الرئيسية » مقالات » نحو حكومة استبدادية رشيدة

نحو حكومة استبدادية رشيدة

لعل الديمقراطية مثل الاشتراكية تحتاج مقومات مادية وشروط حتى تسود في مجتمع ما , و مثلما فشل أسلوب حرق المراحل في تطبيق الاشتراكية, لأنه لم يحقق الشرط الأساسي لنجاح الاشتراكية وهو قدرة المجتمع على إنتاج الفائض من الخيرات المادية , حتى تكون هناك حاجة اجتماعية إلى الاشتراكية التي كان من المفروض أن توزع هذا الفائض على أفراد المجتمع كل حسب حاجته , ولكن الذي تحقق, هو رأسمالية الدولة المتوحشة التي لم تنجز فائضا في الإنتاج بل توزيعا غير عادل له .
الديمقراطية أيضا ستكون مشوهة فيما لو اعتمدت على حرق المراحل دون انتظار نضوج الظروف المناسبة لنموها , فالمجتمع ما لم يبلغ مستوى من التطور في إنتاج الخيرات المادية لا يمكنه إنتاج الديمقراطية , لأن مجمل العلاقات القائمة في المجتمع بما فيها الدولة وأشكال السلطة و مؤسساتها ما هي إلا انعكاس لعلاقات الإنتاج وقواه وأدواته السائدة في المجتمع , إن نمط الإنتاج هو الذي يحدد طبيعة وشكل التشكيلة الاجتماعية – السياسية في الدولة والمجتمع , ومن جهة ثانية يحدد فكر وثقافة هذا المجتمع وفلسفته وطبيعة العلاقة القائمة بين مكوناته وبين هذه المكونات وبين السلطة , على هذا الأساس ظهرت التشكيلات الاجتماعية – السياسية بالتتابع لتعبر كل منها عن علاقات الإنتاج في مرحلتها :
أولا – المجتمع المشاعي : ساد فيه العمل الجماعي التعاوني للحصول على الخيرات المادية وليس إنتاجها , فلم تكن هناك أدوات أو وسائل الإنتاج , اللهم في شكلها البدائي الذي لم يتجاوز أدوات صيد بدائية , في هذا المجتمع انعدمت الملكية الخاصة بانعدام وسائل الإنتاج , وكان أفراده بحاجة إلى بعضهم بعضا في الحصول على الخيرات المادية فتحقق حسب هذه الضرورة الحياتية مجتمع الشيوعية البدائية , وبناءا عليه تجسدت السلطة في إدارة جماعية أداتها العرف السائد وليست أدوات القمع والبطش .
ثانيا – المجتمع العبودي : حدث انقسام طبقي في المجتمع فصار هناك طبقة مالكة لوسائل الإنتاج وأدواته, وطبقة الأرقاء المحرومة التي وقع عليها عبء إنتاج الخيرات المادية , ومع ظهور الملكية الخاصة ظهرت السلطة بيد مالكي وسائل الإنتاج كضرورة حتمية لحماية هذه الملكية واستغلال العبيد للعمل فيها والحصول على الخيرات المادية واحتكارها , في هذا المجتمع الذي اعتمد كليا على جهد العبيد في عمليات الإنتاج لم يكن مقبولا الحديث عن سلطة ديمقراطية لأن الظلم والاستغلال كان أداة ضرورية لإجبار العبيد على العمل كقيمة عظيمة في الإنتاج وتحصيل الخيرات .
ثالثا – المجتمع الإقطاعي : هو استمرار للمجتمع العبودي سوى انه حدث تبدل في مواقع طبقات المجتمع فقد ظهرت الطبقة الإقطاعية كمالكة لوسائل الإنتاج وطبقة الفلاحين كقوى عاملة وقع عليها عبء العمل في الأرض كاقنان, حيث الظلم والاستغلال , وكان من الطبيعي أن تكون السلطة بيد الإقطاع, وان تكون قمعية بعيدة عن قيم الديمقراطية لآن مثل هذه القيم ستقوض أسس النظام الإقطاعي الذي يعتمد على جهد الفلاح في عمليات الإنتاج .
