراه (( كما غيري الكثير)) يسيء للغة العربية وللذوق العام… فأين الأحمق الذي يزايد علينا بالعروبة وهو يذمنا ويصفنا بالوافدين الأعاجم وهو يتعكز على مفردة أعجمية هجينة ويعتبرها من روائع الادب العربي الرفيع في حين انه لا يزال لايميز بين الضاد والظاء حين يرد على غيره من الوافدين امثالنا؟؟!!

فهل اصبح هذا المستعرب ساطع حصري جديد وهو يسبغ نعمة الجنسية العراقية على من يوافق هواه ، ويسلبها ممن أنكر عليه مهنته ؟؟!! .

وسؤال جدا مهم وأتمنى من يجيب عليه ان يبتعد عن التحجج بالمشاعر والأحاسيس المرهفة وما الى ذلك من هذا الكلام الفارغ ، وبصريح العبارة اتمنى جواب منطقي وعملي :

مالذي قدمته لنا مجتمعات المنافقين من الذين يمدحون مهندا بالأمس ويذمونه اليوم ؟؟!!

ماهو دورهم في المجتمع ؟؟!!

وماهي انجازاتهم على أرض الواقع ؟؟!!

فك أرتباط مابين الشاعر والثائر

الذي لم يعيه رعاة القوافي الحفاة من مقالي السابق (( ربما محاولة منهم لخلط الاوراق)) هو إنني حاولت أن أميز مابين صاحب الرأي والمبدأ ومابين المنافق المداح الذمام …. المنافق ، فهؤلاء المدعين يجعلون من أنفسهم (( وهم واهمين)) بموازاة الثائر العراقي الخالد ((مظفر النواب )) أو صاحب اللافتات الشجاع (( احمد مطر)) وغيرهم من اصحاب المبدا الثوري ، فهؤلاء الثائرين هم ارفع من أن نصفهم بالشعراء ، وهؤلاء المستشعرين اصغر من أن يقفوا مع العمالقة بزعم أن (( مهنة )) شاعر سوف تربطهم بأي شكل من الأشكال مع من وقف بوجه الطغاة وعرض حياته لخطر دائم ، والذين أحبهم شعبهم لثبات مواقفهم ولعدم مهادنتهم عتاة الحاكمين الظالمين وهم على سدة الحكم لا بعد ان قبض عليهم في الحفرة مثل الكثير .. والكثير.

فالغراب لا يصبح نورسا لمجرد انه امتلك جناحين … ولا الأفعى تتحول يوما الى تنين (( كما يظن المغفلين)) .

اسباب نقد ثقافة القبيلة والشعر

كعراقي هالني أن أرى الثقافة القبلية العشائرية والشعر الهابط (( الشعر الشعبي )) هي الشغل الشاغل للعراقيين رغم مايمرون به من محن ومعاناة فنحن الان احوج الى نتاج فعلي ملموس على الأرض، فالمثقف الحقيقي واجبه ليس فقط انتقاد المالكي والطالباني والمشهداني وكأن دورنا هو مقتصر فقط في إنتقاد الأقطاب السياسية (( فكم هو سهل انتقاد سياسي بغداد في هذه الايام)) !!، فالدور الحقيقي للمثقف عموما هو تشخيص علل مجتمعه وبكل مناحي الحياة ومحاورها الفاعلة ، محاولة منه لخلق مجتمع سليم بعيد عن كل الآفات الاجتماعية السيئة .

فللأسف أن المجتمعات البائسة هي من تخلق النزعة الفردانية للحاكم وهي من تخلق شخصية القائد المفدى الذي يقصر في اداء واجباته واعطاء حقوق شعبه ، وكل هذا يتم بسبب الجهل والتخلف وإنعدام الوعي، فلم نرى أو نسمع عن مجتمع واعي ومدركا لمصالحه يحكمه فاسدون غير مكترثين لهمومه ، أي بمعنى أن الواقع السياسي المتردي ماهو إلا انعكاس لواقع المجتمع الخامل ، وصورة طبق الأصل لأفراد هذا المجتمع أو ذاك ، فالحراك السياسي والاقتصادي والخدماتي يجري تبعا للحراك الفكري لدى عموم الجماهير .

فيكفي تلحفا وتقوقعا في كهوف الخيال .. ويكفي نومنا ونحن فاتحين أفواهنا تحت الشجرة منتظرين أن تقع الثمرة في ثغورنا المفتوحة .

ويكفينا افيون شعركم يا فطاحل عصركم …

فبدلا من أن تلعنوا الظلام ….. بشعركم الذميم أوقدوا شمعة العلم …والثقافة الحقيقية .

وبدلا من قول كلمة كاذبة تخدروا بها عقول بعضكم البعض.. كونوا صادقين مع أنفسكم على الأقل .. ولأننا نعلم أنكم تعلمون أننا نعلم بانكم كذبة محترفين .

وصدق من قال فيكم :

” والشعراء يتبعهم ، ألم تر أنهم في كل واد يهيمون”

تنويه لأصحاب الفهم المحدود :

– الحسيني – هو اسم عائلة وليس اسم قبيلة أو عشيرة .. والعائلة وكما هو معروف لم تتخذ من نظام الكتبة منهجا لها مثل القبيلة والعشيرة (( نظام الكتبه هو إعطاء الدخيل والغريب القادم من اقصى مشارق الارض اسم القبيلة التي تكاتب معها لقاء اجر من المال او امتهانه أحط الأعمال واوضعها لدى رئيس القبيلة )).. والعاقل بالإشارة يفهم .

مهند الحــــــــسيني