الرئيسية » مقالات » العراقيون بين الديمقراطية و (المعزومية)!!

العراقيون بين الديمقراطية و (المعزومية)!!

هل ما يجري على الساحة العراقية الآن من تجاوز على الدستور و القانون هو من ضمن مظاهر “الديمقراطية العراقية”؟ و هل تسعى هذه الأحزاب الحاكمة الطائفية و القومية إلى ترسيخ فكرة أن كلمة عراقي تعني “متخلف”؟، للأسف فإن هذا هو بالضبط ما يحصل على أرض الواقع، فبعض الأحزاب القومية المشاركة في السلطة رسخت و لا تزال – في منهج لا يختلف قط عن البعث الغاشم – فكرة أن الفساد و عبادة الزعيم الأوحد و تقديس المسؤول و كونه يملك صفات إلهية، كل هذا هو جزء لا يتجزأ من شخصيتنا “القومية” و نضالنا القومي العنصري التقسيمي، و ما إلغاء المادة خمسين من قانون انتخاب مجالس المحافظات – الذي لا يشمل كل العراق – و هضم حقوق الأقليات إلا خطوة إلى الوراء من ضمن خطوات.

المصيبة التي يعانيها العراقيون الآن هي أن الأحزاب الحاكمة و المتحاصصة قد قررت أن تقوم بابتلاع ما يمكن ابتلاعه ضمن لعبة منافقة مليئة بالمجاملات على حساب الدستور و القانون و اسمها “التوافق الوطني” الذي حول الديمقراطية إلى – معزومية – و قصعة يجب أن يأكل الجميع منها و بالتالي ذهبت الانتخابات و العملية الديمقراطية ضحية أذواق مريضة و نفوس ملؤها التآمر و التحاصص، فهذه الأحزاب ليست ديمقراطية في بنيانها الداخلي التنظيمي و لا تحمل أي خطاب وطني حقيقي اللهم إلا النعرة القومية العنصرية و عقلية الصراع القومي و الطائفي، فكيف نتوقع من هكذا أحزاب لا تعتبر السلطة و السياسة إلا مغنما و فريسة و أن على الشعب أن يستمر في المعاناة لأن هذا هو قدره.

إن الوطنية هي شيء مختلف تماما عن كل العقليات التي حكمت و لا زالت تحكم العراق، فزعيم الحزب “و هي أحزاب أيديولوجية بالتأكيد” هو وحده من يقرر ما هي الوطنية و ما هي معايير هذه الوطنية و متى يكون المشاركون في الحكم شركاء وطنيين أو خونة يستحقون الموت، ببساطة و لأن هذه الأحزاب – مع استثناءات نادرة جدا – تكره الثقافة و المعرفة و الحرية لإغنها تستعين على الدوام بأناس يتم اختيارهم عبر “الولاء” للزعيم و الحزب و من خلال سياسات الحزب تجد أنه أكبر تجمع للمغرورين و الجهلاء و العقليات المستعبدة التي لا ترى في الثقافة إلا كمجموعة معلومات فارغة يستفيد منها الكادر الحزبي في الارتزاق، من هنا كان من واجب المواطنين التحري و البحث عن أي حزب وطني حقيقي لا يستند إلى الطائفة أو القومية و العشيرة بل إلى خلفيته الثقافية العراقية.

إن الأحزاب الطائفية و العرقية القومية لا تختلف عن حزب البعث الذي كان يحكم العراق “المتعدد” بنعرة عرقية عربية، بالتالي تجد أن هذه الأحزاب لا تختلف عن حزب البعث كون الانتماء إليها محصورا بدين أو عرق قومي معين و إذا ما انتمى إليه شخص ينتمي إلى دين أو قومية أخرى فإن المجتمع نفسه يحتقره قبل أن يعتبر هذا الشخص نفسه ناقصا – و كان هذا حال الكردي و التركماني الذي ينتمي للبعث العربي الإشتراكي – و بالتالي فإن هذه الأحزاب تعلن أنها أحزاب غير عراقية لمجرد حصرها على طائفة أو قومية معينة، كانت هذه الأحزاب تمتلك شرعية ما حينما قسم البعث العراق على أساس العرق و الطائفة، و لكن ما أن سقط صنم البعث حتى سقطت هذه الأحزاب معه.

غالبية الأحزاب الموجودة في السلطة تعاني الآن من أزمة انتماء إلى العراق و هي لحد الآن لم تستطع الخروج من زمن الأيديولوجيات و زمن التقوقع وراء نظرية دينية أو قومية، و ما يميز الشعوب المرفهة الديمقراطية الحرة هو أنها تؤمن بشيء واحد فقط إيمانا مطلقا و هو أن للفرد الحق في التفكير و التعبير و العيش وفق الأسلوب الذي يريده هو و دون إكراه من أحد، بالتالي فإن مجموع الأفراد الأحرار ينتخبون من يجسد هذه الحرية، أما نحن العراقيون فغالبا ما نصوت للمنافق الأطول لحية أو البطل القومي الذي يعد كل مرة بمحاسبة المفسدين و هذا مستحيل لأنه السبب الأول للفساد، بالتالي لا تتوقع عزيزي القاريء أن يكون هناك ثمار جيدة لشعب لا يعي مصلحته كأفراد، بل هو مستمر في الإيمان المطلق بهذا الحزب و ذاك التيار و كأن الإنتخاب هو اختبار لدرجة الإيمان و دون أن يدرك السائق أن السيارة بحاجة لبنزين فإن أدعيته و نذوره و مفاخر الآباء “الخالدين”!! لن تحرك السيارة و لا حتى للحظة.

Website: www.sohel-writer.i8.com