وفقا للطبيعة الاستعبادية – الاستغلالية في مجتمع الرق ومجتمع الإقطاع , فقد سادت المجتمع ثقافة دينية , رجعية , متخلفة , مغلقة , تحكمت في حياة المجتمع على كافة الصعد, ليسود الجمود والجهل , إلى أن حدثت تطورات تاريخية تدريجية أدت إلى انقلاب في عمليات الإنتاج وما ترتب على ذلك من ظهور لطبقات جديدة في المجتمع وتغيرات في وسائل وأدوات وقوى وعلاقات الإنتاج , فإلى جانب الإقطاعي ظهر التاجر والى جانب الفلاح ظهر العامل الحرفي والى جانب الأرض والزراعة ظهرت الورشة الحرفية , وسرعان ما أخذت طبقة برجوازية تجارية تنمو في رحم مجتمع الإقطاع, لتتحرر من العقد الإقطاعي وتستقل بنفسها في نشاطها الاقتصادي بعيدا عن الأرض والزراعة , حيث امتهنت التجارة وحين حققت تراكما في الأرباح تحولت إلى الصناعة ,أن اعتماد البرجوازية على التجارة والصناعة في عمليات أنتاج الخيرات المادية يتطلب حرية الحركة في ممارسة نشاطها الاقتصادي , لأن التجارة والصناعة تتطلبان الأسواق المفتوحة ومجتمعات منفتحة وقوانين وتشريعات تقدم التسهيلات المطلوبة لممارسة هذا النشاط بهدف التخلص من المعوقات , ولم تكن هذه التسهيلات متوفرة في المجتمع الإقطاعي المنغلق على نفسه والمحكوم بالضرائب الإقطاعية والأسواق المحلية الضيقة التي لم تكن قادرة على استهلاك الفائض الصناعي, وبذلك أصبح نمط الإنتاج الإقطاعي ونظامه السياسي عقبة أمام طموحات الطبقة البرجوازية, فكان لابد من التخلص من الإقطاع الذي عجز عن استيعاب التطور الحاصل في عمليات الإنتاج, فقامت الثورات البرجوازية في أوروبا لتتشكل معالم المجتمع البرجوازي
رابعا – المجتمع البرجوازي : بلغ المجتمع درجة عالية من التطور في الإنتاج الصناعي والتجاري والزراعة الحديثة والخدمات ببلوغه الثورة الصناعية , حينها أصبحت المجتمعات الأوروبية بحاجة ماسة إلى الحرية والديمقراطية , إذ لا يمكن لأي نظام اجتماعي – سياسي احتواء زخم الثورة الصناعية – التكنولوجية غير النظام الديمقراطي , فالبرجوازية بطبيعتها الدينامكية منتجة للديمقراطية , التي توفر حوافز كافية لممارسة الفعل الاقتصادي بحرية حيث الأسواق الداخلية والخارجية المفتوحة ونظام ضريبي عادل وتشريعات مرنة , وما كان ذلك يتحقق بدون انتقال السلطة إلى الطبقة البرجوازية , لأن النظام الإقطاعي المتخلف كان على النقيض من كل ذلك , وبذلك زال التناقض بين السلطة وبين المجتمع الجديد , حيث امتلكت البرجوازية القرار السياسي إلى جانب القرار الاقتصادي , ليتم تبلور الدولة الأوروبية المعاصرة , التي تطلب ولادتها أكثر من 300 عام حتى بلغت مرحلة إنتاج الديمقراطية .
أن الديمقراطيات العريقة لم تأتي من فراغ أو وفق مشيئة حاكم عادل أو ثورة مفاجئة أو نبوءة أو حتى انقلاب ,بل هي محصلة تراكمات طويلة اجتماعية , اقتصادية , سياسية , فكرية , وتطور في أنتاج الخيرات المادية , لأن الازدهار المادي يقود إلى تطور مستوى الحياة والمعيشة وتفتح الوعي وارتقاء مستوى الفكر والقدرة على الإبداع والابتكار , وتحرير الإنسان من العبودية للحاجة والحرمان ومن العبودية للسلطة , ومتى ما تحرر يسترد إنسانيته, ليكون قادرا على خلق قيم جديدة تحقق له مزيدا من الحرية في ممارسة نشاطاته الحيوية الذهنية والجسدية , سيرا نحو الرفاهية , وبذلك نجد علاقة تبادلية بين البرجوازية وبين الديمقراطية , فكلا منهما يسهم في ازدهار الآخر , لقد أصبحت الديمقراطية الضمانة الوحيدة للحصول على الحريات الأساسية , والحرية ليست تلكم المفهوم المبسط حول الحق في ممارسة عمل سياسي أو معارضة السلطة أو حق التعبير عن الرأي , بل هي حاجة اجتماعية – إنسانية ضرورية في المجتمع الرأسمالي الحديث, بدونها تنهار الحياة الاقتصادية والاجتماعية والسياسية .. الخ في المجتمع الرأسمالي وتنهار الدولة , فكما بعض المجتمعات النائية حول العالم لا يمكنها البقاء إلا تحت الحكم الدكتاتوري , فأن مجتمعات المركز لا تستمر بدون ديمقراطية .
