الرئيسية » مقالات » خطر تكاتف الاقليات على مستقبل العراق

خطر تكاتف الاقليات على مستقبل العراق

منذ المفاجأة التي أطلقها البرلمان العراقي يوم 22 تموز الماضي، وإلى تفجير المفاجأة الاخيرة في 24 سبتمبر/2008، نشر كم هائل من المقالات التي قد تربوا على الكثير من الاحداث والاحوال في حجمها ومداخلاتها ومناقشاتها واسلوب انسانيتها ومن مختلف الفئات والمستويات. فبعد 22 تموز كانت تكيل الاتهامات من هذا الطرف للطرف الثاني بالخيانة والتخوين والتخندق والالتفاف ولوي الذراع. ولكن تلك التهم تحولت فيما بعد 24 سبتمبر إلى لغة تجاهل حقوق الانسان والانفعالات العاطفية والغبن والتهميش وانتهاك الدستور والتعاطف مع هذه المكونات التي ساهمت كغيرها في صنع مستقبل العراق وتاريخه. وبين هذه وتلك، برزت حالة فيها من الدقة والخصوصية قد لا ينتبه إليها الكثيرين، وهي محاولة إحداث تفرقة وتمييز فيما بين تلك الاقليات بدافع أن لهذه الاقلية حق دون ذكر البقية اعتماداً على المساندة الدولية التي لها اكبر الاثر في تغيير العلاقات والتوازنات رغم الظرف ومحاولة احتوائها، لأن وضع الايزيديين والشبك محسوم سلفاً.

ففي المؤتمر الصحفي الذي عقده السيد جلال الطالباني عقب عودته من امريكا وبحضور السيدين مسعود برزاني وطارق الهاشمي في صلاح الدين، وجوابا على سؤال أحد الصحفيين للدكتور الهاشمي بخصوص تهميش الاقليات أجاب: “يجب اعادة النظر بحقوق الكلدوآشوريين، وهنا كرر القول مرتين دون ذكر بقية الاقليات”، في حين لم يتطرق أي من السيدين الطالباني والبرزاني لهذه المشكلة على الرغم من ان حزبيهما كانا بالدرجة الاساس من وراء هذه الفتنة. فقديما قيل “خوفك من الفقير إذا أغتنى، ومن المظلوم إذا تحول إلى ظالم”، وإنني أرى بأن هذا القول الحكيم هوبعينه ما ينطبق اليوم على معظم كيانات العراق [الكبرى]، وبالدرجة الأساس على الكيانات الكردية بحكم علاقتنا واحتكاكنا المباشرة معها. فالمتتبع للسياسة الكردية منذ سقوط النظام ولحد الان يشعر بأن سياسة الانتقام وتميش الاخر هي السائدة في تفكيرها وبالاخص مع الحلفاء الاضعف مثل الايزيديين والشبك والكلدواشور. حيث يحاولون بشتى الوسائل إضعافهم إلى الحد الذي لا يستطيعون معه حتى اداء دورهم الطبيعي كمواطنين أسوياء بشكل صحيح ما لم يدوروا في فلك هذا أو ذاك.

لقد ربطوا الحياة بالمادة من خلال التعيينات والتهديد بقطع الراتب وبث الرعب في حال اي تصرف يخرج خارج الحدود المسموح بها كرديا. بل راحوا لابعد من ذلك بحيث أن اي مواطن ينطق بكلمة حق مهما كانت، سواء في الوطنية أو الحقوق العامة فإنه يصنّف بالارهابي أو الصدامي، وبذلك نجحوا في قمع اي كلام خارج المخطط والمرسوم له، وهذا يتناقض مع ما يدعون به. فقرأنا الكثير من المداخلات والروايات والطعون والتشخيصات بشأن الموقف الاخير للبرلمان، ولكن الجميع أجمعت في معناها على أمر واحد محدد وهو، أن هناك ضرراً مقصوداً قد حصل. وأن هذا الضرر سبّبته القوى المتنفذة الكبرى في الدولة.

