الرئيسية » مقالات » وماذا عن السعودية ياطارق الحميد ؟

وماذا عن السعودية ياطارق الحميد ؟

تُعد الديمقراطية , في الوقت الحاضر, من بديهيات ومسلّمات الفكر السياسي في أغلب الدول الأوربية الحديثة التي وجدت فيها الديمقراطية تطبيقاً على أرض الواقع .إذ قد أجمعت هذه
البلاد _ وكما هو معروف _ على أن الديمقراطية تعد من أهم متطلبات الحياة السياسية بالإضافة الى مرتكزاتها التي تتألف من الانتخاب الحر وضرورة الفصل بين السلطات التشريعية والتنفيذية والقضائية , ووجود دستور تستمد منه الدولة قوانينها وتشريعاتها , بالإضافة إلى حرية التعبير عن الرأي واحترام حقوق الإنسان وتكوين الأحزاب والتجمعات السياسية وإنشاء وسائل أعلام مستقلة…..الخ .

وقد كتب السيد طارق الحميد رئيس تحرير صحيفة الشرق الاوسط السعودية يوم السبت الماضي مقالأ بعنوان” أشعل السنة الإرهاب وأطفأ الشيعة الديمقراطية ” تحدث فيه عن هزيمة الديمقراطية في منطقتنا العربية، وكان المقال متضمنا لجملة من الافكار والطروحات التي لا أعتبرها غريبة ولا جديدة على ألإطار العام الذي يتحرك فيه تفكير السيد طارق الحميد ، فهو يكتب بمنهجية سياسية تحقق ستراتيجياً _ على نحو مباشر او غير مباشر وعلى المدى البعيد او القريب _ مصالح المملكة العربية السعودية ، لذلك يصبح من السذاجة بمكان عزل قلمه وفصل كتاباته من سياق الصراع الإيراني السعودي الذي يتضمن أبعاداً طائفية وسياسية واقتصادية وحتى عسكرية .

يبدا السيد طارق مقالته بتقرير حقيقة واقعية _ من وجهة نظره طبعاً _ تتمثل في قوله ان (( الديمقراطية قد هزمت في منطقتنا، وفي الدول الناشئة، وسندخل مرحلة الديكتاتور العاقل في الدول المضطربة عوضا عن النظام الديمقراطي)) ، ثم يدخل السيد طارق في أتون مقالته وفيها أراد ان يبين فشل امريكا في تعيين حروبها وتشخيص اسبابها بعد ارهاب 11 سبتمر حيث كان لرؤية بوش غير الناضجة الاثر الاكبر في تاخير نشر الديمقراطية في الكثير من دول العالم ثم يعلق السيد طارق ويؤكد ان الذي يعنينا من دول العالم كلها هو منطقتنا العربية …. وهو على حق في ذلك فالذي يعنينا نحن هو المنطقة العربية والتطورات الجارية فيها والمخاضات والتحديات التي تعيشها والابعاد التي يمكن ان تأخذها .

وبعد ذلك يبدأ السيد طارق بسرد مجموعة من الدول العربية وعلاقتها بالديمقراطية وتطورات الاحداث في العالم ويذكر (( ليبيا، والسودان، وسورية، وموريتانيا)) ويعلق على كل واحدة منها بحسب رؤيته ووجهة نظره … ويتناسى _ وهذا جوهر نقدي لمقالته _ وهو في غمره تحليله السياسي دولة كبيرة هي المملكة العربية السعودية وعلاقتها بملف حقوق الانسان وتطورات الاحداث والديمقراطية والموقف من الأخيرة !!!

وربما يقول القائل ان السيد طارق قد ضرب امثلة معينة منتقاة وهو غير مُلزم بذكر كل الدول التي تدور في مخيلة القارئ … وهو على حق في أعتراضه هذا ولكن ما قاله السيد طارق بعد هذا المقطع هو الذي جعلنا نضع كلماته تحت مدماك النقد ، حيث تحدث عما اسمته كونداليزا رايس ” الفوضى الخلاقة ” وحاول ان ينبه رايس الى ان العرب لديهم ما اسماه الفوضى الاسلامية والتي راى فيها الاكثر تاثيرا من الفوضى الخلاقة ، فلهذه الفوضى من وجهة نظره ” القدرة على تعطيل أي نظام لا يضمن لها السلطة المطلقة. فأكثر من شوهوا العملية الديمقراطية في منطقتنا، وربطوها بالفوضى، هم الإسلاميون الحركيون “.