هناك من يعترض على فكرة ربط الديمقراطية بدرجة التطور المادي للمجتمع , ولكن هذه هي الحقيقة , لدينا اليوم ثلاثة نماذج من المجتمعات وفق تطورها في أنتاج الخيرات المادية , ومن خلال المقارنة بينها سوف نجد مدى ارتباط الديمقراطية بالجانب الاقتصادي والمادي في حياة أي مجتمع :
المجتمعات المتطورة : لديها أكثر التجارب الديمقراطية رسوخا ونضجا كبريطانيا و اليابان
المجتمعات الناهضة : ما زالت تجاربها الديمقراطية هشة ومتعثرة تعتريها عوامل النقص والقصور كالهند و البرازيل
المجتمعات المتخلفة : ليست لديها ثمة ديمقراطيات بالمرة كما كوريا الشمالية او بلدان العرب ,بل السيادة للاستبداد
إذ كلما حقق المجتمع ازدهارا في الصناعة والتجارة كلما أصبح أكثر حاجة إلى الديمقراطية لأن الفعل الاقتصادي المعاصر يحتاج إلى الحرية , وكلما توفرت الحرية كلما توفرت القدرات المادية التي ترفع دخل الدولة والأفراد , مما يعني بيئة مناسبة لزراعة الديمقراطية , والعكس صحيح , والازدهار لا يعني الثراء بمعناه الدارج , حيث هناك دول متخلفة استبدادية ثرية بحكم توفر ثرواتها الطبيعية ولهذا رغم ثرائها لم تظهر فيها الديمقراطية نظرا لتخلفها في الميدان الصناعي والتجاري كونها لا تحتاج في إنتاج الخيرات المادية إلى الديمقراطية , مما يعني بقاء مجتمعاتها رغم ثرائها المادي في مرحلة النظام العبودي – الإقطاعي خاصة بلدان العالم العربي وإيران وتركيا .


أن الديمقراطية الحديثة مرتبطة بالثورة الصناعية ومن قبلها بالتجارة , لأن الثورة الصناعية أفرزت معطيات جديدة في الحياة الاقتصادية والسياسية والثقافية والاجتماعية , جعلت الديمقراطية حاجة ماسة للحكومات والدول قبل أن تكون ضرورة لحياة المجتمع والأفراد , لأنها أي الديمقراطية العصب المركزي الذي ينظم تحريك الفعل الاقتصادي إثناء إنتاجه للخيرات المادية . لم تكن الثورة البرجوازية في أوروبا مجرد انقلاب سياسي على السلطة القائمة بل انقلاب ثوري شامل بدل قيم الحياة , نقل الإنسانية إلى مرحلة تاريخية جديدة في كل شيء, حيث تغيرت القيم والمفاهيم , انقلاب حمل في باطنه ميزة الحيوية وروح الانفتاح والاتصال والتواصل مع المحيط المحلي والإقليمي و العالمي سبيلا إلى بناء مجتمع الوفرة , وكانت البداية ثورة فكرية – نهضوية حررت العقل من سيطرة رجل الإقطاع وشريكه الطفيلي رجل الدين ليتجه الإنسان إلى الفكر العلماني – الإنساني .