فالدكتور منذر الفضل وكذلك السيد الفاضل زهير كاظم عبود وغيرهم أوضحوا مشكورين الرأي القانوني والدستوري لما جرى ويجري، وهو بالتأكيد أمر مهم وحيوي بل وضروري بالوقوف عند رأيهم. فحسب المواد الدستورية 2- أولاً و3 و4 و14 و16 التي وافقت عليها وسنّتها تلك القوى ومن ثم شطبت المادة 50 فيما بعد، تركز جميع هذه المواد على الحقوق المدنية والانسانية والمساواة التي نادى بها مسنّوا الدستور بدون تمييز. ولكن نفس البرلمان نقض كل تلك المواد الدستورية بمجرد اشهار موقف من نائب لم يسمَع به أحد في يوم من الايام بأنه يمثل بشر، دون ان تتم مناقشة رأي هذا (النائب اليزيدي-الكردي). فهل كان راي هذا الشخص مهم لهذه الدرجة بحيث يوافق كل البرلمانيين بأغلبية 191 عضوعلى مقترحه في غفلة منهم جميعاً بحيث اكتشفوا قيمة هذا الاقتراح العجيب لكي يخرج العراق من محنته التي دامت على مدى شهرين من المناقشة والتخوين؟ ولو فرضنا جدلاً بأن هذا النائب قد اقترح الموضوع بشكل آخر، مثلا المطالبة بالمزيد من المقاعد للاقليات، هل كان النواب الافاضل يوافقون عليه بهذه السرعة والاغلبية من غير مناقشة؟ إنه فعلا انقذ البرلمان والعراق من كارثة كانت ستسبب مأساة للبشرية ليوقعهم في مهالك اخلاقية. اللهّم لم يحصل مثل هذا التهريج حتى في مقهى هوبي، لأن المقهى يحظى باحترام الرواد أكثر من برلمان لا يحترم ابسط قواعد القانون ويهدم البناء والبنيان بدلا من البناء على انقاض الخراب والتخريب. إذن ما الفرق بينكم وبين من تتهمونهم ب”الموافج”؟ فوافقتم 191 عضو برلمان على فقرة قانونية لم تتم قراءتها، ولم تتم مراجعتها، ولم يتم فحص ودقة صحتها. فلعمري ذلك “الموافج الدكتاتوري” أشرف من مهزلتكم “الديمقراطية”.

ففي مقابلته مع فضائية عشتار، القى السيد المشهداني بالتبعية كاملة على الرئيس الطلباني، وقال بأنه كان وراء ذلك القرار، وقد ايده في ذلك الكثيرين من الكتاب الافاضل بطريقة سواء بشكل مباشر أو بالايحاء. فإذا كان هذا صحيحاً، فإن افضل وصف يمكن أن ينطبق على السيد جلال الطالباني لحد الان، هو ما قالها بحقه صدام حسين عندما اعلن العفو عن جميع الاكراد مستثنياً الخائن جلال الطلباني. وبهذا العمل اثبت السيد الطلباني خيانته العظمى بالقول والفعل بحق الشعب الذي يمثله الان، إن كان هو حقاً وراء هذا الامر، وهو ما لا نتمناها له.

نحن نفهم جيداً بأنه لا يمكن لهذا النائب أن يطالب بهكذا فعل مالم يكن الامر مدسوس ومدروس ومختار بعناية وبخبث وتفنن في الجريمة واختلاس الفرص. ونحن نعلم ايضاً بأن هذا النائب ليس ممثلا للإيزيدية وإنما يمثل قائمة التحالف الكردستاني المعروفة بمواقفها المسبقة من حقوق الايزيدية منذ أن تم تعيين حسن كريم فتاح الجاف (الكردي المسلم من ناحية كلار) من قبل السيد مسعود البرزاني ليمثل الإيزيدية في تشكيل اول نواة للجمعية الوطنية والذي استبعده منها السيد فؤاد معصوم بعد مناقشات حادة ليس لكونه مسلماً ويمثل الايزيديين، ولكن كونه معين من قبل السيد مسعود البرزاني شخصيا ومن الحزب الديمقراطي بالتحديد كما قلنا في مقال سابق. وقد طرق مسامعي مؤخراً بعض الكلام عن هذا النائب من عدة مصادر بأنه قال اذا كان مقعدا واحدا فقط هو حصة الايزيديين، فلا داعي لذلك المقعد ايضا، ولم يكن يقصد حذف حصة الاقليات من القانون. ولكن لنقل هذا حصل فعلاً، إذن لماذا يسحب الامر على بقية الأقليات من غير الإيزيديين؟ لماذا تسارع جموع النواب في حذف حصة اقليات غير ايزيدية لمجرد ادعاء نائب يزيدي بحذف حصتهم من المقاعد؟ فلا نعرف لحد الان حقيقة ماقاله هذا النائب، ويا حبذا لو النائب نفسه يعلن بشكل مكتوب عن ما كان يريد من موقفه في ذلك الوقت، على الاقل ليبريء ذمته من هذا الفعل الذي سيحمله التاريخ تبعاته، إن كان قادراً على قول الحق.