وهنا نحاول ان نسال الاخ طارق : من هي الدولة التي تنشط فيها الحركات الاسلامية الاصولية اكثر من السعودية ؟

واي دول عربية قامت بتصدير نماذج من التطرف والأصولية والعنف الى العالم اكثر من السعودية ؟

وهل من الممكن ان نذكر الحركات الاصولية في الوطن العربي من غير ان نمر على المملكة العربية السعودية ؟

هل غاب عن ذهن طارق انه بعد انهيار وتفكك الاتحاد السوفيتي سعت الحركات الاصولية في السعودية بدعم كامل من السلطات الحاكمة إلى دعم الحركات الانفصالية السنية المنتشرة في مناطق الشيشان وأنفوشيا وداغستان وافغانستان وغيرها ؟

الا تعتبر السعودية من اكثر الدول الأسلامية تشدداً واصولية ؟على الرغم من وجود نماذج تنويرية من كتاب وأدباء ومفكرين سعوديين حاولوا الخروج من حقول الالغام التي يزرعها في طريقهم مشايخ التكفير السعودي.

ولكننا نرى الاخ طارق بدلا من ان يذكر السعودية حينما يتحدث عن هؤلاء الاسلاميين الحركيين باعتبارها اكثر من نضحت بهم المملكة وارسلتهم الى العالم … نراه يحاول ان يضرب امثلة من الواقع وياتي الى العراق ومصر ويتخذ من الدعوة والصدريين والمجلس امثلة بالنسبة للعراق والاخوان امثلة من مصر فضلا عن حماس وحزب الله وهو لايذكر الحركة الوهابية المتطرفة في السعودية التي ساهمت بشكل كبير في نشر الفكر الاصولي المتشدد في العالم الاخر بشكل عام والعربي بشكل خاص …ونسيان طارق هذا أو بمعنى ادق تناسيه لدور السعودية أمر مدعاة للتندر والدهشة والتساؤل والشك في أن واحد .

ثم وبعد هذا التشخيص الناقص و” المركع ” للقضية يحاول السيد طارق ان ينبه القارئ الى حقيقة ( على الطريقة الحميدية طبعاً ) تتلخص في ربطه جميع هذا الأحزاب الإسلامية أو اعتبارها محسوبة على أيران وهي بالتالي ” أكبر معطل للعملية الديمقراطية بالعراق ولبنان وفلسطين والبحرين والكويت، وإيران نفسها” , وهو ربما قد وضع يده على جزء من الحقيقة المتعلق بدعم ايران للكثير من الاحزاب ، اذا لا يخفى ان الكثير من الاحزاب التي ذكرها تتلقى دعما ماليا او معنويا من ايران ، ولكن وفي مقابل ذلك … الا تدعم السعودية في نفس هذه الدول او غيرها احزابا معينة اصولية تعرقل او تحاول ان تعرقل بناء الديمقراطية ايضاً في دول عديدة في الوطن العربي !!!

الا تدعم السعودية تيارات أصولية في كافة أنحاء العالم ؟

الا تدعم السعودية مادياً تيارات اصولية سنية في لبنان ؟

الا تمول السعودية مئات المدارس في العالم التي تنتج افكارا اصولية ليست ضد الديمقراطية فحسب بل ضد كل قيم الانسانية السمحاء ؟

اليست فتاوى قتل اصحاب الفضائيات قد صدرت من قبل اللحيدان وهو يتمتع بموقع رسمي في المملكة ؟

الم يصدر العديد من مشايخ السعودية عشرات الفتاوى التي تكفر الشيعة ؟

اليست هكذا فتاوى تقف ضد الديمقراطية وضد الانسانية ؟

لماذا لاترى عين السيد _وهي ستة على ستة _ الا ايران والاحزاب الشيعية ولاترى السعودية والاحزاب والحركات التي دعمتها ومازالت تدعمها ؟

أعتقد ان الجواب على ذلك بسيط ولايحتاج الى قراءة كتاب الفيلسوف الالماني هانس غيورغ غادامير ” فلسفة التأويل ” لكي نتعرف على الجواب … فالسيد طارق يكتب من مسبقات ومفترضات سعودية شاء أم ابى تتحكم في رؤيته لاي قضية يتناولها مهما زعم الحياد والموضوعية والدقة وقراءة الواقع كما هو عليه …

ولهذا السبب يصبح من الخطا الفاضح أعتقاد الاخ طارق الحميد ان شيعة ايران هم من اطفأ شمعة الديمقراطية في منطقتنا العربية …فالذي اطفأ او يحاول أطفاء هذه الشمعة التي لم تتقد أصلاً هم النسخ الأصولية من الشيعة والسنة على حد سواء ولاينبغي ان نشير الى طائفة ونترك اخرى…. فالعقلية الاصولية لاتوجد عند الشيعة فقط بل هي موجودة عند السنة ايضاً وموجودة أيضاً في كل الاديان بل حتى في الحركات العلمانية التي غرق الكثير منها في وحل التطرف والغلو ….

مهند حبيب السماوي