ما رغبت الإشارة إليه هو القول بان التشكيلات الاجتماعية – السياسية القائمة في الشرق الأوسط والتي تسمى جزافا بالدول والمجتمعات , لم تبلغ بعد مرحلة الحاجة إلى الديمقراطية , فهي زمنيا تعيش في القرن الـ 21 ولكنها قيميا باقية في معطيات مرحلة المجتمع العبودي الذي ساد عالم الإنسان ما قبل البدائي , حيث ما زالت أنماط إنتاج الخيرات في هذه التشكيلات على حالها منذ العصر الحجري , لا زراعة حديثة ولا تجارة فاعلة ولا صناعة حقيقية , لذلك فأنها بغير حاجة إلى الديمقراطية , بدليل عدم اهتمام السواد الأعظم من شعوب المنطقة بمسالة الحريات الديمقراطية و كذلك عدم اهتمام السلطة الحاكمة بها إلا من ناحية العمل على عدم زراعتها في مجتمعات هذه المنطقة البدائية من العالم , وهذا يرجع إلى تخلف قوى ووسائل وعلاقات الإنتاج , حيث الاعتماد على الأرض في الزراعة البدائية أو استخراج الخامات الطبيعية بوسائل متخلفة – البترول يستخرج بطرق متطورة على يد شركات أجنبية و لذلك عملية إنتاجه لا تحتاج إلى حرية أو ديمقراطية لان الشركة حرة في إدارة أعمالها دون الحاجة إلى وصاية الدولة المالكة – فيما عدا ذلك ما زال أسلوب الإنتاج في كافة القطاعات الاقتصادية شديد التخلف تحت إدارة عقليات رجعية متمثلة في الحكومات الإقطاعية التي تتخذ شكل عشائري, ديني,عرقي, مذهبي, مجسدة مصالحها الإقطاعية , ذلك لأن مجتمعات المنطقة لم تحظى بالفرصة التاريخية التي حظيت بها المجتمعات الأوروبية قبل 700 عام التي تحررت بموجبها من سلطة الإقطاع عن طريق نمو طبقة برجوازية وطنية لعبت دورا تاريخيا في رسم مصير دولها ومجتمعاتها , ولكن البرجوازية العربية – الإسلامية لم تلعب هذا الدور كونها لم تمارس العمل التجاري أو الصناعي بل الأمر وما فيه أن الإقطاعية القديمة وظفت عائدات الزراعة في العمل التجاري وتحولت إلى وكيل محلي للبرجوازية الأوروبية الصناعية , ليتم دمج الإقطاع بالبرجوازية ومن هذا الاندماج انبثقت السلطة الاستبدادية الراهنة التي تمثل مصلحة شريحتها الاجتماعية فقط , فالبرجوازية العربية – الإسلامية ليست برجوازية وطنية بل هي تابعة وليست لها مصلحة في صناعة أو تجارة وطنية طالما هي تعمل وكيلا للمصالح الأمريكية واليابانية والأوروبية , حتى الأمس كانت الحكومات العربية تعاقب بالسجن مواطنا مبدعا ابتكر جهازا أو قدم نظرية علمية أو براءة اختراع خشية من ظهور منتج وطني ينافس منتجات الوكيل , أن عدم إقدام البرجوازية العربية – الإسلامية على توظيف أموالها في مشاريع صناعية وطنية , أدى إلى سيادة علاقات الإنتاج ما قبل الثورة الصناعية في مجتمعاتها و مع انعدام الصناعة والتجارة الوطنية انعدمت البرجوازية الوطنية التي كانت ستأخذ على عاتقها مهمة تحقيق الثورة الديمقراطية , ولأن الثورة الصناعية لم تنجز في بلدان المنطقة فان الديمقراطية لا لزوم لها حتى اليوم , فالمجتمع بطبيعة أنماط الإنتاج المتخلفة لديه ,غير قادر على إنتاج أية سلطة غير الاستبداد والطغيان ليبقى منغلقا على نفسه يعيش العزلة الاجتماعية والاقتصادية والسياسية والفكرية , حيث لم توجد أرضية مناسبة حتى تتراكم عليها التفاعلات التاريخية التي حصلت في أوروبا عصر النهضة وأدت إلى ثورة برجوازية – ديمقراطية , الذي حصل أن السلطة العربية – الإسلامية استفادت من منجزات الثورة الصناعية الأوروبية في إنتاج الخيرات المادية على شكل خامات ومواد أولية ليعود ريعها إلى جيوب الحكام, أن عدم مرور مجتمعات المنطقة بمرحلة التحول الصناعي – البرجوازي أثناء انتقال العالم من قيم العصور الوسطى إلى العصور الحديثة , حال دون حدوث ذاك التناقض الذي وقع في أوروبا بين سلطة الإقطاع وبين الطبقة البرجوازية التي قررت الثورة وجاءت بالديمقراطية , مما فوت على بلدان المنطقة فرصة القيام بثورات مماثلة ,البرجوازية العربية – الإسلامية الحاكمة بمنبتها الإقطاعي لا تحتاج ثورة صناعية حتى تحتاج الديمقراطية وبل دينها وديدنها هو الاستبداد والطغيان ولحماية المكاسب التي حققتها على حساب شعوبها .