فاين كانت القوى الاخرى من هذا التصرف المشين؟ فالجميع يتحمل التبعية الاخلاقية قبل القانونية سواء كانت احزاب سياسية أم كتل برلمانية، أكراداً كانوا أم عرباً أم تركماناً أو أمم متحدة لأنهم دخلوا البرلمان ليمثلوا الشعب وليس لتمثيل حصصهم فقط. وعندما كنا نقول بأن هؤلاء المتعينين لا يمثلون الشعب، كانت تظهر عشرات الاصوات وتتهمنا بالضد من الاحزاب المتسلطة سياسياً وأمنياً على رقابنا. ومن ثم ارجع واقول اين كنت يا دكتور حنين القدو؟ وهل هذا البيان الركيك والهزيل الذي اصدرته باسم مجلس الاقليات كافِ لتقول بانك اديت الواجب الذي ملقى على عاتقك؟ كان من الممكن أن تستشهد بموقف إحدى العاهرات الايطاليات عندما طلبت من البرلمان الايطالي ممثل لهن في البرلمان لأنهن يمثلن مجموعة لا بأس بها من شرائح المجتمع الايطالي ولهن مشاكلهن التي تستوجب الاهتمام (مع كل الاحترام للشعب الايطالي)، وقد حصلن على حقهن بالتمثيل دستوريا في البرلمان الايطالي. فمن الناحية الانسانية لا يوجد فرق بينهن وبين أية مجموعة بشرية أخرى. ألا يستحق أهلكم الذي يعرف بلدكم باسمهم حق التمثيل؟

ولنفترض أن كل هذا الامر ماشي وحسب الاصول. فالسؤال هنا يفرض بنفسه، أين كان امين فرحان من كل ما جرى؟ فمثلما لم نجده يزور تل عزير وسيباية الشيخ خضر في المحنة الفريدة من نوعها في تاريخ العراق الدموي في 14/8/2007، فإنه لم ينطق بكلمة في الرد على النائب المجهول الذي اشتهر فجأة واصبح بطلا بضربة شاطر على قول النائب عباس البياتي. فهذا نائب مجهول وذاك نائب خائب، وهذا كردي يزيدي وآخر يزيدي-إيزيدي. ولكن يجب أن نقول بأن عتبنا ليس فقط عليهما، بل على الكتل الشيعية ايضاً وبنفس المقدار لانه كان بامكانها أن تسجل للتاريخ موقفاً مشرفاً. إننا والله نعرف حقيقة الامر فيما لو تم تخصيص مقاعد لتم تعيين (شخصيات) من نفس حجم النائب اليزيدي المجهول حتى من أهله، وأنا شخصيا أحمد الله على هذا الذي حصل. أولا؛ لكي يتعرف الشعب العراقي على حقيقة ما يجري. وثانياً لانه سوف لن يكون في الحال الجديد افضل مما يقوله هذا النائب فيما لو تم اختيار أي ممثل من قبل الكتل السياسية. فالمسئولية إذن، هي أخلاق قبل أن تكون مسئولية فنية بحد ذاتها. فليذهب الطلباني (إن كان هو من وراء هذا العمل، وعلى ذمة المشهداني)، ومن ايد هذه الفكرة إلى مصير مجهول، ولكنهم سوف لن يقدروا على محونا، فنحن اقوى من هذه التوافه.

إن موقف هذا النائب الكردي (اليزيدي)، ذكّرني بقول الاكراد في طه محي الدين معروف نائب رئيس الجمهورية في عهد صدام، وبأن ينكر أصله بنفس الطريقة التي طلبت القوى الكردية من نائبها الشريف لكي يقول بأننا لسنا بحاجة إلى ممثلين؟ هل رأى هذا النائب ما يجري لبني جلدته في سنجار المآسي التي جلبتها لهم اسياده؟ ولكن لماذا لم يقم الايزيديين بالمظاهرات كبقية الشرائح التي غبنت في حقها من الشبك والكلدوآشور؟ (إنه……..)، انه لمحق فعلا في ان يقول باننا لسنا بحاجة لممثلين. وألف تحية لمن خرج من البرلمان احتجاجاً، وألف تحية لمن تظاهروا، وكتبوا، وأوصلوا الصوت المدوي إلى مراكز القرار.

