الرئيسية » مقالات » العراق: رائحة حرائق قومية في المطبخ الامريكي

العراق: رائحة حرائق قومية في المطبخ الامريكي

يبدو ان فترة الـ 5 سنوات التي خصصت للنزاعات الطائفية في العراق قد شارفت على النهاية، وقد بدأت تفوح من نافذة المطبخ الامريكي رائحة حرائق اخرى، هي الصراعات القومية.

والصراع القادم كما تشير بوادره، قد بدأت التحضيرات له منذ فترة، وتعتبر اصطفافات البرلمان الجديدة، او ما اطلق عليها بـ “ثورة 22 تموز المجيدة” انطلاقة لهذه المرحلة، والتي اخذت تتضح اكثر، وتتبلور، على انها مرحلة الصراعات القومية القادمة.

سابقا، وللامعان في اثارة الصراع السني الشيعي ترك الامريكان الحبل على الغارب لعصابات الاسلاميين السنة، والشيعة، على السواء، واكثرها تشكلت من بقايا الجلادين والسجانين وفدائيي صدام الذين وجدوا انفسهم فجأة بلا مأوى ولا جيش يلم شتاتهم ولا مؤسسات حكومية تنتشلهم من البطالة.

بينما تعتمد في صراعها الجديد، القومي، والذي يراد له ان يكون (عربيا – كرديا) على متطرفين اكثر اناقة وحدة، اغلبهم من الوزراء والبرلمانيين، والذين بدأوا المزايدات الاعلامية منذ فترة استعدادا وتمهيدا لصراع الـ 5 سنوات القادمة.

كانت الادارة الامريكية قد استخدمت كل اوراقها، وبنجاح منقطع النظير، من اجل تعميق الانقسام الطائفي في العراق، من الدعم الاعلامي الملفت للنظر لعصابات القاعدة وجيش المهدي، الى مسرحية محاكمة الرئيس السابق، وكشها ومطها لسنتين، التي كانت مادة دسمة للمتطرفين السنه – يرون فيه رمزا للعروبة – ، وللمتطرفين الشيعة الذين يعتبرونه صنما ظالما، ثم افتعال فضائح ابوغريب…الخ.

ولن تألوا الادارة الامريكية جهدا في توفير مقومات الصراع القومي هذه المرة، فقد اجلت حل المشاكل الحساسة العالقة منذ سقوط النظام السابق فقط لكي توضفها كوقود في مرحلة الخمسية الثانية هذه، ولعل ابرزها مشكلة كركوك، قانون الفيدراليات، صلاحيات الاقاليم، قانون النفط والغاز ….

هنالك ثلاثة مناطق كردية خارج اقليم كردستان هي لورستان، كرميان وسهل نينوى، وتحمل كل من هذة المناطق الثلاث ارثا تاريخيا من القهر والتعريب والاخلاء والتهجير القسري ولا يمكن اقناع الكرد باي حال من الاحوال بالتنازل عنها كونها اكتسبت قداسة تعتبر التغاضى عنها جريمة تاريخية لا يستطيع اي حزب او قوة كردستانية المغامرة بها.

وفي المقابل فان الحكومة العراقية تحمل على اكتافها تعهدات وطنية وثوابت لا يمكن تجاوزها لانها تعتبر خيانة عظمى، مثل الحفاظ على توازن الدولة العراقية وعدم التفريط في سيادة المركز وثرواته. الحكومة بدأت تتلقى الدعم العربي، المشروط بصيانة عروبة العراق، وهويته القومية التي ورثها عن الانظمة السابقة. لذلك ترى انها تكتسب الشرعية التامة في الحرب ضد كل القوى التي تهدد سلامة الوطن ووحدته وانتمائه، وترى ان لها ظهيرا قويا يساندها.

التناقض هذا لا يقتصر على القوى السياسية، بل انسحب الى المواطن البسيط، فالكردي يرى ان الدولة العراقية الحالية مازالت تمارس نفس القوانين المجحفة التي سنتها الحكومات السابقة منذ تاسيس الدولة عام 1921م الى اليوم، والتي بلغت الذروة في العقدين المنصرمين.

بينما العربي يرى في القوى الكردية شوكة في طريق تحقيق طموحات الوطن الواحد المتكامل، وانها تريد ابتلاع مناطق العراق الثرية في الشمال عن طريق طرد العرب من بعض الاماكن، وفرض الالتزام بشروط الاقامة في اماكن اخرى مما يرونه مخلا بالسيادة.
هذا التناقض، والثقة بالنفس التي يحملها كل طرف، ووجود وسائل الاعلام التي تذكي مثل هذه الصراعات تؤهل العراق لصراع قومي لن يكون اقل ضراوة من الصراع الطائفي، وفضلا عن انه سيهدر من عمر العراقيين 5 سنوات اخرى، فانه سيلحق دمارا اكثر بالاقتصاد العراقي وستكون نتائجه اكثر كارثية.

على الصعيد السياسي فان فئة التكنوقراط المشوهة، الحاكمة في العراق اليوم مؤهلة تماما للتصعيد ولدور كماشة النار.
وعلى الصعيد الانساني من الممكن خلق عصابات اجرامية تمارس القتل على الهوية القومية بدلا من الطائفية.

والذي يراجع حصيلة السنوات الخمس الماضية، يمكن له ان يلاحظ انعدام دور المثقفين العراقيين في السيطرة على مشاعر الشارع العراقي من جهة، ويلخص فشل وهشاشة الوعي في اختبار التناحر الطائفي، والفشل كان بامتياز، ثم يخرج بنتيجة مقلقة، فالسنوات الخمس التي ضاعت من عمر هذا الجيل ستلحقها سنوات خمس اخرى، يعد لها السياسيون منذ الان.

من يستطيع ان يتخيل معي كيف ستكون النتائج بعد 5 سنوات من الان، سينتهي الصراع كما بدأ بدون طائل، ولن يحقق اي طرف ثمة مكسب يذكر، كركوك يراد لها ان تكون مستقلة، بسبب نفطها، اشبه بامارات الخليج، لن تبقى عراقية، ولن تكون كردستانية.

قانون الفيدراليات لن يقر لان كردستان سوف تنسلخ نتيجة للصراع المرير مع المركز.
قانون النفط والغاز سيقر بجرة قلم، ويرهن ثروات العراق لشركات عالمية عملاقة، هي المستفيد الوحيد منها.

ومن اجل تفادي صراع غير مجد، لم يتبقى للمثقف العربي سوى التثقيف على الاعتراف بحقوق الشعب الكردي الكاملة، في كامل ارضه، بالاستقلال التام اسوة ببقية الشعوب من اجل طي صفحة النضالات القومية كليا في الشرق الاوسط. ولم يتبقى للمثقف الكردي سوى نشر روح الاحترام لكفاح الانسان العربي، والعمل معه على اقامة المجتمع العراقي المزدهر حتى تنتهي بسلام حقبة الخمسية الثانية، حقبة الصراعات القومية التي بدأت رائحتها تفوح من نافذة المطبخ الامريكي.