ليس هناك في دائرة الشرق الأوسط مجتمع, يمتلك في بنيته التحتية مقومات لإنتاج الديمقراطية باعتبارها تعيش معطيات مركبة من التخلف الحضاري فكريا واقتصاديا و اجتماعيا , والصيغة المثلى لنظام الحكم في هكذا دول هي نظام الاستبداد الشرقي القديم , هناك نموذج استثنائي في الدائرة الإسلامية يتجه متعثرا نحو الديمقراطية وهي ماليزيا التي انفتحت على الشرق الغير مسلم والغرب المسيحي لتدخل مرحلة التصنيع الوطني مما دفعها إلى التفكير بالتحول إلى الديمقراطية , حتى يزدهر اقتصادها .
أمام هذه الحالة المزرية ماذا يمكن لمجتمعات الشرق الأوسط أن تفعل حتى تخرج من أزمتها الشاملة والمزمنة , بعد أن فقدت الآمل بالتحول الديمقراطي على أساس عدم توفر المناخ المناسب لنموها , وعدم قبولها بالديمقراطية المستوردة , هل ستبقى مئات الملايين من البشر تحت رحمة سيف الحاكم وممارساته في نشر الفقر والمرض والجوع , أم يجب البحث عن البديل المناسب لمستوى التخلف الحضاري لهذه المجتمعات , أن أساس أزمة شعوب المنطقة هو الصراع على السلطة التي تحتكرها حاليا حكومات استبدادية شريرة وفاسدة ,التي تنتج منهجيا مزيدا من عوامل الأزمة كوسيلة في قهر وإذلال شعوبها حتى تحافظ على احتكارها للسلطة , ماذا لو حصلنا على حل وسط دون الاستعانة بالديمقراطية الخبيثة والعياذ بالله من شرورها الامبريالية – الصهيونية . لقد كان للغرب ظروفه التاريخية – الحضارية الخاصة به التي قادته إلى رسم مصيره على الطريق الديمقراطي ذلك بالعودة إلى التراث الديمقراطي الإغريقي والتشريعات الرومانية لتبني عليهما نهضتها الحديثة , وليس محتما على العرب و المسلمين الاقتداء بالتجربة الأوروبية أو اليابانية في بناء نظام حكم أكثر عدلا , إذ بمقدورهم أيضا الرجوع إلى التراث القديم لحضارات المنطقة وتراث الحضارة الإسلامية , ليستنبطوا منها نموذج نظام الحكم الذي يتماشى مع الخصوصية الحضارية لشعوب المنطقة , حيث ساد قديما نظام الاستبداد الشرقي لدى السومريين و الميديين والبابليين والفراعنة أو ما سمي نظام الملك الإله الذي كان مستبدا , ولكنه تميز بالصلاح والرشد وشيء من العدل والإنصاف وكثيرا من الحكمة والدراية , ليوفر لشعبه قدر من الرحمة حتى يكون الناس قادرين على العمل والإنتاج الفكري والمادي , ما سمح لهم ببناء حضارات زاهية وإمبراطوريات عظيمة , لماذا لا يتم اعتماد نظرية الحق المقدس للحاكم في معالجة مشكلة السلطة التي تواجه شعوب المنطقة وتقف عقبة أمام خروجهم من الأزمة , فلو أعطي صاحب السلطان ضمانات دستورية بأن السلطة باقية له بالوراثة فلا داع لقلقه وخوفه من ضياعها من يده لربما لا يعود بحاجة إلى ارتكاب كل هذه الفظائع بحق الناس ليتخلى عن سياسة البطش والإرهاب والتجويع ورسم الأزمات , عله يمنح شعبه بعضا من الحرية الاقتصادية والفكرية والاجتماعية مقابل حصوله على الطاعة والضرائب , حتى تتشكل طبقة برجوازية صناعية تنتج مزيدا من الخيرات المادية ما يكفل توفير بيئة مناسبة لإنتاج الديمقراطية بعد الف عام إن شاء الله, من هنا نقترح على المؤتمر الإسلامي والجامعة العربية عقد جلسة مخصصة للتداول في مسألة السلطة لوضع مشروع عقد اجتماعي جديد يصحح العلاقة بين الحاكم والمحكوم على أساس تخلي الشعب عن حقه في السلطة لصالح الحاكم حتى يحتكرها بشكل دستوري – شرعي فلا تبقى لديه ذريعة حتى يستمر في سياسته الإجرامية بحق الشعب الذي (بصم له بالعشرة ) حول حقه في احتكار