فالنائب التركماني من كتلة الائتلاف الشيعي قال: قام نائب يزيدي من الكتلة الكردية (قد لايعرف السيد البياتي حتى اسم هذا النائب اليزيدي، وقد يكون لاول مرة يحضر لأجل هذا الامر فقط)، في آخر لحظة قبل التصويت بطلب شطب حصة اليزيدية بذريعة انهم اكراد ولا يحتاجون إليها! دون ان يقدم طلبه إلى اللجان المختصة طيلة الفترة السابقة من المناقشات والبحث. ويستمر السيد البياتي قائلا: ومن الواضح أن هذا السيناريو قد أعد بعناية فائقة حيث لايوجد متسع من الوقت لمناقشة تعديلات القانون…… وبهذا الطرح من النائب اليزيدي ضرب الاكراد ضربة شاطر للتخلص من المقاعد المخصصة للقوميات الصغيرة دون ان يكون في الواجهة معترضين عليه،ولكنهم وإن كانوا قد عملوا على تحقيق هذا الهدف من وراء الستار، إلا انهم لم يستطيعوا إخفاء موقفهم الحقيقي وليس المعلن ليل نهار عن ديمقراطيتهم مع القوميات الصغيرة.

إن القلم والفكر ليعجزان عن تصور هذه المواقف المتناقضة. كيف يحصل هذا النائب على موافقة 191 صوت من اصل 275 في ظرف ثواني معدودات ومن دون مناقشة على طرح لم يمر على لجان المناقشة من قبل؟ من هو الذي سند وقدم الدعم لهذه الضربة الشاطرة يا سيد بياتي؟ كيف تم إعداد هذا السيناريو بمعزل عنكم؟ لماذا وافقتم على إخراج مسرحية بسيناريو لم تشاركوا الكاتب في قراءة النص المسرحي؟ وهل وجدتم بان هذه الفئات من العراقيين لا يستحقون خمس دقائق من وقتكم الكريم لتقفوا عليها بشيء من التأني والعقلانية؟ ألستم تتحملون نفس وزرهم خاصة وأنكم انتم الاغلبية في هذا المجلس؟ ألستم أنتم مَن نجحتم تمرير القرار؟ ألستم انتم من تقولون بأن هذا الدستور الديمقراطي ولد من معاناة ثمانية ملايين عراقي تحدوا الموت والصعاب وساهموا بالتصويت عليه ديمقراطياً وأنجحوه؟ ألم يكن من بين تلك الملايين ناس من تلك الاقليات التي همشتموهم بعد أن استقر بكم الامر؟ فما هي الديمقراطية التي تدعونها فيما إذا لا يعارض أحد مسالة من هذا الحجم؟ ولذلك ننصحكم باتقاء خطورة مقاعد الاقليات عليكم بحرب استباقية لانه لها خطورة على أمنكم القومي.

وهنا أريد أن اوجه كلاماً للشعوب العربية واقول لهم كلمة واحدة؛ إن امريكا تعلم باليقين بأنه لا يمكن تطبيق الديمقراطية في الشرق الاوسط حتى ولو بعد قرنين من الان. ولتعلموا بأنكم سمعتم كافة التصريحات الامريكية وكذلك الذين جاءت بهم على حكم العراق في رسم وتصوير الديمقراطية وتوزيع حصة النفط على كل مواطن في بيته بحيث لا يتحمل مشقة الطريق. وأنصحكم بالتشبث بقياداتكم الدكتاتورية ايما تشبث واحضنوها بكلتا اليدين لأنكم إذا ما خسرتموهم، فستندمون عليهم في ظرف أقل من اسبوع. والسلام عليكم ورحمة الله وكل عام والجميع بخير.

علي سيدو رشو/ رئيس رابطة المثقفين الايزيديين
ناشط في مجال حقوق الانسان
القاهرة في 7/10/2008