السلطة , مقابل ذلك على الحاكم أن يتحول إلى طاغية حكيم ليخفف الضغط عن الرعية ويتخلى عن سياسة سحق الإنسان وهدر كرامته , ويوسع للناس في رزقهم ويرأف بهم , ويطلق بشكل مقنن وتحت المراقبة الصارمة الحريات الغير سياسية , أسوة بالمرحوم حمو رابي الذي مارس الاستبداد الحكيم , واحترم الدستور الذي سنه بيديه , هل يقبل الحاكم الراهن بهذا العرض المغري الذي لن يعجب تيارات المعارضة التي تتشدق بالديمقراطية , وهي لا تعلم أن البيئة الحضارية في المنطقة غير مناسبة لزراعة الفكر الديمقراطي , فالعملية تحتاج إصلاح فكري طويلة الأمد ناهيك عن انجاز ثورة صناعية , وهذا لن يحصل في المستقبل المنظور , لذلك العلاج الوحيد في التخلص من طاغية ظالم فاسد وشرير هو تحويله إلى طاغية صالح وذلك بالتخلي له عن السلطة لعله ( يذوق قليلا ) ويكف بلاه عن الناس .
أن الدعوة إلى نظام الاستبداد الرشيد دعوة منطقية واقعية تفرضها ظروف الواقع في المجتمعات المحلية ,التي نتيجة انسلاخها عن الحضارة الإنسانية لا تملك معرفة نظرية أو عملية بالثقافة الديمقراطية , سوى بعض الشرائح المخملية التي سمعت باسم الديمقراطية من الحشرجة الإعلامية
أننا ندعوا الحاكم الطاغية إلى التمسك بالسلطة والى الأبد مقابل تخليه عن إنتاج سياسة الأزمة التي تستهدف شطب المواطن المستضعف من وجوده الإنساني وتحويله إلى دابة كسيحة ,لقد تعب المواطن من القهر السياسي والاقتصادي والاجتماعي و…الخ , فقد حققت هذه السياسة أهدافها كاملة , حيث لم نعد نشاهد مواطن يطالب بالسلطة أو يدخل في معارضة فعلية ضد النظام الحاكم , بل السواد الأعظم يهتف للحاكم كلما أمعن فيهم تعذيبا وقهرها , ليس هناك تهديد يخيف الحاكم فلماذا يستمر في سياسة القهر .
خلال 50 عام لم نجد حكومة تنبثق من إرادة الشعب سواء بالطرق الدستورية أو الثورات الشعبية ,باستثناء الانقلابات العسكرية التي لم تعبر عن إرادة الشعب بل كانت صراع على السلطة ضمن الطبقة الحاكمة , لقد خرج الشعب من لعبة السياسة , أما المعارضة فلا خوف منها كونها لا تمتلك القاعدة الشعبية ولهذا فهي عاجزة عن الإتيان بحركة حقيقية تهدد امن السلطة .
أننا لا نفهم هذا الخوف المبالغ فيه لدى الحاكم العربي والمسلم من مواطن لا حول له ولا قوة ليقوم بخنقه بحزمة من الأحكام العرفية وحالة الطوارئ والاستخدام المفرط لأدوات البطش , وحرمان المواطن من الثروة الوطنية , لا نفهم الحكمة من فرض حالة حصار شاملة على حياة المواطن ليساق إلى الموت بالحديد والنار , مع أن الجميع يقدمون له فروض الطاعة والولاء ويباركون له سيادته على دولة الفساد دينا ومنهجا , هل تستحق هذه الشعوب المقهورة المستكينة المستسلمة كل هذه الممارسات الفظيعة من لدن حكامها الذين يمارسون عليها عمليات هولوكوست حقيقية , وهذا هو جزاء الطاعة العمياء لجمهوريات الفساد وممالك اللصوصية وإمارات الاقنان وأنظمة حكومات الطفيليين من التجار والإقطاع سواء كانت اشتراكية أو برجوازية , رجعية أو تقدمية , فالمحصلة واحدة كثيرا من الانهيار والتردي , مما جعل الشعوب عاجزة وضعيفة فلم تعد بقادرة على حماية حقها في الحياة ولا الدفاع عن بلادها ضد الخطر الخارجي ولا حتى الدفاع عن سلطة الحاكم , فقد تآكل المجتمع تحت جبروت الاستبداد الظالم حتى الاهتراء وتفسخت الدولة بفعل سوسة الفساد والمحسوبيات والاستخبارات , وانكشف ظهر الحاكم أمام خصومه من الداخل والخارج ضعيفا بلا هيبة أو وقار .
أن النظام العربي – الإسلامي هو الحلقة الأضعف بين سلسلة التشكيلات الاجتماعية – السياسية الموجودة حول العالم , حيث لا تظهر قوته سوى أمام الشعب المقهور الأعزل المغلوب على أمره , الذي ينبش طوال النهار حاويات القمامة حتى يتحصل على قطعة بلاستيك أو سلك نحاسي ليسارع إلى بيعها ويشتري بثمنها رغيف خبز لأطفاله الجياع الذين ينتظرونه منذ الصباح , شعب يأكل القمامة لا أظنه يملك قدر من الكرامة أو القوة أو الشجاعة حتى يملك إرادة القتال والمقاومة .
ماذا يريد الحاكم أكثر من ذلك , على ما يبدوا انه يرفض تصحيح علاقته بشعبه بل هو مصر على الاستمرار في سياسته التي سوف تنقلب في النهاية وبالا عليه , أن عزة الدولة والسلطة الحاكمة هي من عزة الشعب ومتى ما خسر الشعب عزته وكرامته فلا تعود للدولة والسلطة من عزة وهيبة , لان الشعب هو الذي يحارب ويقاتل ويقاوم في النوائب ,السلطة بدون الشعب مشلولة والدولة بدونه معدومة , ما هي قيمة الدولة والوطن ما لم تكن ملاذ آمن لأبنائها .
القضية قضية ثقافة وفكر وقناعة وإدراك ووعي , والحاكم الأمي المتخلف ماذا يمكنه أن يدرك من واجبات ومسؤوليات رجل الدول المعاصر , حتى يعرف كيف يسوس شعبه ليكون مستعدا لمواجهة الخطر ,أن الحاكم العربي و المسلم لا يملك مؤهلات قيادة قطيع بقر فكيف يقود الدول والشعوب وهو الجاهل الذي لا يقدر على التحرر من جهله وتخلفه , ليبقى محكوما بعقلية زعيم تقليدي لعصبية محلية عشائرية ,إقطاعية, مذهبية, دينية, عرقية’ يظل مشحونا بالتعصب والعصبية مأخوذا بعقلية القوة كأفضل وسيلة لممارسة السلطة واحتكارها واضعا مصالحه الذاتية فوق مصلحة الدولة , لان فكره السياسي ضيقا مساحته لا تتعدى حدود عصبيته المحلية ,يسير المجتمع وفق مزاجه وهواه وينقاد خلف بطانته إلى مواقف معادية للشعب , وهذا شيء طبيعي بالنسبة إلى سلطان أمي, بغض النظر عن مستوى تعليمه الأكاديمي أو خلفيته الطبقية أو بيئته الاجتماعية والسياسية أو مشاربه الفكرية أو معتقداته الدينية أو ميوله المدنية والعسكرية أو فئته العمرية أكان شيخا خرفا أو كهلا أو شابا , رأينا العراقيين لحظة سقوط الدكتاتورية الظالمة كيف ينهبون عاصمتهم بغداد , كيف ينظرون متفرجين إلى القوات الأجنبية التي دخلت بلادهم , هذا لأن عهود القهر والظلم أفقدتهم روح المسؤولية تجاه السلطة الغاشمة والدولة البوليسية والوطن الذي وجدوا أنفسهم غرباء فيه.
واليوم فان محاولات حقن العراق بالديمقراطية المستوردة تجابه من نفس الجهات التي كانت يوما ما تعارض النظام البائد بذريعة المطالبة بالديمقراطية , وهذا ما يدعم مقولة أن شعوب الشرق الأوسط غير جديرة بالديمقراطية , فلا حل للأزمة سوى إقناع الحاكم بان يبقى في السلطة طاغية مستبد ,على أن لا يبخل على شعبه بقليل من العدل والعطف وهذا أهون من شر الاستبداد الظالم الذي قضى أو يكاد أن يقضي على الكائنات البشرية في المنطقة , حيث ليس هناك بصيص أمل في حل آخر .